اهتزاز "القلعة والعمق"... توزيع السلطة والثروة

"طموح الشعب الإيراني أن يكون مثل شعب كوريا الجنوبية، والنظام يريد أن يحكم مثل كوريا الشمالية"

ليس لدى الملالي في إيران سوى تهمة جاهزة لأي انتفاضة شعبية (أ. ف. ب)

جمهورية الملالي تمارس نظرية "القلعة والعمق الإستراتيجي". إيران هي "القلعة" التي تبني القوة من مواجهة "الاستكبار العالمي". والمنطقة الممتدة من اليمن والخليج إلى العراق وسوريا ولبنان وغزة هي "العمق الإستراتيجي" الذي يحميها. وقبلها كان الاتحاد السوفياتي يطبق إستراتيجية "القلعة الاشتراكية" التي "سورها" المعسكر الاشتراكي في أوروبا الشرقية "وعمقها" يمتد إلى كوبا وكل نظام حليف في أي قارة. ثم تبنّت إسرائيل نظرية "القلعة والسوق". هي "القلعة" العسكرية المحصنة. والعالم العربي هو "السوق" الذي تخطط لأن تكون مفتوحة أمامه ومرتبطة به. الاتحاد السوفياتي انهار في النهاية لأكثر من سبب، بينها عبء التزاماته تجاه "السور والعمق" ومواجهة الغرب. وإسرائيل فضّلت التمسك بالأرض المحتلة على "حل الدولتين" وتسوية الصراع العربي- الإسرائيلي، فخسرت طموحها إلى السوق، ولم تعد في عصر الصواريخ القلعة الحصينة. والدروس مكتوبة على الجدار أمام الملالي الذين يكابرون ويتصورون أنهم يبنون "جيش المهدي"، بحيث رفع الرئيس السابق أحمدي نجاد شعار "استعدوا لنحكم العالم".

وليس لدى الملالي سوى تهمة جاهزة لأي انتفاضة شعبية في العمق الإستراتيجي أو في القلعة. هكذا نظر المرشد الأعلى علي خامنئي إلى الحراك الشعبي في العراق، فرأى أصابع أميركا و"الشغب" بدل "الشعب". كذلك الأمر بالنسبة إلى الحراك الشعبي في لبنان، ثم في إيران نفسها: "إنهم الأجانب الأعداء". وقبل ذلك مارس سياسة "نقاتل في دمشق لئلا نقاتل في طهران"، وندعم إنقلاب الحوثيين في اليمن لاستنزاف اليمن ودول الخليج.

لكن الصورة الواقعية مختلفة تماماً. فأميركا مع الرئيس دونالد ترمب في عالم آخر. وحلفاء إيران الذين يتهمونها بتحريك المتظاهرين، يقولون في الوقت نفسه إنها تنسحب من المنطقة وتتخلى عن حلفائها وينصحون لهم بالكف عن الرهان على "الشيطان الأكبر" مؤكدين أن المحور الإيراني هو المنتصر الرابح. فالانتفاضة الشعبية التي شهدتها طهران وعدد كبير من المدن كانت شرارتها زيادة أسعار البنزين. والانتفاضة الشعبية في العراق كانت اجتماعية في البدء. كذلك الانتفاضة في لبنان. وإذا كانت أميركا قادرة على تحريك الملايين في العراق ولبنان وإيران، فإن الحكومات فاشلة ولا تستحق أن تبقى في السلطة.

والقاعدة ثابتة: كل انتفاضة شعبية تبدأ بمطالب اجتماعية تنتهي إلى مطالب سياسية. هكذا رأينا ما حدث في تشيلي وبوليڤيا وهونغ كونغ والإكوادور وفنزويلا والعراق ولبنان والجزائر والسودان وإيران. فالظلم الاجتماعي هو في البداية والنهاية ظلم سياسي. والفساد والرشوة والسطو على المال العام والبطالة والتفاوت الكبير في الدخل هي نتاج سياسات سيئة. شعار المتظاهرين في تشيلي هو "النيوليبرالية ولدت في تشيلي، وتموت في تشيلي". شعار المتظاهرين في العراق هو تحسين الخدمات وضمان فرص العمل وتعديل الدستور وقانون الانتخاب لإعادة تكوين السلطة. وليس أمراً عادياً أن ترتفع الأصوات ضد النفوذ الإيراني في كربلاء والنجف والبصرة والناصرية والمثنى، وأن يؤيدها المرجع علي السيستاني. والشعار في لبنان هو ضمان فرص العمل للشباب، وخصوصاً للمتخرجين من الجامعات، واسترداد الأموال المنهوبة ومحاكمة الفاسدين وتأليف حكومة إنقاذ للوضع المالي والاقتصادي وإعداد قانون انتخاب جديد من أجل انتخابات مبكرة. ولم يكن خارج المألوف أن يرفع المتظاهرون في إيران شعار "يسقط الديكتاتور" إلى جانب المطالب الاجتماعية. ولن يغير في الأمر أن يمارس نظام الملالي الحد الأقصى من القمع وإطلاق الرصاص على المتظاهرين. ولا أن يتولى "قناصة" قتل المئات وجرح الآلاف في العراق برصاص يقول وزير الدفاع العراقي نجاح الشمري أنه لم يأت من خلال الحكومة. فالمشكلة، بحسب الخبير في كارنيغي كريم سادجاديور أن "طموح الشعب الإيراني أن يكون مثل شعب كوريا الجنوبية، والنظام يريد أن يحكم مثل كوريا الشمالية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكل بلد خصوصية، ولكل حراك اجتماعي أسباب متعددة. لكن القاسم المشترك بين الانفاضات هو قلق الطبقة الوسطى بعد الطبقة الفقيرة حيال الحاضر والمستقبل: البطالة، الخوف حتى على الوظائف، الغلاء، انخفاض أسعار العملة المحلية مقابل الدولار بما يجعل الأسعار أعلى والدخل أقل. وانسداد الأفق السياسي للتغيير. وما نراه هو عملياً ثورة الطبقة الوسطى ومعها الطبقة الفقيرة. ويقول مايكل توماسكي في مقال نشرته "نيويورك تايمس" إن "فقدان الأمان الاجتماعي يدفع الطبقة الوسطى والطبقة الفقيرة إلى خيارات يائسة". لا بل ينظر إلى تمركز الثروات في أيدي 1 في المئة فيرى "تدميراً للديمقراطية، لأن كل ديمقراطية تحتاج إلى طبقة وسطى قوية، وما يحدث هو سحب المال من جيوب الطبقة الوسطى إلى كبار الأثرياء". وهذا ما جعل الصرخة تعلو حتى في أميركا، بحيث تقترح المتنافسة على ترشيح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية إليزابيت وارن فرض "ضريبة على الثروة". ولم يكن تعليق بيل غيتس على ذلك سوى الاستهوال: "تخيلوا فاتورة ضرائبي في رئاسة وارن".

ولا حل في النهاية إلا بالتلازم بين "إعادة توزيع الثروة وإعادة تكوين السلطة. فمزيد من تركيز السلطة في يد وصفة للانهيار في النهاية. وما أبلغ سؤال كارا سونشير "هل أنت فقير إلى درجة أن كل ما لديك هو المال؟".

المزيد من آراء