انهيار وشيك للقضاء البريطاني وإنقاذه يكون بتمويل حكومي كبير

النيابة العامة تفتقر إلى محامين ولن تتمكن من استيعاب خطط تجنيد 20 ألف شرطي جديد

 القضاء البريطاني يعاني من نقص في الموارد البشرية والمالية (ماجيستريت -اسوسييشن.أورغ.يوكاي) 

صدرت تحذيرات جدّية في بريطانيا من أن النظام القضائي "قد يؤول إلى الانهيار" ما سيسمح للمجرمين بالإفلات من العقاب، إذا لم تؤمّن الحكومة المقبلة مئات الملايين من الجنيهات للاستثمار في هذا القطاع. وأوضح أحد الاتحادات النقابية أنه لا يوجد عدد كاف من المدّعين العامّين للتعامل مع القضايا الراهنة، وأن الوضع سيزداد سوءاً إذا أضيف حوالى 20 ألف شرطي جديد إلى الخدمة، وفق وعد بضمهم أطلقه رئيس الوزراء بوريس جونسون، بهدف مواجهة جرائم إضافية محتملة.

وأوضح ستيفن ليتلوود، أحد كبار مسؤولي اتحاد "أف دي إي" لصحيفة "إندبندنت"، إن "الأمر لا يتعلق بمجرد تعزيز عديد أفراد السلك، بل يتعدّى ذلك ليشمل النظام برمته". وأضاف، "إذا جنّدوا كل تلك الأعداد، فمَن الذي سيحاكم المجرمين الذين سيُقبَض عليهم؟" ورأى أن نظام المحاكم في طريقه إلى الانهيار، و"النيابة العامّة الملكية" تعاني نقصاً في الموارد البشرية. وتحتاج أيضاً إلى ضخّ أموال بشكل كبير".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد انخفض عدد المحاكمات الجنائية في إنجلترا وويلز إلى مستوى قياسي. إذ تراجع عدد المحاكمات في 2018 إلى 67 ألفاً تقريباً بالمقارنة مع 2008. وتشير الأرقام الرسمية أيضاً إلى أن الملاحقات القضائية هبطت بسرعة على مستوى جميع أنواع الجرائم، إلى مجرد 7,4% من الجرائم المبلّغ عنها لدى الشرطة، بانخفاض مقداره 41,700 خلال سنة. في الوقت الراهن، لا يحاكم سوى 1,4% من حالات الاغتصاب المبلّغ عنها، و3,3% من الجرائم الجنسية، و5,4% من السرقات و7,8% من جرائم العنف.

ووفق تحقيق حديث أجرته هيئات مراقبة عمل الشرطة، تبيّن أن أداء وحداتها في جميع أنحاء البلاد ما زال يزداد سوءً. ولوحظ غياب القدرة لدى عناصرها في التعاطي مع بعض الجرائم، بالترافق مع تسجيل تباطوء في التحقيقات. ورأى ليتلوود أن الإحصاءات الصلبة أظهرت أن "النظام برمّته على شفير الانهيار". وحذّر من أنه في حال لم يتأمن تمويل سخيّ جديد، "فستكون النتيجة انهيار النظام وعدم القدرة على التكيّف". وتخوّف من "عدم تطبيق العدالة وفقدان الثقة العامّة."

وقال ليتلوود إن "النيابة العامّة الملكية" التي يمثّل اتحاد "أف دي إي" موظفيها، عانت نقصاً "بمئات" من المحامين، في حين ألقى تنامي عدد القضايا بثقله على كاهل الموظفين الآخرين ما أدّى إلى إصابتهم بمشكلات صحية ذهنية وأمراض مزمنة.

وحاضراً، تحاول "النيابة العامة الملكية" تعيين حوالى 390 مدّعياً عاماً، وتأمل في أن تبدأ مع حلول يونيو (حزيران) من السنة المقبلة "الوفاء بأولويات العمل الراهنة والمستقبلية"، إضافةً إلى تعيين 40 محامياً متخصّصاً في الدعاوى القضائية، وإيجاد وظائف إضافية أيضاً. ويشير ليتلوود إلى أن الأجر الذي تمنحه النيابة العامة أقل بكثير من الرواتب التي يمكن أن يجنيها محامو الشركات الخاصة.

وأضاف، "في كل مرة يوظّفون فيها شخص ما، يخرج آخر من الباب. إنهم في أحسن الأحوال كمَن يسير على المياه. والسؤال هو: لماذا قد يذهب أشخاص للعمل في النيابة العامة، إذا استطاعوا جني الكثير في مكان آخر؟"

وفي بيان بعنوان "من أجل العدالة"، اقترح اتحاد "أف دي إي" حلولاً تشمل زيادة التمويل المقدّم إلى "النيابة العامّة الملكية"، وفحص الأجهزة الرقمية المعيارية، وتوفير المساعدة القانونية، وتأمين أجور تنافسية تساعد في توظيف محامين جنائيين والاحتفاظ بهم.

