Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قائد سابق في حركة طالبان يرى الحياة الهادئة امكانية بعيدة المنال!

الامام منظور غير قادر على الهرب من نيران الحرب في افغانستان

مفاوضات القوى الدولية مع حركة طالبان، تنقلت بين عواصم كثيرة من دون أن تجلب السلام إلى افغانستان (أ.ب.)

في وقتٍ مبكر من صباح ذلك اليوم، توجّه إلى دار الإمام منظور خمسة رجال مقنّعين ومدجّجين بأسلحة من طراز كلاشنكوف في سيارتين رباعيتيّ الدّفع. وكلّ ما استطاع ذلك العلّامة الإسلامي فعله قبل أن ينقضّوا عليه ويبدأوا بإطلاق النّار، تمثّل في إخفاء ابنته البالغة من العمر ستّ سنوات وإبعادها من الأذى.

"ضربوا النّار عليّ من مسافةٍ قريبة جداً وأصابوني في معدتي وصدري وكتفي. ولمّا صوّب أحدهم نحو رأسي للإجهاز عليّ، تشبّثتُ بفوهة بندقيّته محاولاً منعه ونجحتُ مع بعض التحفّظ، إذ تمكّن من إطلاق بضع رصاصات. لحسن الحظ، لم تكن الطّلقات مستقيمة وكان الله وعمامتي السّميكة لها بالمرصاد"، يقول منظور مستذكراً الحادثة.

ويُتابع قائلاً: "حين فقدتُ الشّعور بساقيي، أدركتُ أنّ إدّعاء الموت هو فرصتي الوحيدة للنجاة. فتظاهرتُ بالارتعاش والتشنّج على نحو ما يفعل الرّجال حين يُقتلون. سمعتُ واحداً من المسلّحين يقول لرفاقه إنني انتهيت قبل أن ينصرف الخمسة ويبتعدوا. نظرتُ إلى الأسفل. ورأيتُ أمعائي خارج جسمي. وحاولتُ إعادتها إلى مكانها بما تبقى لي من قوّة وبمساعدة عددٍ من الرّجال الذين هرعوا لإسعافي. وآخر شيء رأيته قبل أن أفقد الوعي، هو ابنتي الصغيرة تنوح وتحثو التّراب على رأسها ظنّاً منها أني فارقتُ الحياة".

وفي أوّل حديثٍ له مع صحافي أجنبي، يصف منظور محاولة الاغتيال التي قضت على دوره كقائد ناشط ومذهل في حركة "طالبان" وحياته الحالية التي تحمل في طيّاتها تهديدات منتظمة وإغراءات من الطّرفين كليهما للانضمام إلى النّزاع الدّامي والعنيف في أفغانستان.

لم يكن على الرّجال الذين حاولوا قتل منظور في منزله الكائن في بلدة "شاما" الباكستانية أن يُعرّفوا عن أنفسهم والجهة التي ينتمون إليها. إذ يعرف أفراد أسرته وأصدقاؤه الذين هرعوا به إلى المستشفى، المسؤول عن محاولة الاغتيال، بل يعي بعضاً منهم حتى أنّ الإمام كان يقترب من حتفه بسبب رفضه الإذعان إلى أوامر منظمة باكستانية نافذة وواثقة من نفوذها بما يكفي لعدم القلق من تصفية أحد قادة "طالبان".

وحاضراً، بعد مرور خمس سنوات على الحادثة، لا يزال منظور يرفض تسمية المنظمة التي حاولت قتله على الملأ، خشية أن تتعرّض له مرّة اخرى. وبعد نجاته بمعجزة من الطّلقات النارية التي مزّقت أنحاءً مختلفة من جسمه بحسب قول أطباء تولوا علاجه، تخلّى منظور عن منصبه في تلك الحركة. ولمّا ورده خبر التخطيط لهجومٍ ثانٍ يستهدفه، حسم أمره وأخذ طريق العودة إلى وطنه... أفغانستان.

