ملخص
أظهرت "ثورة مهسا" أن ما بدا لعقود وكأنه استسلام اجتماعي لمنظومة القهر والتمييز في إيران، لم يكن سوى حالاً من الاحتقان المتراكم تحت سطح المجتمع. وما إن جاءت شرارة مهسا أميني حتى خرجت إلى الشوارع طاقة احتجاجية تجاوزت قضية الحجاب نفسها، لتطرح أسئلة أعمق حول الحرية والمساواة والهوية وحقوق القوميات ومستقبل العلاقة بين المجتمع والدولة.
تحل في هذه الأيام الذكرى الرابعة لـ"ثورة مهسا"، التي اندلعت قبل أربع سنوات في محافظة كردستان الإيرانية، ثم عمت معظم محافظات البلاد ومدنها، إثر وفاة الشابة الإيرانية – الكردية، مهسا أميني، البالغة من العمر 22 سنة، في الحجز بعد توقيفها من قبل "شرطة الأخلاق" في طهران. وقد أثارت وفاتها غضباً عارماً، خصوصاً بين النساء والفتيات، امتد إلى فئات واسعة من الرجال والشباب في مختلف أنحاء البلاد. واتسعت رقعة الاحتجاجات سريعاً، وتحولت إلى حركة وطنية واسعة تحت شعار "المرأة، الحياة، الحرية".
واستمرت الموجة الرئيسة من الاحتجاجات لأشهر، وكانت إحدى أكبر موجات الاحتجاج في تاريخ إيران المعاصر، إذ هزت أركان النظام وأطلقت أوسع تحدٍّ شعبي بوجه سياسات التمييز المفروضة على النساء والأقليات والقمع السياسي والاجتماعي. وردت السلطات عليها بحملة أمنية واسعة، شملت استخدام القوة المفرطة والاعتقالات والمحاكمات والإعدامات. وقد وثقت بعثة تقصي الحقائق الدولية التابعة للأمم المتحدة رقماً موثوقاً قدره 551 شخصاً قتلوا في سياق الاحتجاجات، بينهم 49 امرأة و68 طفلاً، إلى جانب اعتقالات تعسفية وتعذيب وانتهاكات أخرى.
ولم تكن "ثورة مهسا" وليدة لحظتها، فقد سبقتها عقود من مقاومة النساء للتمييز القانوني والاجتماعي ولفرض الحجاب الإلزامي. فمنذ الأسابيع الأولى التي أعقبت الثورة، اتخذ النظام الإيراني إجراءات لإلغاء أجزاء أساسية من التشريعات التي كانت عززت حقوق المرأة، ومن بينها قانون حماية الأسرة، الذي أوقف العمل به في الـ26 من فبراير (شباط) 1979، ثم أعلن الخميني في مطلع مارس (آذار) من العام ذاته أن الموظفات في المؤسسات الحكومية ملزمات بمراعاة قواعد اللباس الإسلامي، لتبدأ تدريجاً عملية فرض الحجاب في المجال العام.
المرأة الإيرانية: أول احتجاج في وجه السلطة الدينية
جاء رد المرأة الإيرانية سريعاً. فبعد أسابيع قليلة من الإجراءات الأولى التي اتخذتها سلطات الثورة، خرجت آلاف النساء في طهران، في الثامن من مارس 1979، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، وتحولت التظاهرات إلى احتجاج على إلغاء بعض المكاسب القانونية السابقة وعلى فرض الحجاب، فضلاً عن الاعتداءات التي تعرضت لها نساء غير محجبات أو رافضات للزي المفروض. واستمرت الاحتجاجات خلال الأيام التالية، وبلغت ذروتها في الـ11 والـ12 من مارس، قبل أن تتراجع حدتها تدريجاً.
وعلى رغم القمع والضغوط الاجتماعية والأمنية، لم تستسلم المرأة الإيرانية للحجاب الإلزامي، وظلت تعبر عن رفضها له في مناسبات مختلفة، سواء من خلال الاحتجاج المباشر أو من خلال تحدي قواعد اللباس في الحياة اليومية. وتركزت الشعارات والمطالب التي رفعتها حركة "المرأة، الحياة، الحرية" حول قضايا أساسية، في مقدمها النضال ضد التمييز المفروض على المرأة، والاحتجاج على التمييز الممارس في حق القوميات غير الفارسية، ومواجهة التفاوت الاجتماعي والاقتصادي والقمع السياسي.