وفي أغسطس (آب)، أعلنت الحكومة أنها ستزيد تمويل النيابة العامة بـ85 مليون جنيهاً إسترلينياً، لكن ليتلوود وصف تلك الزيادة بأنها أشبه "بقطرة ماء في المحيط"، بالمقارنة مع التخفيضات في الموازنة التي أجرتها منذ 2010".

وقد أعطى [رئيس الوزراء بوريس] جونسون أولوية لمعالجة الجريمة وتثبيت العدالة وجعلهما ركيزة أساسية لولايته في رئاسة الوزراء، وأدرجهما كذلك في البيان الانتخابي لـ"حزب المحافطين". وفي المقابل، يتخوّف ناشطون في تلك الحملة الانتخابية من "ألاّ يتم الوفاء بوعود التمويل اللازم".

وتساءل ليتلوود عمّا إذا كان ذلك مجرد عنوان رئيسي أم أنه ثمة معنى فعلياً لسياسات رئيس الوزراء بوريس جونسون؟ واعتبر أن "العدالة قد لا تكون قضية مهمة، خارج إطار بريكست أو "هيئة الخدمات الصحية الوطنية" أو غيرها من الخدمات. ولا تأتي "النيابة العامة الملكية" على رأس لائحة التعاطف العام في أفضل الأوقات، لكنها تقوم بأعمال مهمة للغاية".

وقد دعم "حزب العمّال" البيان الذي وضعه اتحاد "أف دي إي"، وأيّدته كذلك "جمعية القانون" و"مجلس المحامين" وناشط مجهول هو "المحامي السرّي". وذكر شامي تشاكرابارتي، المدّعي العام في "حكومة الظل" العماليّة إنه "لا توجد مساهمة أكبر للمجتمع من تلك التي تقدمها الخدمات العامة لدعم الدوائر الحكومية والقطاع العام. فقد أُهمِل الوصول إلى العدالة منذ فترة طويلة على الرغم من كونه القطاع الأكثر تعرّضاً إلى المعاناة." وجاء ذلك بعدما حذّرت "لجنة الحسابات العامّة" التابعة للبرلمان، من التأثير غير المباشر الذي قد يحدثه تجنيد 20 ألف شرطي.

وذكر تقرير نُشر الأسبوع الماضي أنه إذا ما نُظر إلى الضغوط التشغيلية والمالية التي تواجهها الخدمات المتعلقة بالمحاكم والسجون والمراقبة القانونية، فمن غير المؤكد أن وزارة العدل ستكون لديها القدرة والكفاءة اللازمة لمواجهة الزيادة الكبيرة في الطلب. وأضاف التقرير أن لدى الحكومة سجلاً حافلاً في تغيير عنصر مفرد من النظام، من دون إدراكٍ كاملٍ للعواقب المترتبة على بقية عناصر النظام، أو على سائر الدوائر الحكومية الأخرى.

ووجدت "لجنة الحسابات العامّة" أن وزارة العدل لم تكن قادرة على تقدير التأثير الذي يمكن أن يخلّفه توظيف أعداد إضافية من عناصر الشرطة، لا بل تتّخذ مزيداً من الإجراءات التي ترمي إلى إطالة فترة الأحكام بالسّجن التي تطاول سجون الدولة المكتظّة والمثقلة بأعمال العنف.

ووصف النواب الزيادات الأخيرة في موازنة الوزارات بأنها لم تكن كافية لتلبية حجم الطلب، وأن الانتخابات العامة المفاجئة، إضافة إلى قرار التمديد للبرلمان في سبتمبر (أيلول)، كلها مؤشرات تعني عدم صدور القوانين الجديدة اللازمة لتنفيذ برامج التحديث.

وكذلك أُغلِقَتْ 127 محكمة منذ 2015، فيما تواجه 77 محكمة أخرى التهديد نفسه، وسط دعوات إلى الحصول على تمويل عاجلٍ بهدف صيانة المباني القديمة. وفي المقابل، قُلّص عدد الأيام المخصّصة لانعقاد المحاكم المتاخرة بـ%15 تقريباً في السنة، ما يؤدي إلى شلل محاكم كثيرة فتبقى قاعاتها فارغة، على الرغم من تراكم القضايا التي تنتظر البتّ فيها.

وفي ذلك الصدد، انخفض الإنفاق على توفير المساعدة القانونية بـ15% في السنة في المحاكم الملكية و7% في المحاكم الجزائية، ما أثار تحذيرات من خطر حدوث حالات إجهاض محتملة للعدالة، في ما يتعلق بالأفراد غير القادرين على تحمّل نفقات التمثيل القانوني المناسب.

© The Independent

المزيد من دوليات