Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بريطانيا تعيد إحياء "المساعدة على الشراء".. هل يدفع المطورون الثمن؟

برنامج "منزلك الأول" يمنح فرصة امتلاك عقار بدفعة أولى 2.5%

أظهر تقييم حكومي مستقل أن البرنامج ساعد أكثر من 300 ألف شخص على شراء منازل جديدة (أ ف ب)

ملخص

رئيس الوزراء البريطاني يحي برنامج "منزلك الأول"، مما يمنح المشترين فرصة امتلاك عقار بدفعة أولى 2.5 في المئة، لكن التجربة السابقة أظهرت أن زيادة الطلب قد تنعكس على الأسعار.

أعلنت الحكومة برنامجاً جديداً يحمل اسم "منزلك الأول"، على أن يتم تأكيد تفاصيله في موازنة أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

ويتيح البرنامج، وفق الخطوط العريضة المعلنة، للمشتري للمرة الأولى شراء عقار جديد البناء بدفعة أولى تبلغ 2.5 في المئة، إلى جانب قرض حكومي يعادل 20 في المئة من قيمة العقار، مع فترة أولية من دون فائدة.

ويستهدف البرنامج العقارات الجديدة التي يبيعها مطورون مشاركون فيه، مع وضع حدود لدخل الأسر وأسعار العقارات بحسب المناطق.

لكن إعادة إطلاق البرنامج تأتي هذه المرة في ظل وعي أكبر بالآثار الجانبية التي صاحبت النسخة السابقة، المساعدة على الشراء "Help to buy"، التي عملت في إنجلترا بين عامي 2013 و2023.

فقد أظهر تقييم حكومي مستقل نشر في سبتمبر (أيلول) الماضي أن البرنامج ساعد أكثر من 300 ألف شخص على شراء منازل جديدة، وأسهم في نحو 15 في المئة من المنازل الجديدة التي بنيت في إنجلترا خلال فترة تطبيقه.

تجربة سابقة بين زيادة الملكية وارتفاع الأسعار

وتكشف التجربة السابقة صورة أكثر تعقيداً من مجرد نجاح برنامج حكومي في مساعدة المشترين في امتلاك منازلهم الأولى.

فمن ناحية، عزز البرنامج الطلب على العقارات الجديدة، وساعد المطورين على زيادة الإنتاج، كما منح كثيراً من المشترين فرصة دخول السوق في وقت كانت فيه الدفعات الأولى المرتفعة تشكل عائقاً رئيساً.

لكن التقييم الرسمي خلص أيضاً إلى أن البرنامج أسهم في رفع أسعار المنازل، وبحسب التحليل الاقتصادي الوارد في التقييم، كانت أسعار المنازل في المناطق الإنجليزية القريبة من الحدود مع ويلز أعلى بنحو اثنين في المئة مما كان يمكن أن تكون عليه لو اتبعت المسار نفسه للأسعار في المناطق الويلزية المقارنة. كما وجد التقييم أن العقارات التي اشتراها المستفيدون من البرنامج كانت أعلى سعراً بنحو واحد في المئة في المتوسط من العقارات الجديدة المماثلة التي لم تشتر من خلال البرنامج.

وتشير النتائج إلى أن تأثير البرنامج في الأسعار كان أكبر في المناطق التي كانت أقل قدرة على تحمل  كلفة  السكن أصلاً، وهو ما يعيد للواجهة السؤال الأساس حول جدوى دعم الطلب في سوق يعاني في الوقت نفسه نقصاً في المعروض.

"منزلك الأول" بتصميم مختلف

المستثمر والمحلل الاقتصادي في الشؤون العقارية في المملكة المتحدة محمد أحمد عجمي يرى أن النسخة الجديدة من برنامج المساعدة على الشراء "Help tobuy"،  تختلف في نقطة أساسية عن البرنامج السابق، وهي تحميل المطورين جزءاً من الكلفة.

ويقول عجمي لـ"اندبندنت عربية" إن الحكومة البريطانية تعيد إحياء برنامج "المساعدة على الشراء" الذي عمل بين 2013 و2023، تحت اسم "منزلك الأول"، مع دفعة أولى تبلغ 2.5 في المئة وقرض حكومي بنسبة 20 في المئة من قيمة العقار بفائدة صفرية خلال الفترة الأولية، على أن يقتصر البرنامج على العقارات الجديدة البناء.

ويضيف أن الإضافة الجوهرية هذه المرة هي أن المطورين سيتحملون جزءاً من  الكلفة من خلال رسوم مرتبطة بقيمى العقارات المباعة، بدلاً من أن يكون الدعم حكومياً خالصاً كما كان في السابق.

وبحسب عجمي، فإن هذا التعديل يستجيب لانتقاد جوهري وجه للنسخة الأصلية، وهو كونها دعماً صافياً لأرباح صناعة البناء أكثر منها حلاً لأزمة السكن، لكن الحكم على جدواه يستلزم العودة لما تكشفه أرقام العقد الماضي بدقة.

من سيدفع  كلفة الدعم؟

وأوضح عجمي أن التجربة السابقة تحمل وجهين متناقضين، من جهة مكن البرنامج أكثر من 300 ألف شخص من شراء منزلهم الأول، وكان مسؤولاً عن واحد من كل سبعة منازل جديدة بنيت في إنجلترا طوال فترة سريانه، وهي نسبة تجعل من الدولة محركاً فعلياً  لقرارات الاستثمار في البناء، لا مجرد داعم هامشي.

من جهة أخرى، أقر التقييم الرسمي نفسه بأن البرنامج رفع أسعار المساكن بنحو نقطتين مئويتين إضافيتين، وهو ما زاد الأمر صعوبة على بعض من كان يفترض أن يخدمهم أصلاً.

