ملخص
تتسع دائرة الفقر بالسودان في سياق الحرب المستمرة، إذ لا تزال صفوف المواطنين أمام المطابخ الخيرية، والبحث عن أماكن إعداد الطعام (التكايا) تفسر الوضع المعيشي المأزوم في العاصمة الخرطوم ومناطق النزوح، بخاصة في دارفور وجنوب كردفان.
يشهد السودان توسعاً حاداً وغير مسبوق في دائرة الفقر متعدد الأبعاد جراء تداعيات النزاع المستمر بين الجيش وقوات "الدعم السريع" ثلاثة أعوام ونصف عام، إذ تظهر البيانات والمسوح الإحصائية الرسمية والأممية لعام 2026 أن نسبة الفقر بلغت نحو 82.8 في المئة من السكان. هذا التدهور لا يقتصر على نقص الدخل، بل يمتد ليشمل الحرمان من الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والأمن الغذائي والمياه الصالحة للشرب.
وفقد معظم السودانيين وظائفهم وأعمالهم التجارية وتدهور سبل كسب عيشهم في الريف والحضر بسبب هذه الحرب، مما جعلهم يعتمدون على تحويلات المغتربين والمساعدات الإنسانية، في حين تآكلت قدرتهم على الصمود في مواجهة تدهور الاقتصاد، إذ اضطر عدد من الأسر تبني آليات تكيف سلبية شملت تقليل عدد الوجبات، واستهلاك أغذية أقل جودة، إضافة إلى بيع الأصول، وعمالة الأطفال، وتزويج القاصرات.
ولمواجهة هذا الخطر الماثل تخطط الحكومة لتفعيل مظلة الحماية الاجتماعية بالتركيز على التمكين الاقتصادي المستدام، وتوفير الخدمات الأساسية للفئات الأكثر هشاشة.
تمكين اقتصادي
في السياق، قال معتصم أحمد صالح وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية إن السودان بصدد تحويل الحماية الاجتماعية إلى أداة للحد من الفقر، كاشفاً عن خطة لتوفير 22 ألف مشروع صغير لاستدامة مصادر دخل الأسر.
وأوضحت الوزارة خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أن نسبة الفقر ارتفعت من 21 في المئة إلى 71 في المئة بسبب الحرب، بينما يعيش نحو 24 مليون شخص تحت الفقر الذي حدده البنك الدولي عند ثلاثة دولارات للفرد يومياً، قبل أن تزداد إلى 73 في المئة بحلول يونيو (حزيران) الماضي، بحسب إحصاءات رسمية.
وأعلن صالح شراكة بين مفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر وديوان الزكاة وبنك الادخار، تستهدف توفير مصادر دخل مستقرة لعدد من المواطنين في 11 ولاية.
وأشار إلى أن الحرب ضاعفت معدلات الفقر والهشاشة نتيجة النزوح وفقدان مصادر الدخل وتعطل الأنشطة الاقتصادية والخدمات، داعياً إلى الانتقال من المساعدات إلى التمكين الاقتصادي، وبناء منظومة متكاملة الحماية الاجتماعية.
وأفاد وزير الموارد البشرية بأن مواجهة الفقر في السودان تتجاوز تحسين المؤشرات الاقتصادية إلى استعادة سبل العيش وتمكين المواطن من العمل والإنتاج والاعتماد على الذات.
وضع مأزوم
يقول المتطوع في مجال العمل الإنساني أحمد عبدالرحمن إن "الفقر في السودان تتسع دائرته في سياق الحرب المستمرة بين الجيش و’الدعم السريع‘، إذ لا تزال صفوف المواطنين أمام المطابخ الخيرية، والبحث عن أماكن إعداد الطعام (التكايا) تفسر الوضع المعيشي المأزوم في العاصمة الخرطوم ومناطق النزوح، بخاصة في دارفور وجنوب كردفان، والمناطق التي فقد فيها المواطن الأمان وواجه نقص الغذاء بصورة حادة، بينما أصبح محاصر بين الجوع والحرب والغلاء الفاحش الذي جعل كثيرين عاجزين عن توفير قوت يومهم".
وأضاف عبدالرحمن "ما يحدث للمواطنين الآن يفوق أزمة الفقر، وعلى رغم ذلك هم في حال صمود من أجل البقاء، لا سيما أن هناك ضحايا نتيجة الجوع بعد إصابتهم بالأمراض خصوصاً سوء التغذية".