وعندما بلغ منظور الحدود، سعى إلى عبورها مثلما فعل ذلك مرات عدّة من قبل متصدياً للقوات الرّوسية ثم الأميركية والبريطانية، لكنه اضطر إلى التخفي هذه المرة لعلمه أنّ الرّجوع إلى باكستان بات مستحيلاً.

يُعتبر منظور أحد أبرز الشّخصيات التي تخلّت عن منصبها في الجناح العسكري لـ"طالبان" في الفترة الأخيرة. إذ يُقيم الآن في مكانٍ سريّ وآمن في إقليم قندهار الذي انطلقت منه تلك الحركة، وأدى خدمات مشهودة إلى نظام (رئيس طالبان ثم أفعانستان) الملا عمر في مرحلة ما قبل الغزو الأميركي والبريطاني. وإثر عودة منظور إلى الأقليم، انهالت عليه عروض من الحكومة الأفغانية والاستخبارات الأميركية، لكنّه رفضها جميعها، رغبةً منه في أن يُصبح عضواً في البرلمان ويستبدل قوة السّلاح بقوّة الأصوات.

وإضافة إلى العروض والمناصب، تلقّى منظور تهديدات بالقتل من رفاق سابقين له في "طالبان" اتّخذوا باكستان ملاذاً آمناً لهم. وأعقب ذلك دعوات صريحة له بمعاودة الانضمام إلى الحركة وتولّي مهمات قيادية. وذهبوا إلى القول إنّ ما حدث له مجرّد سوء تفاهم من قبل المنظمة الباكستانية التي تولى أفرادها محاولة اغتياله، ولن يتكرر ذلك أبداً.

وفي وقت سابق، حذر بعض القيادات الطالبانيّة من إمكانية أن يُثير اغتيال منظور ردود فعلٍ عنيفة من جانب أتباعه المخلصين له ممن حاربوا إلى جانبه. وخلصوا إلى أن الخيار الأفضل لمنظور يتمثّل في البقاء داخل أفغانستان في مرحلة حاسمة كتلك التي تمر بها أفغانستان حاضراً. إذ باتت حركة "طالبان" قاب قوسين أو أدنى من تسلّم مقاليد السّلطة التي انتُزعت منها قبل 18 عاماً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في ذلك الصدد، يشار إلى أنّ المحادثات المباشرة التي جرت بين الحركة والولايات المتحدة في الدّوحة، قد توقفت على نحوٍ مفاجئ أوائل سبتمبر (أيلول) الماضي بتغريدةٍ واحدةٍ من دونالد ترمب.

وآنذاك، شكّلت تلك التغريدة ردة فعل إزاء مقتل جندي أميركي في تفجيرٍ نفّذته "طالبان". في المقابل، تشير تّوقعات واسعة النّطاق إلى إمكانية استئناف المحادثات عمّا قريب. إذ يبدو أنّ الرّئيس ترمب مستعدّ لفعل كل شيء من أجل إعادة القوات الأميركية إلى ديارها قبل الانتخابات المرتقبة العام القادم كي ينسب الفضل لنفسه في إنهاء أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة على الإطلاق.

من ناحية اخرى، تغيّرت آليات عمل حركة "طالبان". ولأوقات طويلة، اعتبر مسؤولون في الغرب وأفغانستان أنّ الحركة تتلقى تعزيزات من باكستان، تحديداً من عناصر استخباراتية وعسكرية وداعشيّة أخذت على عاتقها تحقيق غايات الحركة في استهداف الأعداء.

