Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مجلة "المشرق" تستعيد ذكرى صدورها العام 1898

العدد الـ100 يرسخ ماضيا عريقا وانفتاحا على الآفاق الحديثة

العلامة لويس شيخو مؤسس مجلة "المشرق" عام 1898 (مجلة المشرق)

ملخص

تحتفل مجلة "المشرق" العريقة بصدور عددها الـ100، وهو عدد يوليو (تموز)- ديسمبر (كانون الأول) 2026. ويتضمن هذا العدد على غرار سواه من الأعداد السابقة مقالات فكرية وتاريخية وثقافية. ويُذكر أن "المشرق" هي ثاني أقدم مجلة عربية بعد "الهلال" المصرية وأقدم مجلة محكمة، وأسسها الآباء اليسوعيون في بيروت عام 1898، وعلى رأسهم الأب لويس شيخو اليسوعي (1859- 1927).

تُعد مجلة "المشرق" التي تصدر عن دار نشر اليسوعيين التي تحمل الاسم نفسه "دار المشرق"، من أعرق المجلات الثقافية العربية المحكمة وأقدمها وأكثرها ثباتاً واستمراراً. فهي لم تتوقف طوال مسيرتها سوى خلال فترات الحروب العالمية والحروب المحلية اللبنانية. وعُنيت هذه المجلة منذ تأسيسها بالتراث الفكري المشرقي وبالمخطوطات المحققة أو بتحقيقها متى دعت الحاجة، وبالأبحاث العلمية الموضوعية التي يضعها الأساتذة الجامعيون والأكاديميون والبحاثة اللبنانيون والعرب والمستشرقون.

المؤسس وأهداف التأسيس

يُعرف مؤسس هذه المجلة، الأب لويس شيخو اليسوعي، بحبه للغة العربية وآدابها، فهو أحد أكبر رواد النهضة الثقافية العربية الحديثة وصاحب الكتاب الشهير "مجاني الأدب في حدائق العرب" الذي بقي بأجزائه الستة ومجلدات شروحها الثلاثة الضخمة، يدرس في جميع البلدان العربية، ويعاد طبعه مرات ومرات، أكثر من 100 عام بعد طبعته الأولى.

وإضافة إلى مؤلفاته الكثيرة في الأدب والصرف والنحو، نشر الأب شيخو اليسوعي عدداً من الكتب وحقق المخطوطات وبوّب المؤلفات القديمة وشرحها، لغة وتاريخاً وأدباً. وصرف شيخو جهوداً مضنية في سبيل اقتناء المخطوطات الشرقية النادرة التي أتى بها من مختلف محفوظات العالم وخزائن الأديرة وصولاً إلى الهند، حتى اجتمع له نحو 3 آلاف مخطوط هي كنز "المكتبة الشرقية" التابعة للرهبانية اليسوعية في بيروت والواقعة قرب دار النشر ومكاتب المجلة.

ويُذكر أن الأب لويس شيخو اليسوعي لم يكتفِ بوضع الكتب وتحقيق المخطوطات والتأليف في الفلسفة والملل واللغة العربية والبلاغة وتاريخ الأدب والتراجم والمجاميع وغيرها من المواضيع، بل كرس جهده ووقته وأبحاثه لتناول المؤلفين العرب المسيحيين وإسهاماتهم في الحضارة العربية وتراثها، فوضع مؤلفات كثيرة في هذا المجال وركز أبحاثه في جمع الفكر المسيحي العربي وسير أهله. ودعماً لمشروعه هذا، أصدر في مطلع عام 1898، مجلة "المشرق" التي ينطق عنوانها بمضمون مقالاتها وأهدافها، أي دراسة كل ما يمت إلى الشرق بصلة، وأورد الأب شيخو عن عنوان المجلة في عددها الأول ما يأتي "آثرنا باختياره أن نبين لأهل الوطن أن جل مرغوبنا التحري لكل الأبحاث المتعلقة بالشرق، لئلا يقال إن الغريب أدرى بما في البيت من أهله". (العدد 1، الصفحة الثالثة، الافتتاحية).

خلف الأب لويس شيخو عشرات الكتب ومئات المقالات التي كان ينشر سوادها الأعظم على صفحات "المشرق". وأحصى له الأب كميل حشيمه اليسوعي (1933-2015) في معجمه "المؤلفون العرب المسيحيون من قبل الإسلام إلى آخر القرن العشرين، معجم الأعلام والآثار والمراجع" فهرساً لما كتبه وما كتب عنه، وهو 242 كتاباً أو مقالة مسهبة، و333 مقالة متوسطة الطول و1265 تعريف كتاب و132 تحقيق نصوص و966 نبذة قصيرة في المواضيع شتى، إضافة إلى 21 دراسة حررها بالفرنسية. واللافت أن اليسوعيين يحتفلون هذا العام بمرور 100 عام على وفاة شيخو، وكأنه بمرور 100 سنة على وفاته، تبلغ المجلة التي أسسها الـ100 عدد في الوقت نفسه.

وبحسب سكرتيرة تحرير مجلتي "المشرق" المحكمة والرقمية الدكتورة إيمان ريدان، قدمت المجلة المخطوطات والترجمات والنصوص في العلوم والأدب والشعر خلال مسيرتها، فقاربت مقالاتها الـ7300 مقالة، لكتاب لبنانيين وعرب ومستشرقين، ولا تزال تصدر إلى اليوم، لتكون مع مجلة "الهلال" المصرية (أسست عام 1892)، أقدم مجلة عربية "على قيد الحياة".

