برهم صالح على خط الأزمة... هل يصلح الرئيس ما أفسد الدهر؟

طالب بضرورة إجراء حوار وطني... ومحاسبة كبار الفاسدين... ومنح الشباب فرصة في الانتخابات البرلمانية

على خط الانتفاضة الذي يزداد أوارها في عموم العراق، دخل أخيراً الرئيس برهم صالح على خط الأزمة ليمارس دوره كمحامٍ للدستور، الذي تأخر من وجهة نظر كثير من العراقيين، في مسعى للتهدئة وتقديم تصور شامل لحل الصِّدام الذي تشهده شوارع بغداد والمحافظات بضراوة واتساع.

وارتفعت سقوف المطالبات التي لم تعد مقتصرة على تحسين العيش والخدمات التي بدأوا بها في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى رفض علني للتدخل الإيراني وأتباعه، وتأكيد قدرة العراق على إدارة شؤونه الوطنية بعيداً عنها وعن أحزابها التي عبثت ليس في السياسة والاقتصاد العراقي فحسب، بل في فرض أجنداتها الاجتماعية مما أثار الشارع وطنياً وقيمياً.

في وقت أصدرت تنسيقيات التظاهر بيانات تدعو المحتجين الى التصعيد والاعتصام، واتخاذ يوم الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) يوما أوسع للاحتجاج، دعا الرئيس برهم صالح، في خطابه المتلفز، إلى التهدئة بُعيد استقباله لرؤساء الكتل السياسية، بينهم رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، وضرورة تعاون الجميع في حفظ الأمن العام، ومواجهة من وصفهم بمن يريدون سوءا بالعراق، واصفاً ما يمر به شعب العراق بـ"اللحظة التاريخية الحرجة"، التي تشير إلى حجم التوجس والخطورة التي تمر بها السلطات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مؤكدا "أن التاريخ يعلمنا أن صوت الشعب هو أقوى من أي صوت"، مطالبا بإجراءات سريعة تقتضيها المسؤولية القانونية ومحاسبة المقصرين الذين استخدموا العنف المفرط تجاه المتظاهرين، داعيا إلى حصر السلاح بيد الدولة وحدها، كاشفا أن هناك جماعات مسلحة تستخدم السلاح كلما تنافرت مع بعضها محملا البرلمان المسؤولية الأولى كونه ممثل الشعب.

ودعا الرئيس العراقي إلى "أن تخطو الدولة جديا لمحاسبة كبار الفاسدين والانتهاء من هذه الملفات بأسرع ما يمكن"، مذكراً "أن سبب الاحتجاجات يكمن في الفساد الذي أغرق البلاد في الفقر والحرمان والعوز لطبقات المجتمع وجيوش العاطلين التي تحدث عنها نظيره في السلطة التنفيذية عبد المهدي في خطابة ليلة الخامس والعشرين من أكتوبر المنصرم، ليلة اندلاع أوسع تظاهرات في العراق، واجهتها السلطة بالرصاص وزادت حصيلة القتلى إلى 300 قتيل، في بغداد والمحافظات ذات الأغلبية الشيعية، مما دفع الرئيس صالح إلى القول، "الوضع القائم في العراق غير قابل للاستمرار"، لكنه وبدبلوماسيته المعهودة حاول تخفيف أسى وصدمة صديقه الرئيس عبد المهدي، حليف الكرد، وملبي طلباتهم بسخاء، لتخفيف وطأة نبأ استقالة عيد المهدي المؤكدة، وقال، "إن رئيس الوزراء كان قد أبدى موافقته تقديم استقالته طالبا من القوى السياسية الاتفاق على بديل مقبول، بما يمنع حدوث فراغ دستوري".

مؤكداً طي صفحة عبد المهدي، الذي يعارض تحالف الفتح وعرّابها قاسم سليماني، تلك الاستقالة التي تحول دون وجود رئيس وزراء تسوية مثل عبد المهدي، الذي مكنّهم بضعفه وتردده، وانكشافه بعدم وجود كتله ساندة له يمثلها، وأصوات برلمانية تشد من أزره، ما مكنهم من فرض هيمنة أحزابهم وفصائلهم المسلحة التي تساند السياسة الإيرانية، التي جعلت العراق ممراً لمشروعات إقليمية لا طائل منها للعراق وشعبه، الذي تؤشر تظاهراته أن العراق بشيعته وسنته وكرده وأقلياته المتآخية، قادرٌ على إدارة استقلاله السياسي واتباع سياسة النأي بالنفس والدخول بمعارك خاسرة، لطالما أفقدته قوته ومكنّت خصومه من النفاذ اليه، وابتلاع مقدراته، وازدياد ضحاياه الذين زجوا في معارك خاسرة طويلة منذ ثمانينات القرن الماضي، ونزف خلالها دماء غزيرة.

وحاول برهم صالح أن يلقي طوق النجاة إلى شركائه في العملية السياسية بالعراق المهدد بأصوات الشعب الغاضب، بحلول يظنها تُخرج البلاد من أزمتها الحالية لخصها في "إجراء انتخابات مبكرة باعتماد قانون انتخابي جديد ومفوضية انتخابات جديدة، تتخطى علل وثغرات الانتخابات الماضية، ومنع التلاعب والتزوير لأصوات الناخبين بعيدا عن التزوير والمحاصصة الحزبية، بإشراف خبراء وقانونيين كفء ومستقلين"، مشيراً إلى ضرورة إجراء حوار وطني للعمل من أجل ما وصفه "معالجة الاختلالات البنيوية في منظومة الحكم وفق السياقات الدستورية". وتابع "باشرنا هذا من أجل صياغة قانون انتخابي جديد مقنع للشعب يعالج المشكلات القانونية ويسمح بانتخابات أكثر عدلا وأشد تمثيلا للشعب بما في ذلك حق الترشح للشباب".

في وقت ترفض مطالب المتظاهرين إعادة إنتاج برلمانات يصفونها بأنها "مفرخة الفساد"، ويرفضون كل الوجوه التي تصدت للعملية السياسية وتسببت في إفقار الشعب، وأنتجت برلمانا ورئاسات فاسدة، تفردت بها الأحزاب الدينية الموالية والمساندة لإيران، بنسبة مشاركة لا تتعدى فعليا الـ‎%‎20، وأغلبية صامته كانت تتفرج على ما يجري على أمل إسقاط نتائج انتخابات عام 2018 التي لا تمثل جمهور الناخبين الحقيقيين، من قِبل المجتمع الدولي الذي أراد التحقق من شرعيتها لكن أحزاب السلطة سارعت بحرق صناديق الانتخابات بـ"ماس كهربائي" في وقت انقطاع الكهرباء عن بغداد الرصافة؟

 لقد أدرك العراقيون أن هناك تحديا حقيقيا في الشارع لا يمكن أن يحسم إلا بإعادة تأسيس البنية السياسية الحالية التي تمادت في تمكين إيران بالتدخل بالشأن العراقي، وغلبة قرارها على باقي قرارات الكتل والمكونات التي تماهت معها في قبول الأمر الواقع بقوة السلاح ولباس الشرعية البرلمانية، وتوظيف الدستور لمصالحها، لكن عجّل ضعف وتخاذل عبد المهدي وخضوعه إلى إرادتها ليكون مخلبا مكسورا لنهش وجوه العراقيين الذين أسقطوه بالضربة القاضية وإصرارهم على عودة العراقي العربي الأبي إلى عهد بطولته، كما يوشر ذلك ملايين العراقيين الذين خرجوا بصدور عارية يهتفون لوطنهم براية واحدة.

المزيد من سياسة