هل تحول الخلاف بين تارانتينو وابنة بروس لي إلى صراع بين هوليود والصين؟

تحمل تداعيات الخلاف بين مخرج فيلم "ذات مرة في هوليود" وابنة بروس لي أهمية إضافية بالنظر إلى الحرب التجارية القائمة بين بلديهما

النجمَ الأميركي - الهونغ كونغي بروس لي (غيتي) 

تخيلوا معي هذا المشهد. نجم سينمائي أميركي خالص، مثل كلينت إيستوود، أو غاري كوبر،  أو جون وين، يأخذ قسطاً من الراحة بين اللقطات في موقع  تصوير أحد الأفلام، ويمضي وقته مع بقية العاملين. ثم يتحدى النجمُ مُجازِفاً أميركياً - آسيوياً أن ينازله في قتال، لكنه يُهزم فوراً. لا تستطيع حركات رعاة البقر المتثاقلة أن تضاهي اللكمات الجنوبية والركلات الشمالية لمنافسه الخبير في رياضة الكونغ فو. فيقوم الآسيوي الخبير بالفنون القتالية بإهانة تلك الأسطورة الهوليودية.

هذا هو عكس ما يحدث في فيلم كوانتين تارانتينو "ذات مرة في هوليود". حيث يُظهر تارانتينو النجمَ الأميركي - الهونغ كونغي بروس لي مهزوماً في عراك جمعه مع رجل مجازفات قوي هو كليف بوث يقوم بدوره براد بيت وحدث النزاع في كواليس المسلسل التلفزيوني "غرين هورنيت" الذي كان لي مشاركاً فيه. كما أن لي الذي يعد رمزاً لفنون الدفاع عن النفس يُقدّم في العمل كشخص متعجرف ومتباه، يتفاخر بأن قبضته هي سلاح فتاك وأنه يستطيع هزيمة محمد علي كلاي قبل أن ينال قصاصه.

بالتزامن مع موعد إطلاق الفيلم في الولايات المتحدة في أغسطس (آب) الفائت، أعربت شانون لي، ابنة بروس لي عن غضبها إزاء ما زعمت أنه صورة مشوهة لوالدها، رُسمت استناداً إلى مصادر غير موثوقة وقدّمها مخرج لم يلتق بوالدها قط. وصلت شكاواها إلى الإدارة الوطنية للسينما في الصين، التي ألغت الأسبوع الماضي خططاً لطرح فيلم "ذات مرة في هوليود"، الذي كان مقرراً بالأساس في 25 أكتوبر (تشرين الأول)، بعدما رفض تارانتينو إعادة صياغة الفيلم. على الرغم من عدم تقديم تفسير رسمي لسحب الفيلم قبل وقت قصير من موعد افتتاحه، من المفهوم أن التوصيف العنيف والمهين لبروس لي كان وراء القرار.

لا يمكننا إلا أن نفترض أن الخلاف بين تارانتينو وشانون لي يحمل قيمة إضافية في ظل الحرب التجارية الجارية بين الولايات المتحدة والصين. إن هزيمة بروس لي على يد شخصية الرجل المجازف التي يؤديها بيت لم تؤذ مشاعر الصينيين فحسب - لكنها غامرت بمفاقمة التوترات بين أكبر  صناعتين سينمائيتين في العالم. وكما ذكرت مجلة هوليود ريبورتر، كان من المتوقع أن يؤدي عرض فيلم من إخراج تارانتينو للمرة التاسعة في الصين إلى إيصال المرابح العالمية للفيلم إلى أكثر من 400 مليون دولار (ما يعادل تقريباً 300 مليون جنيه إسترليني). وعوضاً عن ذلك، إذا لم يُعرض الفيلم في الصين على الإطلاق، ستفقد شركة "سوني بيكتشرز" التي تقف وراء تارانتينو ثروة صغيرة.

