Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب والدولة: ما قبل الطلقة الأولى وما بعدها

أسهمت في بناء دول لكنها هدمت أخرى

الحرب داخل بلد شتات الإثنيات مخربة لا بناءة (أ ف ب)

ملخص

أكثر ما تستنكر الصفوة من دولة 56 هو غلبة العنف فيها، وكانت في حاجة للاستئناس بأطروحة تللي ليروا أن الإكراه خصيصة في الدولة. ولا يقول المرء بهذه الخصيصة لكي يزهد الناس في مقاومتها، بل لا يعرف المرء مثل أهل السودان من لاقى عنف الدولة الذي شمر، في عبارة سودانية، عارياً بفدائية ليس أدل عليها من ثورات ثلاث مشهودة. ولكن ألا يروا من الدولة غير عنفها ربما حجب عنهم علماً في الدولة احتاجوا له بعد كل ثورة ولم يوفقوا بعد.

لن ترى في خطابنا السياسي من نظر إلى حربنا على ضوء علم الحرب والدولة على أن الحرب هي ربما كل ما يعرفه السودانيون عن أنفسهم وما يعرفه غيرهم عنهم، حتى قال عضو بالكونغرس الأميركي في لجنة انعقدت لتدارس الحرب داخل السودان ذات مرة "وهل يحدث شيء في السودان غير الحرب". فلم نوتدها بعد في إطار نظري يترقى به فهمنا لها درجات فوق التنابز بمن أطلق الرصاصة الأولى الذي طال وأسقم وما أشفى غليلاً. وليس من نظر للحرب والدولة في يومنا لا يبدأ بنظرية العالم الثبت تشارلس تللي (1929-2008) التي أذاعها في كتابه "الإكراه ورأس المال، والدول الأوروبية، 900-1990" (1993).

تخالف نظرية عالم الاجتماع التاريخي تللي اعتقاد كثر بأن الدول إنما تنشأ بصورة طبيعية لاشتراك الناس في الثقافة واللغة والإثنية والهوية الوطنية، فشدد في أطروحته في نشأة الدولة على العنف المنظم، والمنافسة العسكرية ونمو المؤسسات. فليس جوهر حجتة أن الحرب ما تشنه الدولة بعد قيامها، بل إنها واحدة من القوى الرئيسة التي خلقت الدولة نفسها. فمن رأيه أن نمو الدول الأوروبية عائد إلى المنافسة والحرب إلى حد كبير، فتنتج الدول عن منافسة الحكام حول الأرض والشوكة والموارد، فيحتاج الحاكم للموارد ليقيم جيشاً بعدة وعتاد وعتو، فيسوقه ذلك إلى إقامة نظام ضريبي وبيروقراطية ومؤسسات لينتهي من ذلك إلى دولة مركزية قوية هي التي بوسعها شن الحرب.

الدولة في أطروحة تللي لا تشترط اشتراك الناس في الهوية على طول ما ذاع هذا في أوساطنا لتقوم بينهم، بل الحرب من تخلق هذه الهوية بخوض الناس في الدولة قيد الإنشاء بآصرة تجارب مشتركة بوجه عدو خارجي أو داخلي يصادمونه ببذل تضحيات جماعية تلحم ما بينهم كأمة، علاوة على بناء المؤسسات التي تدير شأنهم وتتكفل بهم.

جاء النقد لأطروحة تللي من أنها بنت خبرة غرب أوروبا وقد لا تفسر الوقائع للدولة في غيرها، ودار السؤال إن كانت أطروحته مما تنطبق على العالم الثالث.