وفي 2010، أقدمت السّلطات الباكستانية على اعتقال وسجن القائد الطّالباني الملا عبد الغني برادر الذي حاول تنظيم محادثات سلام مع حكومة الرئيس حميد كرزاي في كابول، من دون علم الجيش الأفعاني و"الدولة الإسلامية في العراق وسوريا". وبعد 10 سنوات، أُطْلِقَ سراحه كي يضطلع بدورٍ رئيس في إعادة تحريك عجلة محادثات الدّوحة، تحت ضغط من الأميركيين وبعض القياديين الطالبانيين الذين لا يكلّون السّعي خلف سياسة مستقلّة عن دولة الأمن الباكستانية، ولا يملّون من بذل جهود جبارة في سبيل ضمّ شخصيات رفيعة اخرى إلى صفوفهم.

في ذلك السياق، ليس من شك في أنّ منظور كان من عليّة القوم. والحقيقة أنّه اندرج ضمن أوائل مقاتلي "المجاهدين" الذين انضموا إلى حركة "طالبان". في مسيرته، شغل منظور منصب الحاكم في مقاطعات "داند" (تابعة إلى إقليم قندهار) وغازني وجنوب كابول. كما تسلّم رئاسة شرطة "بادغيس"، قبل توليه مسؤوليات القائد العسكري في "هراة" و"نيمروز" و"بادغيس" و"غور" على التّوالي. وفي آخر وظيفةٍ له، تولّى منظور قيادة العمليات في منطقة تمتدّ من "غازني" إلى كابول.

كان منظور على معرفة شخصية بالملا عمر، وكذلك التقى مرّات عدة مع أسامة بن لادن. ويشدّد منظور على أنّ "الملا عمر كان رجلاً طيّباً ولطيفاً جداً. في كلّ مرة قابلناه فيها، كان يتلو القرآن أو يصلّي. سيثبت التاريخ للجميع أنه كان رجلاً عظيماً"، يُشدّد منظور.

ويضيف، "الغرب هو الذي منح أسامه بن لادن هذه الهالة الجهادية... هذا الأخير لم يكن متديّناً عندما ساقه القدر إلى أفغانستان للمرّة الأولى. كان يعيش حياته في الخارج طولاً وعرضاً وحتى لم تكن لديه لحية. بالفعل، لم يترك بن لادن ذقنه تطول إلا في أفغانستان. أنا عن نفسي، التقيتُ به في باكستان. وقد مرّ على لقائنا الأخير في "سوات" قرابة 14 عاماً. كان بن لادن يشعر بإنتماءٍ أكبر إلى باكستان من أفغانستان... وهناك (في باكستان) عثر الأميركيون عليه وقتلوه".

وبحسب منظور، "لم يكن الملا عمر يُحبّ بن لادن. إذ طلب منه عدم السّفر إلى الخارج من دون إذن الحكومة (الطالبانية في أفغانستان)، وهو الذي سأله عدم افتعال مشاكل في الخارج... نحن نعلم كلّ هذا لأننا كنّا موجودين. ومع ذلك، يأبى  معظمنا أن يُصدق أنّ بن لادن قد دبّر هجمات نيويورك، بحجة أنها معقّدة جداً على عقول أتباعه".

وفي أوقات سابقة، إبّان ارتقاء منظور سلّم الرّتب المتعاقبة في صفوف "طالبان"، حرص حرصاً شديداً على البقاء بعيداً عن الأضواء. إذ لم تكن تحركاته معروفة وصوره العلنيّة شبه معدومة. ولعلّ كلّ ذلك الحذر أنقذه من مصيرٍ مشابه لمصير رفيقه المقرّب، خير الله خيرخوا، الذي اعتُقل في "شامان" ورُمي في معتقل غوانتانامو 14 عاماً. وفي 2014، أُطلق سراحه بوصفه أحد "الطالبانيين الخمسة" الذين اعتُبرت مشاركتهم أساسيّة في المحادثات التي جرت بين الحركة وإدارة الرئيس باراك أوباما. ومقابل إطلاق سراح خيرخوا، أُفرج عن بو بيرغدال، الجندي الأميركي الذي بقي في قبضة المتمرّدين منذ 2003.