من المتوقع أن تتفوق ريادة الصين للنمو في الأعمال السينمائية العالمية قريباً على الولايات المتحدة باعتبارها سوق الأفلام الأكثر ربحاً. وقد تم افتتاح عشرات آلاف دور السينما الجديدة في البلاد خلال السنوات الأخيرة. كما أن الصينيين يستثمرون بكثافة في شركات الأفلام الأجنبية. حيث اشترت مجموعة داليان واندا العملاقة، ومقرها بكين، سلسلة صالات العرض الأميركية البارزة "إي إم سي" في عام 2012. ومنذ ذلك الحين، باعت داليان واندا جزءًا من حصتها في "إي إم سي" حيث تتطلع إلى تخفيض ديونها الخارجية، ولكنها لا تزال مشاركة في ملكية أكبر سلسلة صالات سينمائية في العالم (والتي تشمل ملكيتها دور أوديون السينمائية في المملكة المتحدة)، كما تمتلك واندا أيضاً "ليجيندري إنترتيمنت"، الشركة التي كانت وراء إنتاج إعمال مثل غودزيلا والحديقة الجوراسية. بينما تمتلك الشركة الصينية "علي بابا" حصة في شركة "أمبلين بارتنرز" التي يقودها المخرج ستيفن سبيلبرغ، وقد استثمرت في أفلام رائجة أنتجتها هوليود أخيراً مثل فيلم "السقوط" وهو الجزء السادس من سلسلة أفلام "مهمة مستحيلة"، وفيلم "رجل الجوزاء" الذي لم يكن موفقاً. أما شركة تينسينت بيكتشرز الصينية فهي واحدة من الشركات المساهمة في إنتاج فيلم "يوم جميل في الحي" الذي يتنافس على جائزة الأوسكار المقبلة.

ولم يؤد ذلك إلى تحقيق استوديوهات هوليود، أو صانعي الأفلام الغربيين عموماً، نجاحاً كبيراً في كسر السوق الصينية أو إلى فتح الاستثمارات الصينية في هوليود الأسواق الغربية أمام صانعي الأفلام الصينيين.

لا تزال قضايا الرقابة وحقوق الإنسان، والأحاسيس الساخطة والارتباك الثقافي، تطارد حظوظ الأفلام الغربية في الصين. لا تبتعد المشاكل التي يواجهها تارانتينو بسبب تصويره لبروس لي كثيراً عن صعوبات مماثلة واجهها مخرجون آخرون عند عرض أفلامهم في الصين. وعلى المقلب الآخر، لقد كافح الممثلون والمخرجون الصينيون من أجل الاعتراف بهم واحترامهم في الغرب. وأقرب برهان على ذلك أن فيلم "الظل" للمخرج تشانغ ييمو الذي يعرض فنوناً قتالية مبهرة للغاية (الصادر عام 2018) لم يُمنح حتى فرصة لعرضه في دور السينما في المملكة المتحدة لكن تم تحجيمه من خلال إصداره على أقراص دي في دي بشكل مباشر.

تعد المملكة المتحدة واحدة من العديد من البلدان التي هرعت في السنوات الأخيرة بطريقة غير لائقة لتوقيع معاهدات إنتاج مشترك مع الصين، ولكن لا يوجد دليل يذكر على أي تعاون ذي معنى بين البلدين منذ توقيع المعاهدة في عام 2014. وفي الوقت نفسه، فإن شركات التوزيع البريطانية نادراً ما تقترب من الأفلام الصينية اليوم، مع أنها اعتادت إصدار عشرات الأفلام من هونغ كونغ والصين منذ 25 سنة (عندما كان صناع الأفلام مثل جون وو، ورينغو لام، و ونغ كار واي في أوجهم).

بموجب الترتيبات الحالية بين هوليود والصين، يُسمح بـ "حصة" مقدارها 43 فيلماُ أجنبياً بدخول دور السينما الصينية سنوياً على أساس تقاسم العائدات، بينما يمكن عرض أفلام أخرى في صالات السينما بفضل الموزعين المحليين الذين يرخصون تلك الأعمال من شركاء أجانب مقابل رسوم لكنهم لا يشاركون الأرباح. أما بالنسبة للإنتاجات المشتركة، مثل الفيلم الملحمي المتوحش "السور العظيم" المصنوع في الصين، ولكن من بطولة نجم هوليود مات دامون، فبإمكانها التغلب على القيود. على أي حال، فإن مثل هذه الأفلام نادراً ما كانت جيدة في نهاية المطاف.

