أدب "الحراك" في الجزائر

منظمو معرض الكتاب أقصوا كل حوار أو نقاش عمومي حول "الحراك"... إذ لم تنظم أية ندوة أو محاضرة

عرضت دور النشر الجزائرية ما يزيد على 20 كتابا حول "الحراك" تتراوح بين التحليل والشهادة والتخييل الإبداعي (رويترز)

ها هو "الحراك" الجزائري السلمي الذي يستمر منذ 22 فبراير (شباط) 2019 يحرر الكتابة في الجزائر من فضاء العشرية الدموية (1990-2000)، والذي لطالما سجنت خطابها فيه، ويدفع بأسئلتها السياسية والفكرية والجمالية إلى أفق جديد، أفق متطلع للحلم الديمقراطي والتعددية والتغيير المفصلي.

لقد تميّز معرض الجزائر الدولي للكتاب - الذي انطلق في 30 أكتوبر (تشرين الأول) واستمر حتى 9 نوفمبر (تشرين الثاني)- بظاهرة جديدة تتمثل في عرض عدد كبير من الكتب التي تناولت موضوع "الحراك"، الذي تعرفه الجزائر منذ أزيد من تسعة أشهر في كل المدن، من خلال مظاهرات عامة كل يوم جمعة ومظاهرات طلابية كل يوم ثلاثاء.

وعلينا قبل كل شيء أن نسجل الملاحظة التالية: فعلى الرغم من هذا الحضور لكتب كثيرة تناولت الحراك، وعلى الرغم من أن ظلّ الحراك كان واضحا على سير معرض الكتاب، فأحاديث الزوار الخاصة والحلقات المغلقة الخلانية لا حديث لها سوى حديث الحراك، مع ذلك  فإن المنظمين أقصوا كل حوار أو نقاش عمومي حول "الحراك"، إذ لم تنظم أية ندوة أو محاضرة أو حوار حول ظاهرة الحراك؟

ما في ذلك شك بأن الكتابة عن قضية لا تزال قائمة وتتطور يوميا، هي كتابة تنتمي إما إلى ما يسمّى بـ"أدب الاستعجال" أو "أدب الشهادة" أو"التوثيق"، وهي كتابة على الرغم من "طابعها الصحافي العارض"، فإنها تحمل قوة الشهادة والحيوية والصدق، وربما العفوية أيضا.

لقد عرضت دور النشر الجزائرية ما يزيد على عشرين كتابا باللغات الثلاث، العربية والفرنسية والأمازيغية، حول "الحراك"، كتب لأدباء مكرسين، وأخرى لأقلام جديدة، وبعضها لإعلاميين رافقوا "الحراك" منذ بدايته، نصوص في الشهادة وأخرى في التحليل وثالثة في التخييل الإبداعي.

وإذا كان من السابق لأوانه الحكم على هذه النصوص من موقع النقد، لكن الأكيد أنها ستظل شهادة مهمة بالنسبة إلى المحلل السياسي والسوسيولوجي، وأيضا للمبدع الأدبي أو المسرحي أو السينمائي أو التشكيلي في وقت لاحق. إنها وثائق يمكن الاستفادة منها، حين تنتهي هذه المرحلة، في قراءة ما وقع وبالتالي تحليل الأخطاء والإيجابيات التي أدت بهذه الحركة الشعبية السياسية في هذا الاتجاه أو في ذاك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والملاحظ أن غالبية هذه الكتب هي من تأليف صحافيين رافقوا أو شاركوا في الحراك، ومن بينها كتاب الصحافي والإعلامي أحمد علال، بعنوان "بوتفليقة والزنزانة رقم 5"، صدر عن دار الأمة، وكتاب آخر للإعلامي بوعلام رمضاني، بعنوان "أحب وطني رغم أنفكم"، عن منشورات خيال، وآخر لبشير فريك، وهو والٍ سابق بعنوان "حكم بوتفليقة.. جون أم خيانة". وفي هذه الكتابة ذات النفس الصحافي، عاد أصحابها إلى جمع مقالاتهم التي نشرت على أعمدة بعض الصحافة الورقية أو الإلكترونية أو حتى على صفحاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي، وهي في غالبيتها كتب تتميز بالحس الصحافي والمتابعة اليومية وتخلو من التحليل السياسي أو السوسيولوجي العميقين متوقفة عند المعاينة والإحساس الفردي الشخصي، ولكن أهميتها تكمن في تسجيلها هذه الأيام السعيدة التي تعرفها الجزائر بحثا عن مستقبل بقطيعة مع الماضي السياسي المتميز بالفساد والواحدية الحزبية والولاء المطلق للسلطان الأكبر.