وقال القائل إنه متى ما دققنا النظر إن كان ما جاء عند تللي من العلاقة التبادلية ما بين الحرب وبناء الدولة مما ينطبق على الدولة في العالم الثالث خلال زمننا وجدنا تنوعاً في صحة الأطروحة، فالحرب قد تبني الدولة وقد تهدمها مما يعتمد على أوضاع سياسية واجتماعية بذاتها، فقارن باحثان بين فيتنام (1964-1989) وأفغانستان (1978 وما بعدها) لغرضهما، فخاضت فيتنام حروباً متعددة وطويلة بتدخل أجنبي، وضرب النزاع أفغانستان وتضمن تدخلاً أجنبياً، وفحص الباحثان الماكنيزمات الثلاثة لتللي التي تنشئ الدولة وهي: 1) جمع المال لتمويل الحرب 2) بناء الجيوش وهي الملكة العسكرية، 3) بناء الأمة وهي طور تبلور الهوية الوطنية وتمتنها. وخلصا إلى أن الحرب أسهمت في بناء دولة فيتنام بينما هدمت دولة أفغانستان، وجاء دور إيضاح الأوضاع السياسية لكل منهما التي قادت إلى هذه النتائج المختلفة جداً. فقالا إنه انوجدت في فيتنام جماعة إثنية بمثابة الجذع لمجتمع سياسي قديم نوعاً ما، علاوة على تدامج الحرب مع الثورة فيها مما عزز الأيديولوجية القومية، وقدما عامل الانسجام الإثني النسبي كصاحب القدح المعلى في نشأة الدولة داخل فيتنام. فمن دونه في قولهما، فالحرب أجنح ما تكون لهدم الدولة لا نشأتها، فالحرب داخل بلد شتات الإثنيات مخربة لا بناءة، فهما لا ينقضان أطروحة تللي التي انطبقت على فيتنام دون أفغانستان، بل يجيزانها متى توافرت شروطهما التي تقدمت.

ونظر يوهانس ولد مريام في بناء دولة إثيوبيا وتفككها في إطار أطروحة تللي ليجادل بأن الحرب على رغم كونها تعد أحياناً عاملاً في تشكيل الدول، يمكن أن تؤدي أيضاً إلى تفككها. فخلص من دراسته إلى أن الصراعات المستمرة والحروب المرتبطة بالتناقضات الإثنية أضعفت الوحدة الوطنية وأدت إلى تصاعد النزعات الانفصالية بمطالبة بعض الأقاليم بالاستقلال والحكم الذاتي، مما أدى إلى تفكك الدولة في إثيوبيا.

وضعفت الدولة في العراق بحسب متوكل دقاش من خلال آليات متعددة، بدأت بالحرب الإيرانية – العراقية (1980-1988) التي استنزفت الموارد المالية للدولة لتقود إلى أزمة مالية حادة، ومع استمرار الحرب ضعفت الثقة بالحكم لتدهور قدرة دولته في تقديم الخدمات لمواطنيه، وضاعفت العقوبات الدولية من ضعف الدولة مما اضطر الحكومة إلى إعادة تشكيل سلطانها من خلال الاعتماد على القوميات والمرجعيات الدينية التي تسببت في تصاعد الصراعات الداخلية التي قادت إلى تفكك الدولة بعد عام 2003 عقب الغزو الأميركي.

اختلفت نظرة ويليام رينو عن عملية تكوين الدولة في ليبيريا وسيراليون عن تللي التي ترى أن الدول بالحرب تزاد قوة وبيروقراطية ومركزية، بل جاء بجديد عن "الدولة الفاشلة" فيهما لم يسبق إليه، فلم يعجز حكام البلدين بناء دولتيهما في قوله، على نحو ما قال تللي عن وهن بل لأنهم وجدوا من حسن السياسة أن يحكموا من خلال شبكات الحاشية من حولهم، والسيطرة على الموارد التجارية لا من طريق مؤسسات الدولة الرسمية، فبنوا ما سماه رينو "دولة الظل" بدلاً من تقوية الوزارات وآليات جمع الضرائب أو البيروقراطية، فكان اعتمادهم على الشبكات غير الرسمية العاملة في تجارة الألماس وعلى رأس المال الأجنبي والزبائنية السياسية، وحصيلة هذه الموارد مما يوزعه الحاكم على أنصاره بصورة انتقائية. وعليه فالحاكم يضعف مؤسسات الدولة الرسمية عمداً لأن البيروقراطية قد تخرج لتحدي سلطانه، وتعرف هذه الدولة التي تجنبت البيروقراطية بـ"حكومة الظل"، وقد تسقط هذه الدولة الظل متى فقدت المدخل للموارد أو الدعم الخارجي، فما نسميه "انهيار الدولة" جزعاً عند رينو هو الحال التي تقع البلد فيها بقبضة لوردات الحرب المتنافسين بعد تهافت شبكات الرعاية والحاشية المركزية التي وصفناها.

