تونس... هل يكون الحبيب الجملي مستقلاً أم واجهة لتنفيذ أجندات "النهضة"؟

الغموض يلف المشهد الحكومي فهل سينجح في إقناع الأحزاب للانضمام إلى حكومته وضمان منحها الثقة في البرلمان؟

مثّلت مسألة استقلالية رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي موضوع نقاش سياسي كبير في تونس.

ففي أول تصريح إعلامي له إثر تكليفه من قبل رئيس الجمهورية قيس سعيد، أكّد رئيس الحكومة المكلّف أنه مستقل وسيرفع الفيتو في وجه حركة "النهضة" ذات المرجعية الإسلامية التي رشّحته لهذا المنصب، إذا ما رأى ذلك ضرورياً، وقال إنه اتفق مع رئيس الحركة راشد الغنوشي على عدم التدخل في اختيار أسماء التشكيل الحكومي المقبل.

الغنّوشي يستبعد مشاركة "قلب تونس"

في المقابل، صرّح راشد الغنوشي رئيس حركة "النهضة"، أن حزب "قلب تونس" لا علاقة له بالحكومة المقبلة، مضيفاً أن هذا تقدير حزبه "وفاء منه لوعوده التي قطعها سابقاً"، على حد قوله.

فإلي أي مدى سيكون رئيس الحكومة المكلّف مستقلاً في اختياره تركيبة الحكومة المقبلة؟ وهل سيكون مستقلاً فعلاً أم سيكون واجهة لحركة "النهضة" ومن سيتحالف معها لتمرير أجنداتها السياسية؟

الجملي مستقل في نظر "النهضة"

وعلى عكس ما روّجته "النهضة" في بيان رسمي، أن الحبيب الجملي مستقل فإن الرجل قد تحمّل مسؤولية حكومية ككاتب دولة لدى وزير الفلاحة في عهد القيادي في الحركة حمّادي الجبالي.

وقال القيادي في الحركة نور الدين البحيري إن "النهضة تنازلت كثيراً من أجل ترشيح الحبيب الجملي الذي لم يسبق له أن تحمّل مسؤولية حزبية، وذلك من أجل التسريع في تشكيل الحكومة المقبلة".

في حين، اعتبر عدد من المتابعين للشأن السياسي في تونس أن ترشيحه ليس إلا واجهة لتنفيذ مشاريع وأجندات حركة "النهضة" ومن سيتحالف معها. ووسط كل هذا الأخذ والرد، أكد الجملي أنه منفتح على كل الأحزاب وأنه سيبدأ سلسة من المشاورات مع مختلف الأحزاب من دون استثناء.

وقد وعد الجملي بتقديم حكومة قليلة العدد ومن الكفاءات الوطنية، لتخفيف أعباء الإنفاق العمومي والبدء في الإصلاحات الكبرى ومحاربة الفساد.

التحالفات الممكنة...

وتشير المعطيات الأولية إلى أن الجملي سيلتقي فعلاً مختلف الأحزاب في تونس، إلا أنه لا يمكنه أن يستبعد حزب "قلب تونس" (38 مقعداً)، إلا في حال توصّل إلى إقناع أكثر عدد من الأحزاب الممثلة في البرلمان، من أجل حصول حكومته على ثقة البرلمان، وهو أمر مستبعد بالنظر إلى واقع الحال وما أفرزته التحالفات الجديدة، التي أفضت إلى انتخاب راشد الغنوشي رئيساً للبرلمان إثر تحالف "النهضة" مع "قلب تونس".

ويرى مراقبون أن الجملي لن يتمكّن من الحصول على ثقة البرلمان في تونس، إلا في حال تقدّم بتشكيلة حكومية تتألّف من الكفاءات بعيداً من المحاصصة الحزبية، التي أثبتت فشلها في تونس منذ عام 2011، وناتجة من مشاورات معمّقة وفق برنامج محدّد تتفق حوله الأحزاب الكبرى الحائزة على أكثرية المقاعد في المجلس النيابي، على غرار "التيار الديمقراطي" و"حركة الشعب".

شرط الحقائب السيادية

وبينما أبدت "حركة الشعب" ليونة إزاء المشاركة في الحكومة المقبلة، إذا ما كان برنامجها مستجيباً لتطلعات الحزب، جدّد "التيار الديمقراطي" شروطه وهي الحصول على حقائب الداخلية والعدل والإصلاح الإداري، مقابل مشاركته في الحكم، بينما استبعد حزب "الدستوري الحر" المشاركة في الحكومة.

ويعتبر شرط "التيار الديمقراطي" (الحصول على حقائب سيادية)، مقياساً موضوعياً لفهم مدى استقلالية رئيس الحكومة المكلف عن حركة "النهضة".

مهلة الشهرين

وفي حال فشل الجملي في التوصل إلى اتفاق مع كل من التيار و"حركة الشعب" للمشاركة في الحكومة المقبلة، فإن "النهضة" قد تجد نفسها مجبرة على العودة إلى التحالف مع "قلب تونس"، وإعادة إنتاج سيناريو مجلس نواب الشعب، من أجل ضمان حصول الحكومة على ثقة المجلس.

وسيكون أمام الجملي مهلة لا تتجاوز الشهرين لتشكيل حكومته وتقديمها إلى البرلمان، بحسب ما ينص عليه الفصل 89 من الدستور، وإلا فسيتدخل رئيس الجمهورية قيس سعيد لتكليف شخصية جديدة لتشكيل الحكومة.

وإزاء حالة الغموض التي تسود أفق المشهد الحكومي في تونس في المستقبل القريب، هل سينجح الحبيب الجملي في إقناع عدد من الأحزاب للانضمام إلى حكومته وبالتالي ضمان منحها الثقة في البرلمان؟

المزيد من العالم العربي