 ومن الكتب القليلة التي عرضت بالمعرض الدولي للكتاب والتي تحمل بعدا تحليليا عميقا ورؤية سياسية بناء على قراءة في الماضي واستشراف جزائر المستقبل، يمكن ذكر كتاب المثقف والسياسي الدكتور سعيد سعدي، وهو بعنوان "ثورة 22 فبراير- المعجزة الجزائرية"، صدر عن دار فرانتز فانون، وسعيد سعدي هو الرئيس السابق لحزب "التجمع من أجل الثقافة الديمقراطية" منذ تأسيسه وحتى 9 فبراير 2018، وهو قلم متميز يجمع ما بين عمق الأديب وحساسية الكاتب المثقف، فهو مناضل شرس من أجل الديمقراطية والتعددية واستعادة الثقافة واللغة الأمازيغية، وقد حكم عليه بالسجن لمرات عديدة ضريبة مواقفه الصلبة ضد الأنظمة الواحدية في الجزائر منذ نظام الرئيس هواري بومدين (1965-1978).

والدكتور سعيد سعدي هو روائي أيضا، كتب رواية بالأمازيغية بعنوان "الكشّاف" (أسكوتي)، نشرها العام 1982، ونشر قبل سنتين بالفرنسية كتابا متميزا وعميقا وحميميا عن الفنان والمغني القبائلي الكبير شريف خدام، بعنوان "شريف خدام، طريق الواجب" 2017، ويعد سعيد سعدي واحدا من السياسيين المثقفين الذين رافقوا الحراك منذ انطلاقته، بالحضور وأيضا بالكتابة والتحليل، وها هو اليوم يدخل المعرض الدولي للكتاب بعنوان جديد، "ثورة 22 فبراير- المعجزة الجزائرية"، وقد استهل الكتاب بإهداء إلى كل من المجاهد الكبير لخضر بورقعة، الشيخ صاحب الـ86 سنة، وأحد رموز الثورة الجزائرية وأحد رموز الحراك، والذي يقبع في السجن منذ أزيد من أربعة أشهر، وإلى المناضلة الشابة سميرة مسوسي، والتي وصفها بأيقونة الشباب المناهض للخنوع، والتي تقبع هي الأخرى في السجن لا لشيء إلا لأنها كانت تتظاهر وسط العاصمة حاملة الراية الأمازيغية، راية شمال أفريقيا.

يشرح الكاتب والمناضل سعيد سعدي في المقدمة سبب اختياره لكلمة "معجزة" في العنوان، ويفسر ذلك بأنه وللمرة الأولى يشاهد هذا التلاحم غير المسبوق والذي لم يكن متوقعا بين الشباب والنساء في مسيرات عارمة مستمرة لأزيد من تسعة شهور.

و"ثورة 22 فبراير- المعجزة الجزائرية" لسعيد سعدي هو نصوص تحليلية عن الوضع القائم سياسيا واقتصاديا انطلاقا من الحراك، ولكن ببعد تارة سوسيولوجي وتارة تاريخي، وهو في مجمله مقاربات لأسباب انهيار النظام البوتفليقي لأنه نظام تأسس على الواحدية والفساد وقمع الحريات، ويعود سعيد سعدي للبحث عن ذلك في تاريخ الجزائر منذ الاستقلال. والكتاب غني بالأفكار والاجتهادات الفردية لسعيد سعدي عن المصائر التاريخية للأنظمة الديكتاتورية وما لحق بها في التاريخ الإنساني المعاصر والحديث، كما أنه يعرض وجهة نظره عن دور المؤسسة العسكرية في رسالة مفتوحة إلى قائد الأركان، ويطرح في الكتاب أيضا تصوره لجزائر الديمقراطية، وضرورة انتقال مقاليد السلطة إلى الجيل الجديد.

