التهريب والسوق السوداء ينهكان الاقتصاد السوداني

تعاني البلاد من خلل وعجز في الميزان التجاري

أصوات الشارع تطالب حكومة عبد الله حمدوك بمراقبة الأسواق ووضع سياسات لتقليل التضخم (رويترز)

يشهد الاقتصاد السوداني هذه الأيام تراجعاً مستمراً بسبب ازدياد نشاط التهريب للسلع الاستراتيجية إلى دول الجوار الأفريقي، فضلاً عن حالة الانفلات غير المسبوق لسوق العملات الأجنبية الذي أدى إلى انخفاض العملة الوطنية بشكل كبير، وسط الطلب على الدولار الذي بلغ سعره في السوق الموازي 80 جنيهاً، مقابل 47 جنيهاً بالسعر الرسمي المحدد من قبل البنك المركزي السوداني، ما تسبّب بارتفاع الأسعار في الأسواق إلى أكثر من 20 في المئة.

مراقبة الأسواق

ويأتي هذا الانفلات في ظل تدني الأوضاع المعيشية لدرجة كبيرة لم تشهدها البلاد منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، التي عجلت بإطاحة الرئيس السابق عمر البشير في أبريل (نيسان) الماضي. في وقت تعالت أصوات الشارع السوداني، تطالب حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الانتقالية بمراقبة الأسواق ووضع سياسات اقتصادية لتقليل التضخم وضبط سعر الصرف، إلى جانب سنّ قوانين وتشريعات رادعة ضد المهربين الذين يسعون إلى تخريب الاقتصاد الوطني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واتهم وزير المالية السوداني إبراهيم البدوي في تصريحات صحافية، عناصر سماها بـ"الثورة المضادة"، في إشارة إلى أنصار نظام البشير بالتسبب في ارتفاع الأسعار في السوق الموازية عبر زيادة الطلب على الدولار والعملات الأجنبية، لافتاً إلى أن هناك عملاً تقوم به الثورة المضادة في مشتريات الدولار والعملات الأجنبية بوتيرة عالية ومتسارعة.

أضاف "هذه العمليات مرصودة وسيتم التعامل معها"، مرجعاً السبب الاقتصادي في ارتفاع أسعار العملات أمام الجنيه، إلى التمويل التضخمي لبنك السودان لشراء وتأمين السلع الاستراتيجية من الخارج عبر شراء الذهب بموارد غير حقيقية، وموضحاً أن الطريقة المتبعة منذ النظام السابق غير مستدامة وغير مرغوبة.

ضعف الإنتاج

في المقابل، عزا الخبير والمحلل الاقتصادي عز الدين فضل لـ"اندبندنت عربية" ما يحدث من تراجع لوتيرة الاقتصاد السوداني بهذا الحجم الكبير إلى ضعف الإنتاج، وغياب الدعم الخارجي، وتوقف صادرات الثروة الحيوانية، مبيناً أن تعافي البلاد من أزمتها الاقتصادية يستوجب إيقاف الحرب وتحقيق السلام والاستفادة من مدخرات المغتربين وتحفيزهم وخلق علاقات خارجية جيدة.

وأوضح أنه لا يمكن استقرار حال اقتصاد السودان إلاّ بالإنتاج والاستفادة من الإمكانيات الزراعية الكبيرة، فضلاً عن استقرار أسعار سعر الصرف وتوفير عملات أجنبية، وهذا لا يمكن إلاّ بالإنتاج. وأشار فضل إلى إن التشوهات المتفاقمة في سوق العملات الأجنبية ستؤثر بشكل كبير في اقتصاد الدولة، وتضعف تأثير الحلول المستقبلية للمشكلات، منوهاً إلى أن الطلب على الدولار يتزايد يومياً من قبل الشركات المستوردة وطلاب الجامعات في الخارج والمرضى، ما أدى إلى رفع سعره في السوق الموازية، في ظل عدم تجاوب البنك المركزي وتلبية طلبات النقد الأجنبي.