بالفعل، لعب خيرخوا دوراً أساسياً في محادثات الدوحة. "تعرفتُ إليه في بلدة "هراة"... إنه رجلٌ طيب وصديق. كنتُ أتعرّض إلى محاولة اغتيال عندما أُخلي سبيله. والملا برادر صديق أيضاً، وكان جاري في "شامان"، لكنّ الباكستانيين اعتقلوه ولم أره مجدداً إلا مع بداية المحادثات في الدوحة".

وعن متاعبه الخاصة، يؤكّد منظور أنها لم تبدأ إلا بعد أن جاء إليه أحد المسؤولين في منظمة باكستانية نافذة. وبحسب كلماته، "أبلغني أني سأكون منذ هذه اللحظة المسؤول الأول والأخير عن اختيار العمليات التي سيُشارك فيها رجاله والأهداف التي سيضربونها في أفغانستان... لم يُعجبني اقتراحه بالطبع. وبعد أن تناقشتُ معه ساعات طويلة منحته موافقتي. كان عليّ أن أفعل ذلك، في الأقل كي لا يتسبب لي بالمشاكل".

ويضيف منظور، "على مدى الأشهر الثلاثة التالية، تمكّنتُ من تفاديه وتجاهل أوامره. ولمّا نفدت منّي الفرص، أرسلوا الرّجال المسلّحين إلى منزلي لتصفيتي. لا أريد ذكر هؤلاء الناس في العلن، لأنهم خطرون. من المفترض أنّهم حلفاء الأميركيين، لكني أتساءل إذا كان الأميركيون أنفسهم يعلمون دوماً ما الذي يفعله هؤلاء الأشخاص. في كلّ الأحوال، بدا محتماً بالنسبة لي أن أغادر باكستان". ويفيد منظور أنه لم  يشعر بالأمان بعد سفره إلى "قندهار" لأن لخطر ظلّ يتهدده من رفاق السلاح السّابقين ومناصري "طالبان" في باكستان، إضافة إلى السلطات الأفغانية وكذلك رجلٍ بعينه في "قندهار" تحديداً... الجنرال عبد الرازق أجكزي.

وفي التفاصيل أنّ الجنرال عبد الرازق صار مسؤولاً أمنياً رفيع المستوى في أفغانستان على خلفية الحملة الشرسة التي شنّها ضد "طالبان" بدافعٍ شخصيّ. ويرجع ذلك إلى أن الحركة قتلت والده وعمه. وعلى الرّغم من الادعاءات بانتهاك حقوق الإنسان التي رافقت الحملة، اعتُبر عبد الرازق، رئيس شرطة "قندهار"، البطل الذي نجح في قمع المتمرّدين ورفع مستوى الأمن في البلاد.

ووفق كلمات منظور، "علِم الجنرال عبد الرازق بوجودي هنا بعد ثلاثة أيام من وصولي. ولذا، غادرتُ كابول من دون تأخير. لم أرد المخاطرة لأني عالمٌ بسمعته. وبما أنّ كلانا ينتمي إلى قبيلة واحدة، ارتأى الكبار فيها تدبير لقاءٍ يجمعنا. وما كان منّي إلا أن عدتُ أدراجي لأُخبر الجنرال عن الهجوم الذي تعرّضتُ له وأؤكّد له أنني لا أنوي إتيان أي عمل ضد الحكومة الأفغانية، وجلّ ما أريده يتمثل في المضي قدماً في حياتي. قلتُ له إنه لو أراد قتلي، فما بيدي حيلة. أما لو أراد أن يزّجني في السّجن، فليزجّني في أحد سجون "قندهار"، كي لا يحكم عليّ بالموت في مكانٍ آخر".

وبحسب منظور ومسؤولين أفغان آخرين، مرّ اجتماع الرّجلان بسلام. وفي إطاره، لم يتوانَ الجنرال عبد الرازق عن دعوة الإمام إلى تولّي منصب رئيس بلدية "قندهار". لكنّه رفض، بحجة أنّه يُريد بعض الوقت ليطمئنّ على عائلته وزوجتيه وأولاده الستة عشر.

وإلى جانب هذا العرض، تلقّى منظور عروضاً اخرى كثيرة، أحدها من الأمريكيّين، إذ دعته قاعدة "وكالة الاستخبارات المركزية" الأميركية في المدينة إلى اجتماعٍ كي  تسأله إذا كان يريد العمل معها. "رفضتُ"، يروي منظور، "قلتُ لهم إنني ضقتُ ذرعاً بالحرب والعنف. كان الحوار وديّاً جداً. وفي مرحلة من المراحل، سألوني عن رأيي بدونالد ترمب. أجبتهم بأننا "سبق وتعايشنا مع قادة مجانين ومضطربين، وقد جاء دوركم الآن لتعرفوا الشعور الذي كان ينتابنا حينها. واعتبروا إجابتي ظريفة"، يستذكر منظور ضاحكاً. وقد أكّد مسؤول أميركي أنّ اللقاء بمنظور جرى فعلاً في قندهار. وقد رفض تأكيد تفاصيل النقاش الذي دار بين الطرفين أو العرض الذي نوقِشَ بينهما.

وبالعودة إلى الجنرال عبد الرازق، فقد  أفلت من محاولات كثيرة لاغتياله، جرت على مدار سنوات عدة. لكنّ طالبان نجحت في التخلّص منه أخيراً في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عندما أُردي قتيلاً على يد مقاتلٍ نجح في التسلل بين قوات حفظ الأمن في المقرّ الحكومي.  لقد أرادته الحركة ميتاً مهما كلّف الأمر، إذ لمّا تسنّت لمنفذّ الاغتيال فرصة الاختيار بينه (عبد الرازق) وبين الجنرال سكوت ميلر، القائد الأميركي في أفغانستان (قبل أن يتلقّى ذلك المقاتل نفسه رصاصة قاتلة)، اختار التصويب نحو القائد الأفغاني.

وفي شريط فيديو حصلت عليه صحيفة "الإندبندنت" من حركة "طالبان"، يظهر قاتل عبد الرازق أثناء تدرّبه بشكلٍ مكثّف على المهمة، مع الثناء على تفانيه في العمل من أجل القضاء على عدوٍّ بغيض.

يُخبرني منظور أنّه قابل الجنرال قبل ثلاثة أيام من مقتله. "قلتُ له يومها أن يتجنّب الاجتماعات الليلية ويحذر الأشخاص الذين انضموا إلى الشرطة والجيش. كنت أعلم أنّهم يحضّرون لشيءٍ ما... لقد أسفتُ جداً على موته. وفي الجنازة، ساعدتُ في وضع جثمانه في التراب. صحيح أننا حاربنا بعضنا البعض في الماضي، لكنّه دأب على بذل قصارى جهده من أجل سكان "قندهار" وأفغانستان. وما حدث له يؤكّد مدى حاجتنا إلى السلام"، بحسب تعبيره.

إذ تشكّل تلك لمنطقة، باعتراف حاكم قندهار حيات حيات الله، قاعدة قوّة بالنسبة إلى "طالبان"، على الرغم من تآكل نفوذ هذه الأخيرة وقدرتها على دعوة الناس إلى الجهاد. "بفضل الجهود التي بذلتها الحكومة الأفغانية والفتاوى التي أصدرها علماء الدّين في مكة وجدّة وكابول، فقدت "طالبان" كثيراً من مقاتليها الذين أدركوا أخيراً أنّ حربها ليست حرباً دينيّة، إنما قضية سياسية ولها اعتبارات سياسية. ولأنّها لم تعد تتمتّع بالقوة الكافية لإدارة الأقاليم، نراها اليوم تتطلّع إلى أهداف محددة وتكتفي بعمليات من نوع آخر، كالاغتيالات وجرائم الخطف، في محاولةٍ منها للعثور على مواطن الضّعف لدينا. وهذا تغيير واضح"، وفق كلمات منظور.