وفي هذا الكتاب لا يتوقف سعيد سعدي عند وصف ما جرى ويجري في الجزائر منذ قرابة العشرة أشهر، من هبّة شعبية عارمة، عفوية وأيضا مؤسسة، بل ما يتميز به الكتاب هو بعده التحليلي، المؤسس على الربط بين ما يجري في الشارع اليوم وسنوات حكم الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة، والأعمق في الكتاب أيضا أنه يقدم تصورا لجزائر المستقبل، جزائر التنوير، جزائر مدنية، جزائر التعدد والعيش المشترك ومحاربة الفساد.

أما الكتاب الإبداعي الروائي الوحيد باللغة الفرنسية الذي عرض بمعرض الجزائر الدولي للكتاب، وقد لقي إقبالا متميزا، فهو رواية الكاتب والشاعر والإعلامي محمد بن شيكو، والتي عنونها بـ"لاكاسا المرادية" (دار المرادية)، ومحمد بن شيكو هو المثقف والمعارض الشرس لنظام عبد العزيز بوتفليقة منذ بدايته، وقد سبق أن نشر كتابا بعنوان "بوتفليقة بهتان  جزائري" 2004، والذي سجن بسببه، وقد قضى جراء مواقفه المعارضة مدة سنتين في سجن الحراش بالجزائر، وقد خرج من السجن في حالة صحية منهارة، شبه مشلول جزئيا، وقد أوقف نظام بوتفليقة جريدته "لوماتان" (الصباح)، التي كانت تصدر بالفرنسية وبخطاب نقدي معارض لا يهادن النظام وحاشيته، ويعد محمد بن شيكو أهم معارض في الإعلام والثقافة لنظام بوتفليقة منذ السنوات الأولى لحكم هذا الأخير والذي دام عشرين سنة. وفي هذا المعرض يقترح محمد بن شيكو على قرائه روايته "دار المرادية"، والتي يمزج فيها ما بين المتخيل والواقع، ما بين يوميات الحراك مع عودة لماضي هذا النظام الفاسد الذي حاربه منذ عشرين سنة، ودفع مقابل ذلك من عمره ومن صحته أيضا.

 (دار المرادية) أو (كازا المرادية) الذي اختاره عنوانا لروايته هو في الأصل عنوان أغنية شهيرة لفرقة موسيقية، اسمها "أولاد البهجة"، تتحدث عن عهد بوتفليقة من خلال ولاياته الخمس والتي دامت عشرين سنة، مع وصف للانهيار المتلاحق والفساد بعد كل ولاية. ويُقصَد بـ"دار المرادية" (قصر المرادية)، أي القصر الرئاسي في الجزائر.   

في رواية (دار المرادية) يتخيل الروائي محمد بن شيكو الجزائر في 2080، ستون سنة بعد الحراك، ومن خلال لعبة العودة إلى أرشيف الذين حرروا البلد من الفساد والظلم ذات فبراير 2019، كان ذلك بعد شهور من المظاهرات والمسيرات الشبانية والنسائية الشرسة.

هي رواية تشتغل على "فكرة" محاربة "النسيان" وتنبه الأجيال المقبلة إلى احترام الذين صنعوا الحراك من النساء والشباب، إنهم الأجداد الذين صنعوا الحرية الاجتماعية والسياسية، كما صنع جيل نوفمبر 1954 الاستقلال الوطني، ويكتشف ثورتهم من خلال الصور والكتابات والتسجيلات،

تقف رواية (دار المرادية) لمحمد بن شيكو عند الشعوب التي تصنع الحرية والأمل من خلال ثلاث شخصيات أساسية، هي ليليا ونورا ومسعود الذي يروي الحكاية، والمعروف عند العامة باسم "سقراط".

يبدو أن معرض الجزائر الدولي للكتاب في طبعته الأخيرة وضعنا أمام أدب الحراك بشكل واضح، وهو ما يشير إلى تأثر النخب الجزائرية بمستويات مختلفة بهذا الحراك، فهل دخل "الحراك" مربع الثقافة؟ 

المزيد من آراء