ولم يستبعد أن يكون تجار النظام السابق وراء إشعال سوق الصرف، من خلال ممارسة نشاطهم المحموم في هذه السوق الرائجة وتحكّمهم في مفاصل الدولة الاقتصادية تحت سمع وبصر أجهزة الدولة الرسمية، موضحاً أنه على الرغم من رحيل النظام السابق، إلاّ أنّ نفس التجار السابقين ما زالوا يمارسون مهنتهم وهم جزء من المنظومة الحكومية السابقة، إذ استغلوا أجواء الحرية والديمقراطية وعمدوا إلى تقنين تجارتهم، خصوصاً أنهم يعملون من وراء ستار ويتخذون بعض صغار التجار في الواجهة.

حملات توعوية

ويشكل تهريب السلع الاستراتيجية، ممثلةً في الوقود والسكر والدقيق والذهب والثروة الحيوانية إلى دول الجوار، ولا سيما إثيوبيا وأريتريا وتشاد وليبيا ومصر، عاملاً أساسياً في تدهور اقتصاد السودان الذي بسببه تفقد البلاد سنوياً ما بين 60 إلى 70 مليون دولار، إذ تقوم القوات النظامية المختصة يومياً بضبط محاولات تهريب كميات كبيرة من المواد البترولية والسلع الاستراتيجية إلى دول الجوار، الأمر الذي يستدعي ضرورة تشديد الرقابة على الحدود السودانية مع دول الجوار، بخاصة أن تهريب مثل هذه السلع الاستراتيجية يؤثر تأثيراً مباشراً في الأحوال المعيشية للمواطنين باعتبارها سلعاً مدعومة من الدولة. لذلك ظل المختصون في المجال يطالبون بتكثيف جهود الدولة، خصوصاً على الشريط الحدودي الغربي، لوضع حد لأنشطة المهربين، إضافةً إلى ضرورة تنظيم حملات توعوية لتعريف المواطنين بمخاطر تهريب السلع الاستراتيجية المدعومة وأضرار ذلك على الاقتصاد السوداني.

خلل وعجز

ويعاني السودان من خلل وعجز في الميزان التجاري، إذ إنّ واردات الدولة أكثر من صادراتها، ما يشكل ضغطاً متواصلاً على سعر صرف الجنيه ويؤدي إلى انخفاض مستمر لقيمته أمام الدولار. كما تعاني الدولة من ديون خارجية كبيرة، ما يزيد على الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها. كذلك، شهد معدل التضخم في السنوات الماضية ارتفاعاً مستمراً، ما أسهم في انخفاض قيمة النقود، ونتج من ذلك تراجع رأس المال والاستثمارات المرتبطة بالقطاع الخاص، بسبب الخوف من اختلال التوازن الاقتصادي في الدولة.

أزمة مالية خانقة

ويواجه السودان أزمة مالية خانقة، في ظل إحجام المؤسسات الدولية عن إقراضه، بسبب تخلّفه عن سداد ديونه المتأخرة. وكان جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، قال في تصريحات صحافية في مايو (أيار) الماضي، إنه ليس بإمكان صندوق النقد تزويد السودان بالتمويل، بسبب المتأخرات المستحقة عليه، إذ تشير بيانات رسمية، إلى أن إجمالي الدين الخارجي للسودان يبلغ نحو 58 مليار دولار، النسبة الكبرى منه فوائد وغرامات تأخير. بينما يراوح أصل الدين الخارجي بين 17 و18 مليار دولار، والمتبقي من إجمالي الدين بنسبة 85 في المئة عبارة عن فوائد وجزاءات، بدأت في التراكم منذ عام 1958. وتشمل قائمة دائني السودان مؤسسات متعددة الأطراف بنسبة 15 في المئة ونادي باريس 37 في المئة، و36 في المئة لأطراف أخرى، إلى جانب 14 في المئة للقطاع الخاص.

خطة إنعاش

وكان وزير المالية السوداني قد أعلن في الآونة الأخيرة خطة لإنعاش الاقتصاد السوداني بعد التوافق مع المجتمع الدولي على خريطة طريق تبدأ ببرنامج لإعادة تأهيل الاقتصاد السوداني بتقديم دعم مالي من دون دفع متأخرات وتمويل موازنة السودان لعام 2020، لافتاً إلى أن السودان يحتاج إلى ما يصل إلى خمسة مليارات دولار دعماً للميزانية لتفادي الانهيار الاقتصادي، وتوقع دخول استثمارات من دول عربية العام المقبل تُقدَّر بحوالى ملياري دولار.