ومن يقلّب صفحات مجلة "المشرق" في أعدادها الأولى يلاحظ وجود نصوص فكرية ومقالات فلسفية ومخطوطات نادرة وردود ورسائل ودراسات في التراث العربي المسيحي، مما جعل المجلة منذ أعوام تأسيسها مرآة عصرها وصراعاته وثقافاته ونقاشاته ومكاناً حراً يتبادل فيه المثقفون والبحاثة والمفكرون آراءهم. وعن دور المجلة وأهميتها منذ تأسيسها، يكتب الأب البروفيسور سليم دكاش اليسوعي في افتتاحية العدد المئوي عن المجلة، ويصفها بأنها "مدرسة علمية رائدة في نشر النصوص التراثية وتحقيقها، وفي التعريف بالأدب العربي القديم والحديث، وفي دراسة تاريخ الكنائس الشرقية والفكر العربي والإسلامي".

احتفال بالعدد المئة

وأقيمت السبت 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ندوة في معرض بيروت الدولي للكتاب للاحتفاء بالعدد المئوي لمجلة "المشرق"، شارك فيها كل من رئيس تحرير المجلة الأب البروفيسور سليم دكاش اليسوعي والدكتور جان توما والدكتورة حسن عبود والدكتور طوني قهوجي والدكتور بيار مكرزل، وتناولت المداخلات تاريخ المجلة وتحدياتها ومستقبلها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت هذه الندوة مناسبة لتأدية تحية لمجهود القيمين على المجلة وكتابها على مر السنين، ونوعاً من وقفة تقدير لما قدمته من ثراء فكري وحضاري وثقافي وفلسفي، وتحدثت ريدان التي أدارت الجلسة عن بدايات المجلة، قائلة إن المجلة صدرت في بداياتها مرتين في الشهر، حتى عام 1934، ثم تحولت إلى فصلية لنحو 20 عاماً، وأحياناً مرة كل شهرين تقريباً بين أعوام 1952 و1970، إلى أن تحولت إلى مجلة نصف سنوية بعد عودتها من توقفها الأخير والطويل (1971-1989)، فصارت تصدر مرتين كل عام، مرة في يناير (كانون الثاني) ومرة ثانية في يوليو (تموز).

وتوقف الأب دكاش اليسوعي خلال كلمته في الاحتفال عند "موقع الثقافة ودورها في بناء الإنسان والمجتمع"، وقال في هذا الخصوص "الثقافة توسع أفق الإنسان وتغذي خياله وتصقل حسه النقدي وتمنحه وسائل التعبير عن آلامه وآماله. وهي تساعد المجتمع في فهم أزماته، وفي البحث عن شروط العدالة والسلام فيه. ولذلك نريد للمعرفة التي تنشرها ’المشرق‘ أن تتصل بالحياة، وأن تضيء الأسئلة التي تشغل الناس".

وتناول الاحتفال، من خلال كلمات الأكاديميين والبحاثة الذين تحدثوا عن تاريخ المجلة، مسائل بارزة طالما كانت في قلب اهتمام الآباء اليسوعيين المشرقيين والمستشرقين، من بينها قضايا الهوية والتعددية والديمقراطية والعلاقة بالدولة وبالآخر. وقال الأب دكاش في مسألة الهوية والتعددية "تقودنا الهوية إلى التعددية، بوصفها واقعاً نعيشه ومسؤولية نتحملها. فمجتمعاتنا تضم أدياناً ولغات وذاكرات متنوعة، ويقتضي بناؤها المشترك الاعتراف بكرامة كل إنسان وحقه في الاختلاف والمشاركة. هنا تؤدي الثقافة دوراً أساساً، تعرفنا بالآخر، وتقرب إلينا خبرته، وتساعدنا في مراجعة الصور المسبقة عنه. وبالمعرفة المتبادلة يصبح الحوار أعمق، وتصبح الشراكة أكثر رسوخاً".

مجلة نحو المستقبل

تمتاز مجلة "المشرق" اليوم بأنها تصدر في نسختين، النسخة الورقية الأساسية المحكمة، والنسخة الرقمية المجانية التي يمكن الاطلاع عليها "أونلاين" والتي ليست محكمة ولا تقتصر النصوص الصادرة فيها على المقالات العلمية الموثقة بمصادر ومراجع. وتأتي هذه الخطوة بخلق مجلة رقمية نوعاً من دلالة على قدرة المجلة والقيمين عليها على مماشاة الواقع التكنولوجي السريع ومرافقة القراء المعاصرين الذين لم تعُد النسخ الورقية تشبع نهمهم إلى المعرفة والفكر والثقافة.

تدخل مجلة "المشرق" اليوم مئويتها الثانية، وتستمر تحدياتها وتتغير مع مرور الأعوام وتغير العصور وتقدم التكنولوجيا. فيتحدث الأب دكاش عن هذا الموضوع بكل وعي وعزيمة وحس الواجب، قائلاً "المجلد الـ100 يضع أمامنا واجب التجديد. علينا أن نصون دقة البحث وأن نشجع الباحثين الشباب وأن نوسع وصول المجلة إلى القراء. وعلينا أيضاً أن نواكب التحولات في التعليم والإعلام ووسائل إنتاج المعرفة، وأن نفتح صفحاتنا لأسئلة جديدة. إن الأمانة للمؤسسين تتحقق بمواصلة العمل الذي بدأوه، وبإعطاء الأجيال المقبلة فرصة الإسهام فيه".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة