يوسف الخال ومجلة "شعر"… قضايا في التجربة والريادة

كتاب يضم حوارات صاحب "البئر المهجورة" مع الصحافة العربية

يوسف الخال متوسطا شعراء مجلة "شعر" في الستينيات (مجلة"شعر")

يستعيد الكتاب الصادر حديثاً بعنوان: "صدى الكلمة" ( دار نلسن2019)، أهمّ المحطّات والشواغل لدى الشاعر اللبناني الراحل يوسف الخال (1917-1987)، وهو من إعداد جاك أماتييس السالسي. بداية يمكن القول إنّ الكتاب الذي ينقسم ثلاثة أقسام: الأول وهو كناية عن مقابلات أجراها صحافيون مع الشاعر ونشرت في جرائد ومجلات (ص :17-462)، والقسم الثاني وينطوي على مقابلات مع الشاعر يوسف الخال نشرت في كتب (ص:462-511)، والقسم الثالث خًصّ بالفهارس (513-580) من دون غيرها، ويمكن اعتبار الكتاب مدوّنة بالغة الأهمية لدارسي الشاعر والمعنيين بالبحث في أهمّ القضايا التي انشغل بها الشاعر ومجايلوه والمنضوون تحت لواء مجلّة "شعر". ولربما يصحّ اعتبار الكتاب الذي يُفرد لآراء الشاعر يوسف الخال على أوسع مدى، نوعاً من مرافعة كبرى يردّ بها على الكثير من التّهم والشكوك التي ساورت البعض حيال دور المجلّة وأهدافها ومموّليها، وأهمّ القضايا الفكرية والفلسفية واللغوية والسياسية التي طبعت الحقبة التي تزامنت مع ظهور المجلّة (القضية الفلسطينية، مسألة التراث والدين، واللغة العامية / الفصحى، والأنظمة وصلتها بالحرّية…).

ولكن قبل أن أفصّل الكلام على مضامين الكتاب المهمّة، لا بدّ لي من الإقرار، ويؤازرني في ذلك غالب المشتغلين في النقد الأدبي العربي، بأنّه كان لمجلّة "شعر" اللبنانية دور مؤثّر في نقل الشعر العربي، من حالة الجمود والتقليد والنسخ إلى واقع الحداثة المرتجاة، لغة ومضموناً وتجربة. وهذا قد يصحّ على فئة من الشعراء العرب المنتمين إلى محيط جغرافي واحد، عنيتُ لبنان وسوريا وفلسطين والعراق (يوسف الخال، أنسي الحاج، شوقي أبي شقرا، بدر شاكر السياب، محمود درويش، جبرا إبراهيم جبرا، وآخرون)، وفي مقابلها كان ثمة العديد من المجلات الصادرة في بيروت والتي كانت تنافس مجلة "شعر"، وتتخذ لها منطلقاً فكرياً وسياسياً يخالفان ما لدى الأولى، من مثل مجلة "مواقف" و"الآداب" وغيرهما، وكانت تضمّ إليها كوكبة من الشعراء والكتّاب لا يقلّون قيمة ومكانة وفعلاً أدبياً وثقافياً في جمهورهم وإطارهم الجغرافي (نازك الملائكة، إبراهيم العريض، أمل دنقل، خليل حاوي، نزار قباني، عبد الوهاب البياتي، سميح قاسم ، صلاح عبد الصبور وغيرهم) عن الأوائل، إلاّ أنهم أبدوا حرصاً أكبر على بعض قواعد النظم (شعر التفعيلة، والشعر الحرّ) من زملائهم في مجلة "شعر". بيد أنّ فروقاً كثيرة وتمايزات فكرية وأسلوبية، بل إيديولوجية كانت قائمة بين "شعر" وكلّ من المجلات الأدبية الصادرة في بيروت، العروبية الاتجاه والتقدّمية، وكانت، في الغالب، دواعيَ إلى نصب المجلة (شعر) العداء ورميها بكلّ السهام التي كان يُرمى بها العميل والمنعزل عن محيطه والبرج عاجي والمتنكّر لتراثه ودينه واللائذ بالغرب ولغاته، والسائر بالعربية سيراً معاكساً لنهوضها، ناظمة للأمة وحافظة تراثها الشعري والنثري والديني على نحو ما بلغتنا من قريش، صوب تفتيتها إلى عاميات تحول دون تواصل الناطقين بها بعضهم مع بعض، وتزيد القسمة في ما بينهم، وتوقع  البلبلة في صفوفهم.