من بين أغرب الحالات التي واجه فيها فيلم غربي صعوبات في الصين، كان فيلم "كريستوفر روبن" الذي أنتجته ديزني، وهو فيلم دراما حية للعائلة، من بطولة إيوان ماكغريغور، وحصل على تقييمات عادية وكان أكبر عيوبه عندما أُصدر في المملكة المتحدة العام الماضي أنه كان تقليدياً بشدة على ما يبدو. لقد حُجب عن دور السينما الصينية على أساس أن شخصية "ويني ذا بو" تشبه الزعيم الصيني شي جين بينغ. خلال رحلته إلى الشرق، تحوّلت شخصية الدب المحبوب التي ابتكرها المؤلف ألن ألكساندر ميلن في حكاية "غابة المئة فدان" بطريقة ما  إلى رمز تخريبي للمقاومة السياسية في الصين، في تحول شبيه نوعاً ما بأن يصبح الدب بادينغتون عضواً في جماعة الجيش الأحمر الألمانية. يمكنكم أن تفهموا سبب غضب السلطات الصينية من مسلسل الرسوم المتحركة التلفزيوني غير اللائق والفج بشكل كبير "ساوث بارك" الذي كرس مؤخراً حلقة كاملة لفضح الرقابة في الصين، لكن من المؤكد أن الدب "ويني ذا بو" هو نوع مختلف تماماً من المحرضين.

حتى  أن قسوة السلطات تجاه ممثليها وصناع الفن فيها تفوق قسوتها مع الأجانب. فعندما تم القبض على النجمة الصينية الكبيرة فان بينغ بينغ، التي ظهرت في أحد أفلام "إكس مين" في هوليود، وكذلك في مجموعة من الأفلام والبرامج التلفزيونية الناجحة في الصين، في فضيحة تهرب ضريبي، اختفت فجأة عن الجمهور لعدة أشهر، لأنها كانت قيد الإقامة الجبرية على ما يبدو. وعندما عاودت الظهور كانت وصمة العار تلازمها. لقد سلطت قضيتها الضوء على التناقضات في بلد تحاول فيه حكومة شيوعية التعامل مع صناعة تقودها البهرجة والمال مثل السينما.

مع وجود مثل هذه المبالغ الهائلة المحفزة، فإن صناع الأفلام على استعداد لقبول أي صفقة مع الشيطان تُعرض عليهم من أجل إصدار أفلامهم.

وفي حين أن تارانتينو يرفض إعادة صياغة "ذات مرة في هوليوود" من أجل المشاهدين الصينيين، فإن الفريق الذي يقف وراء فيلم "الملحمة البوهيمية" لم يحظ بأي تعهدات حول اقتطاع ثلاث دقائق من فيلمهم بما فيها إشارات مهمة إلى المثلية الجنسية لشخصية فريدي ميركوري. حقق فيلم "الملحمة البوهيمية"،  الذي تم إصداره على أنه فيلم من إنتاج مستقل، أكثر من 11 مليون دولار بقليل في الصين - وهي نتيجة قوية لولا أنها لم تتحقق بعد استسلام المنتجين للرقابة الصينية.

غالباً ما يتم نبذ صانعي الأفلام على أسس لا علاقة لها مطلقاً بأعمالهم. مثلاً، فيلم ’المربع’ للمخرج السويدي روبن أوستلوند، وهو فيلم من إنتاج مستقل، حصل على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان في مسابقة عام 2017، وقوبل باستحسان شديد عند عرضه في جميع أنحاء العالم، لكنه لم يُعرض في الصين، لأن السلطات كانت لا تزال غاضبة من أحد الحاصلين على جائزة نوبل كما قيل. حتى أن فيلم "طُفيلي" للمخرج الكوري الجنوبي بونغ جون هو الذي حصل على سعفة مهرجان كان الذهبية هذا العام، لم يصل إٍلى الصين. ففي اللحظة الأخيرة، تم إلغاء عرض كان مخططاً له ضمن مهرجان صيني هذا الصيف لأسباب "تقنية" ظاهرياً، لكن يبدو أن الفيلم قد وقع ضحية الحصار الصيني المستمر للأعمال السينمائية والتفزيونية الكورية، المدفوع بالرفض الصيني لتبني كوريا الجنوبية نظام دفاع صاروخي مدعوماً من الولايات المتحدة.