إلى ذلك، يعتبر الحاكم حيات الله أنّ مسار المفاوضات أرخى قبضة "مجلس شورى كويتا" (قيادة طالبان في باكستان) على المقاتلين في ساحات المعارك. "لعلّ أحد أسباب عدم استعداد هؤلاء قبول وقف إطلاق النار الآن يتمثّل في اعتقادهم بأنّهم سيفقدون السيطرة على المزيد من مقاتليهم الذين لم يعودوا يكنّون لهم الاحترام".

ويضيف، "تتصدّى المعارضة لهم أيضاً على جبهتين. ولو توصّلت "طالبان" إلى توقيع اتفاقٍ فعليّ مع الولايات المتحدة، أنا متأكد أنّ بعض المتشددين في صفوفها سيتخلّون عنها وينضمّون إلى تنظيم "القاعدة". وفي هذه الأثناء، ثمة مَن يسأل عن السبب الذي يدفع بالقادة إلى التواصل مع الأميركيين بدلاً من الأفغان؟ لكنّ المحادثات قد تُستأنف في المستقبل. لننتظر ولنرى ما الذي ستؤول الأمور إليه".

من وجهة نظر بعض كبار المسؤولين ممن لعبوا دوراً محوريّاً في ظلّ نظام الملا عمر ولا زالوا على اتّصال بالقيادة الطالبانية الحالية، يبدو التوصّل إلى اتّفاق أمراً ممكناً تماماً. تضم قائمة أولئك المسؤولين، عبد الحكيم مجاهد. في الأمس، كان مجاهد الممثل الدّولي الوحيد للنظام الحاكم في قندهار ومبعوثه لدى الأمم المتحدة. وفي أعقاب هجمات 11 سيتمبر (أيلول)، دأب على حثّ "طالبان" على إرسال برقية إدانة وتعزية بالضحايا، لكن  نت دون جدوى.

إنّ مجاهد نفسه هو اليوم أحد أعضاء "المجلس الأعلى للسلام" في أفغانستان، ويرى أنّ "الرئيس ترمب وعد الشعب الأميركي بالانسحاب من أفغانستان وتلك الحرب الطويلة فيها. نحن نشعر بأنّه بأمس الحاجة لإثبات قدرته على الوفاء بالتزامه وإعادة قواته إلى الوطن قبل موعد الانتخابات القادمة. بلغت المحادثات الآن مرحلة متقدمة، وقد تصل إلى خواتيم سعيدة قريباً إذا استؤنِفت".

ويُضيف مجاهد، "طلبَتْ (قيادة طالبان) من بعضنا التوجّه إلى الدّوحة لمناقشة الاستراتيجية. ومن بين مسائل اخرى، تهمها مصطلحات على غرار إمارة أفغانستان الإسلامية أو الحكومة الإسلامية في أفغانستان. نصحناها بقبول المواد الثلاثة الأولى من الدّستور لأنها تضمن الحفاظ على طابع البلاد الإسلامي، باعتباره أمراً مقبولاً من الشعب الأفغاني منذ نحو 18 سنة، وانتصاراً سهلاً يُقدّم لها على طبق من ذهب. بهذه الطريقة ومع انتهاء محادثات السلام مع الأميركيين، لن يكون أمام الشعب الأفغاني والمفاوضات الأفغانية الداخلية سوى تقرير نوع الحكومة الإسلامية".

وبحسب مجاهد، "تتمثّل المشكلة كلها في أنّ السيد ترمب ليس شخصاً موثوقاً ولا يُمكن التنبؤ بما سيُصرّح به في المرحلة المقبلة. لكن لحسن الحظ أنّ في الولايات المتحدة بيروقراطية محترفة ونظام سياسي محكم، ويحرصان على استمرار مفاوضات الدوحة على الرغم من مزاجيّة السّيد ترمب".