وفي السياق ذاته، يمكن اعتبار المقابلات الكثيرة، والتي تعاقب على إجرائها العديدون من الصحافيين والنقّاد الثقافيين (من أمثال: غصن أبوجودة، رشاد بيبي، الياس سحاب، موسى صرداوي، عصام محفوظ، جاد الحاج، أمل جرّاح، أنطوان بارود، منير العكش، أمال ناضر، رياض فاخوري، إبراهيم عبده الخوري، ياسين رفاعية، قاسم هاشم، أحمد حلاوي، جوزيف كيروز، هنري زغيب، عبده وازن، جهاد فاضل، أحمد فرحات، عقل العويط، ربيعة أبي فاضل، جورج طراد، جوزيف عيساوي ودافيد حداد، سحر حجّار، ووديع سعادة وآخرون)، مع الشاعر يوسف الخال ومؤسس مجلّة "شعر" نوعاً من الردود المتأخّرة واستئناف السجال الذي كان قد افتتح بين المجلّة وبين نظيراتها اللبنانية والعربية، منذ أوائل الخمسينيات وحتّى النكستين، السياسية والثقافية، أواخر الستّينيات من القرن العشرين.

شؤون متعددة

وقبل أن أعرض أهمّ المحاور التي تناولتها المقابلات مع الشاعر يوسف الخال، والتي جمعها ونسّقها جاك أماتييس السالسي، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ القضايا التي تطرّق اليها صنفان؛ الصنف الأول لا يُلزم كلّ شعراء مجلّة شعر، من مثل: اعتقاد الشاعر بأنّ العامّية هي مستقبل اللغة العربية الفصحى، وإيمانه بالمسيحية، والنظرة إلى المرأة ودورها التربوي، وغير ذلك. أما الصنف الثاني والمشترك بينه وبين زملائه الشعراء الرواد واللاحقين (أنسي الحاج، شوقي أبي شقرا، فؤاد رفقة، أدونيس، عصام محفوظ، توفيق صايغ، بلند الحيدري، رياض نجيب الريّس، جبرا إبراهيم جبرا، محمد الماغوط، سركون بولص، سميح القاسم، وآخرين) فهي قضايا تتصل بمسألة التراث الشعري القديم، وبلزوم التجديد في الشعر العربي، ولزوم الانفتاح على كلّ الأعمال الشعرية والنثرية الجديدة في العالم الغربي وترجمتها إلى العربية، ولزوم نقل التجربة الشعرية من النطاق المحلّي إلى العالمية، وتعزيز انتماء المواطن إلى أمته العربية من دون إغفال حقّه في حرّية الرأي والفعل، ولزوم مساندة القضية الفلسطينية باعتبارها مستحقّة التضامن معها وما تمثّله لشعب مضطهد ومحتلّة أرضه من قبل عدوّ غاشم.

في الصنف الأول من القضايا التي تطرّق إليها يوسف الخال، كانت العامية (المحكية) التي اعتبرها الشاعر جديرة بالحياة والنماء والتطوّر، متفرّعة من لغة قريش العربية الفصحى. وقد أبدى الخال حيال هذه القضية جملة من الآراء: منها أنّ اللغة العربية الفصحى تعاني قصوراً في التعبير عن الحداثة والمعاصرة في مظاهرهما الكثيرة ومنها الشعر، وقد تكون هذه الفكرة صدى لنظرة بعض فقهاء اللغة من أمثال إبراهيم اليازجي وجرجي زيدان. إلاّ أنّ الشاعر الخال يفترق عنهما إذ يعتبر المحكيات (في المشرق العربي، والمغرب، ومصر، والخليج) هي البديلة عن العربية الفصحى، آخذاً من اللغات ذات الأصل الواحد (اللاتينية) أي الفرنسية والإسبانية والإيطالية والبرتغالية، مثالاً له. والشاعر ههنا، إلى كونه يحسن التمييز بين العامية والمحكية – على الرغم من كونه شاعراً وليس عالم لغة – فقد كان صادقاً في ميله الذي لم يجبر أحداً من شعراء مجلّة شعر على المضيّ فيه، إذ كانت "الولادة الثانية" (1981) الكتاب الذي ترجم هذا الميل. ولئن جاراه أغلب شعراء المجلّة في ما خصّ أزمة اللغة العربية الفصحى وفي وجوب تفجير اللغة من الداخل، فقد رأى كلّ من هؤلاء بخلاف رأيه، ومضى يبتدع أشكالاً شعرية تخرجه من أزمة اللغة (العربية الفصحى) وتجعله يكتشف إمكانات غير مسبوقة، سواء في شعر التفعيلة أو في قصيدة النثر. وكان حديث أيضاً عن ترجمة الشاعر يوسف الخال الإنجيل المقدّس إلى العربية، سعياً منه الى تطوير النثر العربي، وحديث عن افتتاحه صالات لعرض اللوحات بالتوازي مع تشجيعه الفنانين والروائيين وكتّاب المسرح وغيرهم.

