مشاهد أخيرة في حياة مشاهير الفن... غضب وحسرة وصدمات وراء الكواليس

إسماعيل ياسين رفض طلب المساعدة من عبد الناصر... وعماد حمدي يتوارى لصالح "فتى الشاشة الأول"

إسماعيل ياسين الصديق الأقرب لعبد الفتاح القصري معاً في فيلم "متحف الشمع"، إنتاج 1956 (موقع السينما.كوم)

تستدعي المشاهد الحزينة التي واكبت الإعلان الصادم المفجع عن وفاة الممثل الشاب هيثم أحمد زكي في ظروف مأساوية، مشاهد أخرى باقية لفنانين لوّحوا للكاميرا للمرة الأخيرة وغابوا. كان بعضهم حزينا، ضاحكا، مقهورا، أو مناجيا، ولديه رجاء في أمل جديد. قصص الفصل الأخير في حياة نجوم الفن تبدو في كثير منها مؤثرة ودرامية، وربما تتفوق على مبالغات سيناريوهات أعمالهم التي قدّموها على مدار عشرات السنوات.

أيام حزينة في بلاتوهات المشاهد الأخيرة

تأتي الحكايات من هنا وهناك عن نجوم ملؤوا الشاشة ضحكا ومتعة، ولكن الكاميرا أعطت لهم ظهرها وفقا لمجريات السوق في ساعاتهم الأخيرة في البلاتوهات. قد تكون قصة إسماعيل ياسين من بين تلك القصص الحزينة، فالرجل الذي يعتبر أبرز نجوم الكوميديا في السينما المصرية، والذي كان يصل به الأمر إلى تقديم عشرين عملا خلال العام الواحد، جاءه عامه الأخير في الدنيا "1972"، يحمل معه الأمل بالعمل مجددا في فيلم سينمائي بعد كثير من التخبط وابتعاد منتجي السينما عنه، حيث عرض عليه فيلم "الرغبة والضياع" مع نور الشريف وهند رستم وهياتم، وهو بدوره كان سعيدا جدا، بل إنه بكى تأثرا في بداية التصوير حينما استقبله العاملون بالفيلم بالتصفيق والترحيب الحار، وكان آخر مشهد له مع هند رستم، حينما يزروها بالمنزل ويتحدث مع الأطفال، في حين إن نور الشريف كان مختبئا بالدور الثاني، وكان يظهر بالفيلم باسمه "إسماعيل".

كان الراحل متفائلا بالعمل، ولكن الحال انقلب حينما وجد أن ترتيبه على "التيتر" هو الأخير تقريبا بين الأبطال الرئيسين، بعد أن كان الأول دوما، فدخل في نوبة اكتئاب وتدهورت صحته، وحاول الخروج من الأزمة النفسية، ولكنه لم يفلح حتى أصيب بسكتة قلبية بعد تلك الواقعة بفترة قصيرة، وتوفي في 24 مايو (أيار) عام 1972.

من المفارقات أيضا أن رفيق درب الكوميديا لإسماعيل ياسين، وهو الفنان عبد الفتاح القصري، قد عاش أياما حزينة ومغرقة في البؤس قبل رحيله، وأصيب بالمرض وعانى من ضيق ذات اليد، وقد تدهورت صحته أمام الجمهور، في عام 1962 أثناء أدائه مشهد من مسرحية "الدنيا لما تضحك" أمام إسماعيل ياسين، حيث أصيب بالعمى فجأة وصرخ مصدوما، فيما الجمهور اعتقد أن صراخ "القصري" ضمن حوار المسرحية، ليكون هذا هو اللقاء الأخير بين "القصري" والجمهور، ثم ظل حبيس المنزل بعدها لمدة عامين إلى أن فارق الحياة.

أما الفنان رياض القصبجي، صاحب دور "الشاويش عطية" في أبرز أفلام إسماعيل ياسين، فقد جلس في منزله فقيرا ومريضا، وكان مشهده الأخير من المفترض أن يكون في فيلم "الخطايا" عام 1962، حيث حاول المخرج حسن الإمام مساعدته وأسند إليه أحد الأدوار، ولكنه فوجئ به يسقط في البلاتوه أكثر من مرة، ولم يتمكن من أداء دوره فاضطر إلى إلغاء اللقطات والاستعانة بممثل بديل، ليفارق رياض القصبجي الحياة بعدها بأشهر معدما.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويلفت الناقد طارق الشناوي لـ"اندبندنت عربية" إلى أن أكبر نجاحات إسماعيل ياسين كان قد حققها مع رياض القصبجي، ولكنه لم يساعده في أزماته، على الرغم من أن إسماعيل ياسين حينها كان لا يزال نجما لامعا ميسور الحال.

لماذا رفض إسماعيل ياسين توسط ابنه لدى جمال عبد الناصر؟

ويعود الشناوي ليلقي الضوء على قصة إسماعيل ياسين، مؤكدا أن المخرج الراحل ياسين إسماعيل ياسين روى له أكثر من حكاية تؤكد أن والده رفض طلب المساعدة بشكل مباشر من الزعيم جمال عبد الناصر، على الرغم من طيب العلاقة بينهما، ويتابع الشناوي "إسماعيل ياسين هو النموذج الصارخ للفنان الذي رسم الضحكة في قلوب المصريين والعرب، وانتهى به المطاف يقف على مسارح النوادي الليلية لمواجهة متطلبات الحياة الأساسية، بالطبع الدولة الرسمية لم تقف معه، برغم وطنيته وتبرعاته الكبيرة للمؤسسة العكسرية حينما كان النجم الأول.