وزاد "هناك مبادرات مجتمعية تعمل لتغطية حاجات الشرائح الضعيفة، لكنها تظل محدودة لجهة عدم توفير الدعم المالي الكافي، إذ إن كل ما يبذل من مجهودات يكون بواسطة التكافل الشعبي".
وخلص المتطوع في مجال العمل الإنساني إلى القول "في تقديري أن القضاء على الفقر يتطلب أولاً صون كرامة الإنسان وتوسيع شبكات الأمان وتوفير فرص عمل، فضلاً عن إشراك المواطنين في التخطيط لضمان حياة مستقرة للسكان في مختلف الولايات".
حديث فضفاض
من جانبه، يقول الزين خضر الباحث في قضايا المجتمعات إن "الحديث عن الخطط التي تضعها الحكومة لدرء الفقر يعد فضفافاً في ظل الواقع الحالي، ولا يتناسب مع التحديات الكارثية التي تواجه البلاد، مما أسهم في شلل اقتصادي، فمكافحة الفقر تجري بالعمل الحقيقي من خلال مواجهة المتغيرات التي حدثت بسبب الحرب من دمار للبنية التحتية، وأدوات الإنتاج والقاعدة الاقتصادية في السودان".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأردف خضر "الحديث عن إعلان خطط لمجابهة الفقر من دون آليات عمل أو خطط تمويل واضحة أو برامج إسعافية تتماشى مع حجم الكارثة أقرب إلى التخدير من كونها خطة قابلة للتمكين في ظل هذا الواقع المرير، لا سيما أن ملايين السودانيين لا يزالون تحت وطأة النزوح داخلياً وخارجياً نتيجة الصراع الذي تسبب في اقتلاع الأسر من منازلها بالتهجير القسري، إلى جانب فقدان الممتلكات والمدخرات، وعجزهم عن تأمين وجبة واحدة في اليوم تسد الرمق خصوصاً النازحين الذين باتت مساكنهم خيام متهالكة في معسكرات الإيواء، واعتمادهم على التكافل الاجتماعي، وترقبهم قوافل المساعدات الإنسانية".
وأشار الباحث في قضايا المجتمعات إلى أن "الخطط في ظل الحرب المشتعلة لا تعد حلولاً ناجعة، فالنزوح أكبر مصنع للفقر، إذ باتوا في حاجة إلى العودة الآمنة لمناطقهم مع توفير الأمان والخدمات الأساسية وفرص العمل، وفي نظري ما لم تذلل هذه العقبات تظلل الخطط استخفاف بمعاناة ملايين المشردين سواء داخل البلاد أم خارجها".
استعادة الإنتاج
المحلل الاقتصادي الفاتح عثمان أوضح أن "الحرب ألقت بظلالها السلبية على المواطنين من خلال التدمير الواسع الذي طاول سبل كسب العيش، لا سيما في ولاية الخرطوم التي تشكل المركز الاقتصادي والحيوي للبلاد، في حين كانت تشهد بقية الولايات ما عدا دارفور وغرب وجنوب كردفان تعافياً اقتصادياً قبل تصاعد مؤشرات التضخم".
وتابع عثمان أن "معدلات الفقر تظل مرتفعة، إذ إن الكتلة الحرجة من المواطنين تتركز بصورة أساسية في ولايتي الخرطوم ودارفور، إضافة إلى جنوب كردفان، علاوة على معسكرات النازحين".
وبين أن "ظاهرة الفقر تتفاقم بسبب ضعف هيكل المرتبات في القطاع العام في ظل مساع ومعالجات حكومية متدرجة تهدف إلى رفع سقف الأجور، وهو ما ينعكس إيجابياً على تحسين معيشة شريحة واسعة من العاملين بالدولة".
ولفت إلى أن "إيقاف الحرب يظل الشرط الأساس لتطبيق الاستقرار، وتنشيط القطاع الخاص، وجذب مستثمرين، لا سيما أن المنطق الاقتصادي الجاف يجزم باستحالة التعافي ما لم تنه أطراف الحرب هذا النزاع".
ومضى المحلل الاقتصادي قائلاً "في تقديري أن مكافحة الفقر في السودان ليست معركة دعم موقت، بل هي معركة إحياء ماكينات الإنتاج المعطلة".