لن ترى في خطابنا السياسي كما تقدم من نظر إلى حربنا على ضوء أطروحة تللي على أن الحرب هي معظم ما يعرفه السودانيون عن أنفسهم وما يعرفه غيرهم عنهم، حتى قال عضو بالكونغرس الأميركي في لجنة انعقدت لتدارس الحرب داخل السودان ذات مرة "وهل يحدث شيء في السودان غير الحرب".

فأطروحة تللي من المجهول بالضرورة في علمنا السياسي سوى ورودها في مقالة لغير سوداني هو الدكتور متوكل دقاش عام 2025، ورأى أنها وضعت السودان على عتبة التفكك بخلاف المنتظر من أطروحة تللي عن المتانة التي تضفيها الحرب على الدولة، وخلص متوكل إلى ما خلص إليه من عرض مطروق لخبر السودان في الحرب والدولة والنزاعات التي ذهبت بثلثه، جنوب السودان عام 2011، وقد تذهب بولاية أو ولايتين فيه بعد الحرب القائمة.

ومن أدل الدلائل على هذا الجهل بالضرورة نشوء مدرسة صفوية معززة كـ"صمود" دمغت الحرب القائمة بالعبثية، أو الملعونة بما يفهم من خلوها من الدرس والمغزى. ففي بيان لـ"تقدم" (السادس من ديسمبر/كانون الأول 2024) قالت إنها حرب لإجهاض الثورة وإعادة عقارب الساعة للوراء إلى عهد الإنقاذ البائد. وقالت إن في استمرارها تمزيق للسودان، وأخذها غبن المعارضة لتقول إن الحرب نزعت الشرعية عن حكومة الأمر الواقع للفريق ركن عبدالفتاح البرهان، وما احتاجوا لنزعها ببينة الحرب فهي بلا شرعية عندهم منذ انقلابها على حكومتهم الانتقالية في أكتوبر (تشرين الأول) 2021.

وكذلك يرى سكرتير الحزب الشيوعي مختار الخطيب في الحرب امتداداً لمشروع "إذلال الشعب السوداني وكبح تطلعاته"، عائد إلى انقلاب العسكريين على الثورة كما مر، فهي عنده "فتنة كبرى" و"شر مستطير" والعاقل من نأى عنها لأنها مما قيل عنه "من قاتلكم في النار ومن قاتل معكم في النار"، فكلا الطرفين للنار. وهو مع ذلك ليس على الحياد منها لأنه لم يكف عن إدانة قوات "الدعم السريع" لانتهاكاتها، وحيا القوات المسلحة التي تقوم بدورها في الذود عن حياض الوطن بغير تأخير ورفع لها القبعة، ولكنه لن يعطي قيادتها أي شرعية في مشروع الحرب التي تريد استبدال فضاء السودانيين الثوري بخطة مذلة (الـ28 من مارس/آذار 2025)، فالخلط هنا مانع كثيف دون المواطأة مع تيللي.

وعلى خلاف من "صمود" التي صرفت الحرب كحال عبثية، فرموز من "تأسيس" رأوا فيها سبيلاً للقضاء على دولة 56 واستبدال السودان أفضل منها. فالحرب في قول خالد كودي، من الحركة الشعبية لتحرير السودان (الحلو) تعبير منطقي لانهيار بنية دولة 56 التي فشلت في إدارة التنوع فلجأت إلى آليات خشنة من الضبط القسري وعسكرة المجال العام وتديين السلطة كمصدر للشرعية، فتخطئ "صمود" في رأيه لأنها تريد إنهاءها بإجراءات سياسية وضغوط عالمية، كمن لا يمانع في عودة الدولة القديمة بينما يريد هو قطيعة واعية معها بنية ووظائف وأساطير مؤسسة.