وفي ذلك السياق، يوضح أنه "في الوقت الراهن، تتواصل القيادة الطالبانية مع مجموعة صغيرة وغير رسمية من كبار شخصيات الحركة السابقين في أفغانستان... وبرأيي الشخصي، عليهم أن يفعلوا ذلك بتكتمٍ شديد، لأنّ الوضع هنا دقيق جداً. ثمة أشخاص مستعدون لاتهامنا بالتّعامل مع الإرهابيين، وتعرّض عدد كبير نسبياً من الناس إلى القتل. أنا لديّ ثلاثة حراس شخصيين، لكن في أفغانستان الآن، لا يمكن لأحد أن يُغادر منزله واثقاً من أنّه سيعود إليه سالماً".

"لا أعتقد أنّ "طالبان" ستُحاول فرض أنواع القواعد والأنظمة التي كانت رائجة أثناء فترة تواجدي في الحكومة. آنذاك، كان النظام روحانياً أكثر منه سياسياً، والقليل منه مكتوب. لا تنسوا أنّها كانت حكومة حرب و"طالبان" أكّدت في اجتماعات (الدّوحة) أنّها لن تُعاود ارتكاب الأخطاء نفسها"، يختم مجاهد.

ثمة قائد سابق آخر في "طالبان" هو سيد محمد أكبر آغا. جرى الحوار معه أثناء استعداده لمغادرة أفغانستان إلى الدّوحة ومحاورة مسؤولي "طالبان" هناك. ووفق كلمات آغا، "كنتُ واثقاً من اليوم الأول أنّ "طالبان" لن تختفي إلى غير رجعة بعد 2001. وقد استمدّت الحركة قوّتها من الحكومة التي فرضها الأميركيون وكانت فاسدة ومتعاونة معهم في استهداف الأبرياء. في تلك الحقبة، كان الناس يتعرّضون للاعتقال لمجرد معرفتهم بشخص ينتمي إلى "طالبان"... دعونا ألا ننسى أنّ محادثات قطر انطلقت نزولاً عند طلب الأميركيين. إذ لم يرغبوا في مواجهة نفس مصير الروس والتعرّض إلى الذل والمهانة. وإذا كانت المحادثات متوقفة الآن، فذلك بسبب رجلٍ واحد... ترمب. لكنّ الأمر لن يطول حتى تنطلق من جديد. ومن الواضح أن الأميركيّين بحاجة إلى حلّ. وقد تكون الانتخابات أمراً مفروغاً منه، لكنّ "طالبان" لن تتخلّى عن رغبتها بحكومة شبيهة بالحكومة الإيرانية، بمعنى أن يديرها مجلس شورى قوي وتضمّ علماء دين قادرين على مراقبة أعمال الحكومة".

بالنّسبة إلى مجاهد وأكبر أغا، لن تقبل "طالبان" بأحد الشروط التي حاول الأميركيون فرضها على محادثات الدوحة، والمتمثّل في ترك 8 آلاف جندي من أصل 14 ألفاً لفترةٍ إنتقالية.

إذ يؤكّد أكبر أغا أنّ "الحركة لن تُوافق على بقاء ولو جندي أجنبي واحد... وربما تحدّث الأميركيون عن بعض القواعد العسكرية، لكنّ هذا النوع من التواجد غير مقبول. إذ تستعد "طالبان" بالفعل لمواجهة الجهات كلها، ولديها قوات خاصة كذلك".

نعم، هذا صحيح. وفي مقاطع مصوّرة نشرتها المواقع الشبكيّة التي تروّج لـ"طالبان"، يظهر مقاتلو تلك الحركة مرتدين قمصاناً ممهورة بشعار "إمارة أفغانستان الإسلامية" التي يتوقون إليها بشدّة، إلى جانب تسميات مختلفة من بينها "فريق القوات الخاصة" و"فريق الهجوم السريع" و"الفريق الأحمر". وكذلك بدت معداتهم كلّها جديدة وأسلحتهم أيضاً".