وعلى نفس المنوال، عندما تقوم الصين بتجارة ودية أو مبادرات دبلوماسية مع بلد ما، فإن أفلام تلك الدولة ستظهر فجأة في دور السينما الصينية.

بالنسبة للمخرجين الأجانب، لا تزال الصين تبدو وكأنها أرض الميعاد. والجميع يعرفون ما هي المشاكل: الرقابة والعقبات اللوجستية التي يواجهونها في نقل أفلامهم إلى ذلك البلد والتحديات الهائلة التي تقف في طريق حصولهم على أية أرباح منها. (وفقاً لشروط مشاركة الإيرادات على الأفلام الكبيرة، لا يحصل الشركاء الغربيون سوى على جزء صغير من العائدات. مؤخراً، كتب مايك فليمنغ، وهو صحافي مخضرم في شؤون تجارة الأفلام، أنه "حتى إذا تم عرض فيلم تارانتينو دون أي تعديل، فإن مبلغ الـ25 سنتاً لكل دولار الذي تعيده الصين إلى الاستوديوهات في الولايات المتحدة عن أفلامها لا يمكن أن يستحق إهانة مبدع مثل تارانتينو كي يتنازل عن وجهة نظره").

 بكل الأحوال، كانت أرباح فيلم "المنتقمون: نهاية اللعبة" في شباك التذاكر الصيني تصل إلى أكثر من 600 مليون دولار، وهو مبلغ هائل بغض النظر عن مقدار المبلغ المنهوب الذي بقي في الصين. إنها أيضاً دولة يمكن أن يحقق فيها فيلم مستقل مثل "كفر ناحوم" للمخرجة نادين لبكي إيرادات تصل بالمجمل إلى 50 مليون دولار، بينما يتمكن فيلم ياباني  صغير مثل "سارقو المحلات" للمخرج  هيروكازو كوري إدا من كسب 14 مليون دولار في دور السينما. مع وجود مثل هذه المبالغ الهائلة المحفزة، فإن صناع الأفلام على استعداد لقبول أي صفقة مع الشيطان تُعرض عليهم من أجل إصدار أفلامهم.

في بعض الأحيان، تمكنت أفلام أوروبية صغيرة تعرضت للرفض في بلدانها، من تحقيق نجاحات هائلة لدى الجماهير الصينية. كان هذا هو الحال مؤخراً مع فيلم "الفريسة"، وهو فيلم رعب هولندي ذو ميزانية منخفضة أُنتج عام 2016 ويدور حول أسد متعطش للدماء يهرب من حديقة الحيوان المحلية ويقوم بحملة قتل في وسط مدينة أمستردام. وصل إجمالي أرباح العمل عند إصداره في هولندا إلى 231 ألف دولار قبل ثلاث سنوات وبدا أنه اختفى دون أن يترك أي أثر. ومع ذلك، قام موزع صيني بشراء الفيلم، وأطلق عليه عنوان "أسد عنيف ضارٍ" وسوقه كما لو كان فيلم "الفك المفترس" ولكن أحداثه تدور على البر. وصدر الفيلم في وقت سابق من هذا العام في الصين في 4000  صالة وربح أكثر من 5 ملايين دولار خلال عطلة نهاية الأسبوع الأولى على افتتاحه. بالتأكيد كانت هذه أخباراً سارة جداً للمنتجين لو لم يُبع هذا الفيلم إلى الصين مقابل مبلغ ثابت. حيث لم تصل أي من الأرباح التي حققها العمل إلى هولندا.

في "ذات مرة في هوليود"، يقدم تارانتينو بروس لي بطريقة هزلية كشخص ثرثار ومتغطرس. إن تصويره بهذه الطريقة غير لائق - لكنه يقدم أيضاً أحد أطرف المشاهد في الفيلم. الظلم الحقيقي هنا لا يكمن في الطريقة التي صور بها تارانتينو النجم، ولكن في الواقع، كما هو الحال، في أن الجماهير الصينية لن تمنح الفرصة لتقول رأيها في الأمر.

© The Independent

المزيد من سينما