ولكن أهمّ ما انطوى عليه الكتاب، برأيي، كانت المقابلات التي تناول فيها الشاعر قضايا خلافية بارزة، من أهمّها التجديد في الشعر العربي الحديث؛ وقد اعتبر أنّ المجلّة ("شعر") أسهمت في قسط كبير بالإضاءة على مواطن الخلل في الشعر العربي، وشجّعت الشعراء العرب على تجاوز الكثير من قواعد النظم التقليدية ودفعت في اتّجاه الابتكار والإبداع، من دون أن تتخلّى عن التراث الشعري البالغ الثراء. ومن أفضال المجلّة بحسب الخال أيضاً، أنها حررت العقل العربي من إسار التخلّف والتقوقع، وفتحت له آفاقاً رحبة، عبر ترجمة الأعمال الشعرية الكبرى من لغات العالم الحديث (الإنكليزية والفرنسية والألمانية) إلى العربية القريبة المتناول. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى الترجمات التي أنجزها الشاعر الخال وسركون بولص وتوفيق الصايغ وفؤاد رفقة وأدونيس وأنسي الحاج وصلاح ستيتية وآخرون لكبار الشعراء في الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والفارسية وغيرها.

تهمة التغريب

وبناء عليه، لا يمكن الشعر العربي أن يكون حديثاً ما لم يكن عقل الشاعر نفسه متحرراً من العقد والأفكار المسبقة والإيديولوجيات التي تقمع حرّية التفكير والتعبير، وما لم تكن ثقافته الشعرية تتجاوز حدود معارفه الشائعة والتقليدية والمحلّية في ما خصّ الشعراء وأغراضهم الشعرية وموضوعاتهم المحدودة وقواعد نظمهم وصورهم البيانية المنمّطة التي لا يمكن خرقها أو المساس بها. وليس خيراً من ترجمات الشعر العالمي إلى العربية في نقل القارئ والشاعر الدّرِب من حال المحدودية إلى حال الاستعداد الثقافي للإبداع والتجديد.

ولعلّ هذا ما كان موضع خلاف بل اتّهام من قبل البعض المجلّة "بإيثار الفكر الأجنبي" على حدّ ما نُقل عن الشاعر عبد الوهّاب البياتي، وكان الردّ بأنّه لولا الثقافة الأجنبية التي اطّلع عليها شعراء "شعر" وقرّاؤها، ولولا استخلاصهم منها بأنّ الحداثة ليست وقفاً على التحرّر من الوزن والقافية والعمود الشعري القديم، وإنما هي حداثة تقوم على أساس راسخ هو المضمون والفكر، لظلّوا قابعين على أبواب الحداثة من دون عالمها الرحيب.

 كذلك فقد ردّ الخال على المدّعين بأنّ المجلّة (شعر) وشعراءها يخاصمان السياسة والعروبة والقضايا القومية، وينأيان بالشعر عن وظيفته التحريضية والدعائية الأولى التي كانت له في ما مضى، بأنّ المجلّة وما دأبت عليه في طيات أعدادها، على امتداد ثماني سنوات (1957-1965) أعادت للشعر مكانته ووظيفته الجوهريتين، عنيتُ بهما التعبير عن الذات المفردة والمفكّرة والمعانية في الوجود، واستثمار اللغة على خير ما تتيحه جمالياتها لإخراج نص شعري فريد. وأنّ إبعاد السياسة عن المجلّة أتاح لها التركيز على "الطرافة والإبداع "(شعر1968) في ما يكتبه شعراؤها وروائيوها، حتى بات "الالتزام" – وهو مصطلح مستعار من فكر جان بول سارتر الاشتراكي الذي لطالما اتّهم العربُ من أتباعه المجلّة وناسها بالتنكّر لها- معادلاً "الأصالة الفنية" النابعة من حرية الشاعر وعقله المنفتح وإرادته الناجزة...

كتاب "صدى الكلمة" الذي يضمّ أغلب المقابلات مع يوسف عبد الله الخال، هو أكثر من مرجع، إنه إحدى المدوّنات الكبرى التي يندر أن تختصّ بأديب فرد، وتتيح درسه بأوفى السبل وأوثق الكلام. فما على القراء سوى الإفادة والتبصّر.

 

المزيد من ثقافة