"فتيات شارع الثورة" ضد الحجاب
"فتيات شارع الثورة" هو الاسم الذي أطلق على حركة احتجاجية مدنية ظهرت في طهران عام 2017، حين بدأت النساء والفتيات بنزع حجابهن ورفعه على عصي في الأماكن العامة احتجاجاً على الحجاب الإلزامي.
وكانت الشابة "ويدا موحد" أولى من عرفت بإطلاق هذه المبادرة، ففي الـ27 من ديسمبر (كانون الأول) 2017 وقفت في "شارع الثورة" بطهران، ورفعت حجابها الأبيض على عصا ولوحت به أمام المارة. وسرعان ما أصبحت صورتها رمزاً لحركة احتجاجية امتدت إلى نساء أخريات في طهران ومدن إيرانية مختلفة.
وكان رفع الحجاب على العصا رمزاً للعصيان المدني والاحتجاج السلمي على قانون الحجاب الإلزامي، وتعرض عدد من المشاركات للاعتقال والمحاكمة والسجن.
وهكذا تحولت المرأة واحتجاجها إلى شوكة في خاصرة النظام. وكان رئيس البرلمان السابق، الرجل النافذ في النظام الإيراني، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، قد حذر قبل وفاته عام 2017 من أن قضية المرأة يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف خطرة بالنسبة إلى النظام.
وبعد خمس سنوات فقط من رحيله، تحولت قضية المرأة بالفعل إلى واحدة من أبرز نقاط التحدي الشعبي للنظام، إثر وفاة مهسا أميني في سبتمبر (أيلول) 2022.
تداعيات "ثورة مهسا"
العصيان المدني واسع النطاق، ورفض أعداد كبيرة من النساء الحجاب الإلزامي بعد وفاة مهسا أميني، أديا إلى إضعاف قدرة السلطات على فرض سيطرة كاملة على لباس النساء وحركتهن في المجال العام. وعلى رغم استمرار القوانين والإجراءات العقابية، أصبح تنفيذها أكثر صعوبة، وبرزت في المدن الإيرانية، وتحديداً طهران والمدن الكبرى، أعداداً متزايدة من النساء اللاتي يظهرن في الأماكن العامة من دون الحجاب المفروض.
وكسرت حركة "المرأة، الحياة، الحرية" عدداً من المحرمات التي ظل النظام الديني يفرضها على المجتمع، ووضعت مسألة استقلال المرأة وحقها في تقرير مصيرها ولباسها في صدارة النقاش العام، وتجاوزت الحركة الحدود العرقية والقومية والطبقية والجيلية، وأنتجت شكلاً من التضامن بين شرائح اجتماعية متعددة ذات خلفيات ومعتقدات مختلفة. وخلصت بعثة تقصي الحقائق الأممية إلى أن التمييز البنيوي ضد النساء والفتيات كان عاملاً أساساً في الانتهاكات الجسيمة التي وقعت خلال احتجاجات 2022 وما تلاها، بما في ذلك الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي.
إن ما نشهده اليوم في ساحات نضال النساء والشعوب غير الفارسية في إيران، في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، ليس مجرد حركة احتجاجية عابرة، بل هو مخاض تاريخي ينذر بولادة مرحلة جديدة. ولن تكون ثمرة هذا المخاض مجرد ثورة سياسية، بل قد تتجاوزها إلى ما يمكن وصفه بـ"نهضة شاملة"، تفضي إلى تحرر المرأة الإيرانية تحرراً غير مسبوق في تاريخ إيران.
في موازاة ذلك، استمرت السلطات في تشديد إجراءاتها المتعلقة بالحجاب، بما في ذلك المراقبة والعقوبات والاعتقالات والقيود على النساء اللاتي يرفضن الالتزام به. وقد وثقت الأمم المتحدة استمرار هذه السياسات بعد الذكرى الثانية للاحتجاجات، إلى جانب غياب المساءلة الفعالة عن الانتهاكات المرتكبة في حق المحتجين والنساء والمدافعات عن حقوق الإنسان.