وقال هنا يكمن مصدر قلقي الحقيقي من التصميم الحالي، وهو أن آلية فرض رسوم المطورين لم تتضح بعد بما يكفي.

فالتاريخ القريب لعلاقة الحكومات البريطانية بكبرى شركات البناء يقدم سابقة مقلقة: هذه الشركات تمتلك خبرة طويلة في امتصاص أية كلفة تفرض عليها، إما عبر رفع أسعار البيع النهائية فيدفعها المشتري نفسه من دون أن يشعر أنها رسوم مطورين، أو عبر تعديل بنود العقد وجودة البناء بما يعوض الفارق، أو ببساطة عبر تفاوض لاحق مع الحكومة لتخفيف الرسوم بحجة حماية وتيرة البناء. بمعنى آخر، رسوم مفروضة على الورق لا تعني بالضرورة  كلفة  متحملة فعلياً ممن فرضت عليه.

وأشار عجمي إنه في حال تكرر هذا النمط، فإن النتيجة العملية ستكون أن كبرى شركات البناء، وهي الأقدر على التفاوض والتحايل القانوني بفضل حجمها ونفوذها، ستعيد تدوير هذه الرسوم إما إلى جيب دافع الضرائب  بصورة غير مباشرة، أو إلى جيب المشتري نفسه عبر الأسعار، بينما الشركات الصغيرة الأقل قدرة على المناورة هي من قد تتحمل العبء الفعلي، أو تنسحب من السوق كلياً، وهذا يبطل الهدف المعلن للبرنامج من أساسه.

أزمة المعروض تضغط على الحكومة

وتأتي إعادة إطلاق البرنامج في وقت تسعى فيه الحكومة البريطانية إلى زيادة المعروض من المساكن، وتستهدف الحكومة بناء 1.5 مليون منزل جديد في إنجلترا خلال فترة البرلمان الحالي، مع طموح للوصول إلى أكثر من 300 ألف منزل  سنوياً.

وتشير أحدث بيانات الحكومة إلى أن عدد المساكن الجديدة التي بدأ بناؤها في إنجلترا بلغ نحو 136330 وحدة خلال السنة المنتهية في يونيو (حزيران) 2026، بزيادة 15 في المئة على أساس سنوي، بينما بلغ عدد المنازل الجديدة المكتملة نحو 143770 وحدة، وهو مستوى لم يتغير تقريباً عن العام السابق. كما بلغت بدايات البناء في الربع الثاني من 2026 نحو 35910 وحدة، بزيادة 20 في المئة عن الفترة نفسها من العام السابق، لكنها لا تزال أقل بنسبة 47 في المئة من ذروة الربع الثاني من 2023.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذه الأرقام تفسر جزئياً رغبة الحكومة في تحفيز الطلب على المنازل الجديدة، إذ إن زيادة عدد المشترين القادرين على الحصول على التمويل يمكن أن تمنح المطورين حافزاً لبدء مشاريع جديدة.

لكن زيادة الطلب لا تتحول تلقائياً إلى زيادة مساوية في المعروض، خصوصاً إذا كانت الأراضي وتكاليف البناء والتمويل والتخطيط والتنظيم تحد من قدرة المطورين على زيادة الإنتاج.

الاختبار الحقيقي بعد ثلاث سنوات 

ويرى عجمي أن المعيار الحقيقي إذن لتقييم برنامج المساعدة على الشراء "Help to buy"، بعد ثلاث إلى خمس سنوات ليس بعدد المستفيدين منه، بل مؤشران أدق: هل ارتفع صافي عدد الوحدات المبنية سنوياً فعلياً؟ وهل تحملت الشركات الكبرى فعلًا حصتها من الكلفة، أم أعادت توزيعها بذكاء على الآخرين؟

ويقول أن التوقع الواقعي، استناداً إلى التجربة السابقة، هو دخول حقيقي لمشترين جدد إلى السوق، مصحوباً بارتفاع سعري جزئي في شريحة العقارات الجديدة، وربما بمحاولات ممنهجة من كبار المطورين لتحييد أثر الرسوم المفروضة عليهم، وهي النقطة التي ستحدد فعلياً ما إذا كان البرنامج عادلاً في التنفيذ أم عادلاً على الورق فحسب.

موازنة بين دعم المشتري ودعم البناء

ويمنح البرنامج الجديد الحكومة فرصة لتعديل أخطاء التجربة السابقة، خصوصاً مع توجهها إلى تحميل المطورين جزءاً من الكلفة ووضع حدود لدخل الأسر وأسعار العقارات، بدلاً من تقديم دعم مفتوح نسبياً.

لكن تفاصيل الرسوم وآلية احتسابها، ومدى مشاركة شركات البناء، وحدود أسعار العقارات، وسقف دخل الأسر، وفترة الإعفاء من الفائدة، كلها عناصر ستحدد شكل البرنامج النهائي، ومن المقرر إعلان تفاصيل إضافية في الموازنة المقبلة.

وفي النهاية، لا يتعلق نجاح "منزلك الأول" فحسب بتمكين عدد أكبر من البريطانيين من شراء منازلهم الأولى، وإنما بقدرة البرنامج على تحقيق التوازن بين ثلاثة أهداف متشابكة: خفض الحاجز أمام المشتري، وزيادة بناء المنازل، ومنع تحول الدعم إلى عامل إضافي يدفع الأسعار إلى الارتفاع.

وتكشف تجربة "المساعدة على الشراء" عن أن تحقيق الهدف الأول ممكن، لكن السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى السياسة الجديدة هو ما إذا كان بالإمكان تحقيق الهدفين الآخرين في الوقت نفسه.

اقرأ المزيد