ويتابع الشناوي "كان ياسين نجله قد حكى لي بصفة شخصية أنه اقترح على والده أن يتوسط له لدى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بحكم صداقته بخالد نجل الزعيم الراحل، حيث كان يذهب إلى بيتهم دوما، ولكن الأب رفض، وفي وجهة نظري رفض إسماعيل أن يشعر ابنه بأنه أقل من صديقه. والضرائب طبعا كانت قاسية جدا معه وخسر كل شيء، وأرسل رسالة باكية لوزير الثقافة من أجل أن يعمل لينفق على أسرته، ولكن الأمور لم تتحسن. هو بالطبع لم يطوّر أدواته ولم يقرأ جيدا كيف تغير الزمن والجمهور، ولكن أيضا، تركه زملاؤه ولم يقفوا إلى جواره، ونفس الشيء لعبد الفتاح القصري، حيث طردته زوجته وأصبح متسولا في الدور الأرضي من منزله، وعلى ما يبدو فقد أصيب بالزهايمر، وهو مرض لم يكن معروفا حينها".

رشدي أباظة يودع الجمهور بمشهد مؤثر... المليجي يغادر أمام الكاميرا

كان آخر مشهد قدمه رشدي أباظة في فيلم "الأقوياء" عام 1980، وهو مشهد في ملهى ليلي وشاركه فيه الفنان توفيق الدقن، حيث قدّم رشدي أباظة دور "رشدي بك"، الثري الناقم على ثورة يوليو (تموز) 1952، وخلال المشهد عدّد مساوئ قرارات الثورة وانتقدها بشدة وبشكل هزلي أيضا، بعدها تدهورت صحة الفنان الراحل، ومكث بالمستشفى إلى أن فارق الحياة، وتم استكمال مشاهد الفيلم عن طريق الاستعانة بالفنان صلاح نظمي لتشابه بنيته مع رشدي أباظة، حيث أدى اللقطات المتبقية وتم تصويره من بعيد. وكان رشدي أباظة قد قام بتصوير فيلم آخر قبل "الأٌقوياء" هو "بياضة" مع يسرا، حيث عرض بعد عام من رحيله، فقد توفي "دنجوان الشاشة" في 27 يوليو عام 1980، بينما عُرض "بياضة" في مايو 1981.

الفنان الكبير محمود المليجي فارق الحياة وهو أمام كاميرا المخرج هاني لاشين في فيلم "أيوب" مع عمر الشريف، وكان يتحدث الفنان الراحل عن جدوى الحياة والملل الذي يصيب حياة البعض، حيث صمت فجأة وفارق الحياة على الفور، وتصور طاقم العمل أنه سيواصل التمثيل، وتم نقله إلى منزله بالزمالك، حيث فارق الحياة في 6 يونيو (حزيران) عام 1983.

يذكر الناقد طارق الشناوي واقعة أخرى متعلقة بكيفية ظهور الفنان الكبير الراحل عماد حمدي في الأعمال الفنية خلال سنواته الأخيرة، مؤكدا أنه ظل يعمل ولكن بأدوار صغيرة جدا، وكان يتقاضي معاشا، قدره عشرون جنيها. يقول الشناوي "مثلا بعد عرض فيلم (سونيا والمجنون) صرخ عماد حمدي بعد اختصار دوره لصالح (فتى الشاشة الأول) وقتها، محمود ياسين، ولكن المخرج حسام الدين مصطفى كان قاسيا معه في رده، وقال له إن الجمهور يأتي من أجل محمود ياسين البطل وليس لأجله، وبالتالي يمكن حذف 30 دقيقة من مشاهده دون تأثر شباك التذاكر، ولكن لا يمكن أن تحذف لقطة واحدة من دور محمود ياسين، ورغم أنه لم يتوقف عن العمل بعدها لكنه ظل يعيش في حسرة وفقر وحاجة حتى توفي في 28 يناير (كانون الثاني) 1984 بعد عامين من عرض آخر أعماله (أشياء ضد القانون) مع محمود ياسين أيضا".

في العصر الحديث أيضا تعددت المفارقات، حيث كان آخر مشهد قام به الراحل وائل نور ضمن مسلسل "شقة فيصل"، هو مشهد مناجاة في المسجد، وظهر فيه وهو يبكي ويطلب العفو من الخالق، وبعدها بوقت قصير فارق الحياة إثر أزمة قلبية مفاجئة في 2 مايو عام 2016، دون أن يستكمل مشاهد العمل الذي عرض بعد وفاته بثلاثة أعوام، فيما كان هذا هو العمل التلفزيوني الأول لوائل نور بعد غياب سبع سنوات عن المسلسلات، فقد كان يعاني من ندرة السيناريوهات المعروضة عليه، ورغم صغر دوره، لكنه كان متفائلا معتقدا أنه سوف يمثل خطوة لعودته بقوة مجددا.

المزيد من نجوم وفن