واعتبر ناشطون ومحللون أن استمرار تحدي النساء لفرض الحجاب الإلزامي شجع حركات مدنية أخرى على مواصلة نشاطها، ومنها الحملات المناهضة لعقوبة الإعدام والمطالبة بالإفراج عن السجناء السياسيين، على رغم أن هذه الحركات واجهت بدورها حملات أمنية وقضائية واسعة.
وتعاظم دور النساء في الداخل والخارج، في المؤسسات المدنية والسياسية والاجتماعية، وأصبحت مشاركتهن في الاحتجاج والنشاط الحقوقي والسياسي أكثر وضوحاً.
وعلى رغم استمرار النظام الديني في فرض منظومته القانونية والاجتماعية، فإن قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني، ومن بينها أعداد كبيرة من النساء، لا تتبنى بالضرورة القيم المحافظة التي تفرضها السلطة، ولا سيما في ما يتعلق بالتمييز بين الجنسين وفرض قواعد اللباس بالقوة.
وتشهد شوارع طهران والمدن الإيرانية الكبرى حضوراً متزايداً لنساء لا يلتزمن بالحجاب الإلزامي، ويتابعن الموضة العالمية في أزيائهن ومظهرهن. ولا تزال الأجهزة الأمنية تتدخل في بعض الحالات لملاحقتهن أو مضايقتهن، إلا أن ذلك لم يمنع اتساع ظاهرة الظهور من دون حجاب في الأماكن العامة.
في المقابل لا تزال ناشطات إيرانيات كثيرات يقبعن في السجون أو يواجهن أحكاماً قضائية بسبب عملهن في مجال حقوق المرأة أو حقوق الإنسان أو نشاطهن السياسي والمدني. وقد طاولت حملة القمع تلك مختلف القوميات، ومن بين الناشطات المعتقلات أو اللاتي تعرضن للملاحقة، نساء من خلفيات فارسية، وكردية، وعربية، وأذرية، وبلوشية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن بين أبرز الناشطات، تبرز نرجس محمدي، الناشطة في مجال حقوق الإنسان، الحائزة جائزة نوبل للسلام لعام 2023، التي تعرضت للاعتقال والمحاكمة والسجن مراراً بسبب نشاطها في الدفاع عن حقوق الإنسان ومعارضتها لعقوبة الإعدام والتمييز ضد النساء.
ومن بين الناشطات أيضاً الكاتبة والناشطة في مجال حقوق الإنسان، غلرخ إيرائي، التي تعرضت للاعتقال والسجن مرات عدة بسبب كتاباتها ونشاطها المدني. وناهيد تقوي، الناشطة الإيرانية الألمانية، التي تعرضت للاعتقال وحوكمت في قضايا ذات طابع أمني في إيران.
وكذلك نسرين ستوده، المحامية والناشطة في مجال حقوق الإنسان، التي نالت قبل أيام "جائزة فاتسلاف هافل لحقوق الإنسان"، التي يمنحها "مجلس أوروبا"، بعدما أمضت سنوات طويلة في السجون.
في سياق متصل، تناقلت الأخبار أخيراً صدور أحكام بالسجن تصل في مجموعها إلى 45 عاماً في حق تسع نساء أحوازيات. ويمكن الإشارة هنا إلى الكاتبة والناشطة النسوية الأحوازية، سرور ناصر، التي وثقت محنتها في سجن الهويرة (سبيدار) في الأحواز من خلال قصصها، التي نالت بها، في أبريل (نيسان) 2024، "جائزة يوسف إدريس للقصة القصيرة" في دورتها السادسة، التي نظمتها مجلة "كل العرب" في باريس.
لقد أظهرت "ثورة مهسا" أن ما بدا لعقود وكأنه استسلام اجتماعي لمنظومة القهر والتمييز لم يكن سوى حال من الاحتقان المتراكم تحت سطح المجتمع. وما إن جاءت شرارة مهسا أميني حتى خرجت إلى الشوارع طاقة احتجاجية تجاوزت قضية الحجاب نفسها، لتطرح أسئلة أعمق حول الحرية والمساواة والهوية وحقوق القوميات ومستقبل العلاقة بين المجتمع والدولة.
وهكذا خرج المارد من القمقم، ولم يعد سهلاً إعادته إليه.