وبحسب "طالبان"، يتلقّى أولئك الرجال تدريباتهم في منشأت بجنوب أفغانستان الخاضعة في معظمها إلى سيطرة المتمرّدين، نذكر منها مثلاً "مخيّم صلاح الدين الأيوبي" و"مخيّم محمود غزناوي" العسكريّين.

في ذلك الصدد، يُذكر أنّ مساحات ريفية شاشعة إلى الجنوب من قندهار تخضع رسمياً إلى سيطرة الحكومة الأفغانية، ولكنها تنتقل إلى قبضة "طالبان" ليلاً. وفي قريةٍ صغيرة على مسافةٍ قريبة من حدود المدينة، يتوخّى السّكان المحليون، بمن فيهم مزارعين، الحذر في حديثهم عن وجود المتمرّدين.

ويروي أحد المزارعين، "في الليل، تبقى عناصر الشرطة في مراكزها فتخلو الساحة لـ"طالبان" ومناصريها الذين يخرجون من أوكارهم ويجوبون الطرقات سيراً على الأقدام أو على متن دراجات نارية وسيارات. لا يفارقهم السلاح طبعاً ونسمع صدى طلقاته كما نسمع عن أعمال اختطاف منتظمة، لكن علينا أن نلتزم الصمت".

ويُعقّب المزارع الآخر على كلامه، "إنذها قندهار... لا بد أن تتوقع حضور "طالبان" فيها. وكذلك تكثر أعمال العنف والاغتيالات الموجّهة إلى كبار المسؤولين في الحكومة والشرطة. لقد كان الوضع أكثر أماناً بوجود رئيس الشرطة (عبد الرازق). بالطّبع كلّنا يريد السّلام. وعائلتي لم تذق طعمه يوماً، لكننا لا نعلم بعد ما إذا كان تحقيقه ممكناً".

وبالنسبة إلى منظور وأبنائه الذكور، إنهم لا يتنقّلون في أنحاء قندهار وخارجها من دون سلاح. ووفق كلماته، "عسانا نتحرّر من السلاح ذات يوم. أتمنّى حصول ذلك فعلاً. أنا متعب جداً من القتال وأريد دخول البرلمان والمعترك السياسي في سبيل تغيير واقع الحال". ثم يصمت ويتأمل ويضيف، "نحن ندرك تماماً أنّ 1800 مسؤول وعالم دين قد لقوا حتفهم في قندهار في غضون السنوات العشر أو الاثنتي عشرة الأخيرة. لذا ربما علينا مواصلة حمل السلاح هنا لفترةٍ أطول".

للاطلاع على الجزء الأول من سلسلة "نزاع بلا حدود"، اضغطوا على "سفك الدّماء والفساد يُشوّهان الوجه الحضاري للانتخابات الأفغانية"، والجزء الثاني "مجزرة دامية تُمزّق أوصال العائلات الأفغانية"، والجزء الثالث "غارة على مصنع متفجّرات لـ"القاعدة" في أفغانستان تُودي بحياة عشرات المشاركين في حفل زفاف"، والجزء الرابع  "في أعقاب الانتخابات وفي ظلّ تدمير تماثيل بوذا في "باميان"، احتمال عودة طالبان إلى الواجهة السياسية يُحدث انقسامات"، والجزء الخامس "مع اتجاه أفغانستان إلى صناديق الاقتراع، خصومات شرق الأوسط تُهدّد المشهد السياسي المشحون"، والجزء السادس "إحباط هجمات إرهابية شبيهة بأحداث "مومباي" في مرحلة ما قبل الانتخابات الرئاسية في أفغانستان"

© The Independent

المزيد من دوليات