أما رئيس وزراء حكومة "تأسيس" محمد الحسن التعايشي فالحرب عنده ليست عبثية كما توصف، واشتعلت لأسباب جذرية تتمثل في صراع السلطة والنفوذ والموارد والهوية وطبيعة الدولة. وعلى رغم موقفه الشخصي ضد الحرب فهو لا يرى عبثيتها، فلو كانت عبثية بمعنى أن ما خرجت لتحقيقه مما لا يحتاج لحرب "فما الذي يجعل ذلك ممكناً اليوم، بينما لم يكن كذلك خلال السبعة عقود الماضية؟" ومع ذلك فمن رأيه أن انقلاب الفريق البرهان كان عبثياً، لا احتاجت له البلاد ولا هو. وقال للبرهان يومها "وضعت نفسك في مأزق لا أنت ولا البلاد في حاجة إليه" بما يوحي أنه ربما لم تقم الحرب لو "عقل" البرهان. وعرج على "الدعم السريع" الذي لا يراها مجرد منظمة عسكرية "بل كتلة اجتماعية واقتصادية وثقافية" خرجت من سياسات التهميش ورغبت في الدمج في المركز لكن مركز الدولة، الموروثة منذ 56، ليس مصمماً على دمج هذه الكيانات كقوى أصيلة إلا كـ"زواج متعة" ينتهي بعد الخدمة المتعاقد عليها في قوله. ومع أن التعايشي لمح إلى أن الحرب ربما لم تندلع لو رشد البرهان إلا أنه قارب في نهاية كلمته أطروحة تللي، فقال إن الحروب بغض النظر عن آثارها الكارثية ليست كلها سدى لأنها "مثلت في كثير من تجارب المجتمعات نقطة تحول أساس في التطور والتنمية والاستقرار السياسي"، وعرض برنامج دولته الجديدة على أنقاض دولة 56.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أكثر ما تستنكر الصفوة من دولة 56 هو غلبة العنف فيها، وكانت في حاجة للاستئناس بأطروحة تللي ليروا أن الإكراه خصيصة في الدولة، ولا يقول المرء بهذه الخصيصة لكي يزهد الناس في مقاومتها، بل لا يعرف المرء مثل أهل السودان من لاقى عنف الدولة الذي شمر، في عبارة سودانية، عارياً بفدائية ليس أدل عليها من ثورات ثلاث مشهودة. ولكن ألا يروا من الدولة غير عنفها ربما حجب عنهم علماً في الدولة احتاجوا له بعد كل ثورة ولم يوفقوا بعد.

فخرجت أطروحة تللي من علم اجتماع الدولة لماركس وماكس فيبر الذي اقترن فيه تعريف الدولة الحديثة بالعنف حصرياً باختلاف، فقال ماركس إن الدولة هيئة عنف للطبقة التي لها مقاليدها، أما فيبر فقال إنها "مجتمع إنساني يزعم احتكار الاستعمال الشرعي للقوة الفيزيائية (البدنية) في مجتمع معين". وانقطع فيبر بهذا التعريف ممن سبقوه لدراسة الدولة ناظرين إلى غاياتها الأخلاقية. فعالم الاجتماع الإنساني مثله، في قوله، معني بحقائق هذا الاجتماع وحقيقة الدولة في احتكارها للسلاح فيه، فلا تعرف الدولة عنده بغاياتها أي مشروعاتها، بل بالوسائل التي تختص بها من دون سواها، وتتوسل بها للاستخدام القانوني للقوة. ودولة القسط المدنية الديمقراطية الاجتماعية التي يحاكم الهامش وصمود وغيرهم بها الدولة السودانية، مهما سبحنا بحمدها، مشروع سياسي قد تنعقد الدولة الحديثة به أو من دونه، فحقها في احتكار السلاح والعنف من حقائقها وكفى.

وما تبقى للناشط في مقاومة دولة عنيفة كدولة 56 هو أن يدرس الوسائل التي تستخدمها للإكراه، أو ما يطلق عليه فيبر "أشراط السيطرة". وللمعارضين لدول 56 خبرة ثلاث ثورات إلى يومنا أزالوا الديكتاتورية من رأس هرمها ولكنهم في البادي لم يحسنوا دراسة تلك الأشراط للجم هذه الدولة دون القيام بعاتي (قيام الميت شبحاً مرعباً)، أي أنكى وأشر. وعلى من قرر في يومنا أن يزيل دولة 56 بحلها بعد تفاوض وفق إلى إنهاء الحرب كما ترى صمود، أو حربها في عقر دارها والقضاء عليها واستبدالها كما ترى "تأسيس"، لربما احتاج أن يراجع نفسه ملياً إن كان عرف عن "أشراط السيطرة" في الدولة بما يسلم منه في قادم أيامه.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء