Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أرياف التطرف ومدينة الشرع... أيهما يفرض مبادئه؟

يتفق محللون سياسيون على أن فصائل كثيرة ترفض التحول الذي يقوده الرئيس السوري من الإرهاب إلى الدولة

لم يكن إسقاط النظام خاتمة الفكر القديم، ولا وصول السلطة الجديدة إيذاناً بعهد جديد من السيطرة على التطرف (أ ف ب)

ملخص

على رغم الوجود اللافت والمتنامي لتنظيم "داعش" في سوريا، وبخاصة في البادية السورية المترامية الأطراف وشرق البلاد، فإن ذلك لا يجعله محوراً أساساً يجتذب الاهتمام التام في ظل وجود تيارات فكرية متطرفة أخرى تتبع سياقات وتصورات متعددة وتختلف في مرجعياتها الفكرية والسياسية عن سلطة دمشق.

تشير تقديرات محلية وغربية إلى أن سوريا، على رغم مضي عامين على سقوط نظام بشار الأسد، ما زالت تحوي جماعات تكفيرية كبرت أم صغرت، لكنها تلتقي في الهدف القريب أو البعيد الذي يتجاوز حدود الدولة نفسها، والأمر هنا لا ينطبق على الغرباء والأجانب فقط، بل على تشكيلات ومراكز نفوذ وميليشيات محلية أيضاً، وبذلك لم يكن إسقاط النظام خاتمة الفكر القديم، ولا وصول السلطة الجديدة إيذاناً بعهد جديد من السيطرة على التفكير الأيديولوجي، ويتضح ذلك من مواقف وصدامات كثيرة حصلت خلال العامين الماضيين.

يتفق محللون سياسيون على أن فصائل كثيرة ترفض التحول الذي يقوده الشرع من الجهاد إلى الدولة، ويعبر عن ذلك الباحث السياسي معتز ميلاد بقوله "في هذا الإطار تبرز الأرياف والمناطق النائية والمفتوحة أكثر تأثيراً من المدن على السلطة السورية، ففي هذه المناطق يمكن لهذه الجماعات الاستمرار وإعادة التنظيم والهيكلة، والسبب في ذلك لا يعود لما يمكن أن نقول إنه حال تطرفية جماعية بقدر ما هي بيئة خصبة مساعدة من الامتداد العشائري والفكري وصعوبة فرض الرقابتين الأمنية والعسكرية ومعهما الإدارة بوصفها الأدق".

وتابع "اليوم أرياف معتبرة في حمص وحماه وإدلب وشرق اللاذقية تحتضن بؤراً تكفير واضحة، وهذه البؤر بمن فيها وما خاضته خلال الحرب تسعى إلى إعادة فرض النفوذ والتكتل والسيطرة المحلية، والمقلق هنا ليس وجودها المادي، بل السؤال عن قدرة الدولة على القضاء على بيئتها التنظيمية القادرة دائماً على إيجاد تجمعات تكفيرية جديدة تجند عناصر جديدة في وجه مشروع دمشق المتجدد سياسياً وفكرياً".

"داعش" وغيره

على رغم الوجود اللافت والمتنامي لتنظيم "داعش" في سوريا، وبخاصة في البادية السورية المترامية الأطراف وشرق البلاد، فإن ذلك لا يجعله محوراً أساساً يجتذب الاهتمام التام في ظل وجود تيارات فكرية متطرفة أخرى تتبع سياقات وتصورات متعددة وتختلف في مرجعياتها الفكرية والسياسية عن سلطة دمشق.

وعلى جانب آخر يبرز بقوة حضور تنظيم "حراس الدين" المتفرع من تنظيم "القاعدة"، الذي أعلن حل نفسه عام 2025، لكن خلال العام الحالي بينت فرق مراقبة العقوبات في الأمم المتحدة أن ذلك الحل كان شكلياً، وأن التنظيم لا يزال يحتفظ بنحو ألف مقاتل مدرب ومجهز من خلال هيكلة سرية دقيقة تنتهج أسلوب الإدارة اللامركزية، وقد نفذت القوات الأميركية وقوات التحالف استهدافات متعددة ضد قادة ومقاتلين في التنظيم خلال العامين الماضيين، آخرها قبل بضعة أيام على طريق حمص - دمشق، ويشير مهتمون إلى أن "حراس الدين" تنظيم لا يقل خطراً عن أي تنظيم معروف آخر ويتخذ من ريف إدلب موطناً رئيساً.

 

المتخصص في شؤون الجماعات الإرهابية ناصر سلام، يقول "لا يجب النظر إلى ما هو متداول إعلامياً أكثر بحكم سنين العمل الميداني – الإرهابي، فهناك أيضاً عشرات الفصائل والتجمعات الأخرى عدا عن آلاف الأفراد غير المنظمين، هناك مثلاً ’أنصار الإسلام‘، وقد اعتقلت السلطة أعداداً منهم في إدلب العام الماضي، وكان في نيتهم التحضير لانقلاب ضد السلطة بحسب المعلومات، ويجب ذكر ’فرقة الغرباء‘ الفرنسية، ومقاتلي الأوزبك والإيغور وعشرات الجنسيات الأخرى، وطبعاً الحزب الإسلامي التركستاني، وهؤلاء كلهم قد يتفقون أو يختلفون، وبالضرورة ليسوا امتداداً لـ’داعش‘، على رغم أن منهم من يرتبط بالتنظيم المتطرف كـ’أنصار السنة‘، ومنهم من يرتبط بـ’القاعدة‘، وآخرون أصحاب أفكار ونظريات الجهاد القريب والبعيد، والأخطر أن قسماً منهم بات اليوم في صفوف وزارتي الداخلية والدفاع وهنا مكمن المشكلة، وما يزيدها تعقيداً غياب إستراتيجية الدولة لكيفية تفكيك التيار التكفيري المتشعب".

بيئة الأرياف

كثيراً ما وصف منظرون في علوم السياسة والفلسفة والاجتماع ما يحصل في سوريا تاريخياً بأنه ثورة أرياف على مدن، سواء في الستينيات أو السبعينيات أو الثمانينيات، وصولاً إلى الحرب الأخيرة عام 2011، وابن خلدون نفسه ذكر في مقدمته الشهيرة أن الدولة تتآكل من الأطراف، ويمكن هنا اعتبار الأطراف هي القرى والأرياف التي تحيط بالمدن بوصفها مركز الثقل في مكانها، وتلك الأرياف وحتى إبان الثورة السورية ضد الفرنسيين في القرن الماضي كانت أفضل أماكن التحصين والإيواء والاختفاء والتجمع، وهو ما يجعلها اليوم أيضاً أفضل أماكن إحياء الفصائل القديمة أو بناء الجديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يرى أستاذ علم الاجتماع زياد حسن أن "بعض الأرياف السورية تاريخياً لم تصل إليها خدمات الحداثة والتطوير والعلم، مما جعلها عرضة للافتكاك والانقياد خلف مشاريع تجهيلية كان أبرزها قدرة "داعش" في 2014 على السيطرة على 70 في المئة من سوريا وتطويع أعداد لا يوجد حصر رسمي لها من سكان تلك المناطق، المال في مقابل الولاء، تلك معادلة لا تسقط، وفي سنوات الحرب السورية كانت بيئة الأرياف موطناً مهماً لهؤلاء المقاتلين على اختلاف مشاربهم، وعملوا فيها بالسلاح والقتال والتهريب وأصبحوا جزءاً مستمراً من بنية السكان، بل طبعوا جزءاً من السكان بتفكيرهم، ونرى ذلك اليوم عبر خطابات التكفير في المنابر ومواقع التواصل الاجتماعي".

وأضاف "الخلاصة، نعم كثير من الأرياف السورية حاضنة لخلايا التطرف، شمال حمص وشرق حلب وبعض ريف دمشق وريف درعا وشرق حلب حكماً وكثير من مناطق الجزيرة شمال شرقي سوريا والبادية، ومن وجهة نظري فإن الشرع غير راض عن ذلك، لكن تفكيك تلك الخلايا يحتاج إلى عمل يطول ويطول، وفي خضم هذا العمل تثبت وزارة الداخلية، وهي المنوطة بالأمر ومعها جهاز الاستخبارات، يوماً بعد يوم فشلاً ذريعاً، هناك عوامل أقوى من السلطة تسمح لهذه الخلايا المتطرفة بالاستمرار".

الإرث المستمر

خلال سنوات حكم الأسد وما بعد عام 2018 ومساري أستانا وسوتشي انقسمت البلاد فعلياً، معظم حواضر سوريا تحت سيطرة الأسد، البادية ليلاً لخلايا "داعش" ونهاراً لجيشه، إدلب وريفها لـ"هيئة تحرير الشام" التي حكمت سوريا لاحقاً، وخلال حكمها إدلب أنشأت منظومة حكم كاملة في الجوانب الأمنية والعسكرية والإدارية والجامعية والتعليمية والقضائية والإغاثية، وعبر تلك السنوات ظلت تتغير التحالفات داخل المنطقة بين الهيئة وبقية الفصائل، لكن الجمع العام أنتج جيلاً كبيراً من المنظرين والشرعيين والذاكرة المحمولة على السلاح.

يقول الأكاديمي في العلوم السياسية زاهر حمدان "الهيئة كانت ركيزة التيار السلفي المتطرف، وقد ولدت من رحم ’داعش‘ فـ’القاعدة‘ قبل أن تنسلخ عنهما وتتخلى تدريجاً عن تشددها شكلياً، وتنحو باتجاه البراغماتية التي أوصلتها إلى السلطة ضمن انتقال سياسي واسع، لكن الانتقال حمل الهيئة كمشروع ولم يحمل أفرادها بالضرورة، تغيير الاسم لا يعني تغيير العقلية المتطرفة الطويلة، اليوم إلى أين تسبى الفتيات، من يقتل الناس بين القرى، من يقتلهم في الطرقات، من يستقوي على الضعفاء ويدمر الأقليات؟ علينا أن نجيب عن هذه الأسئلة بالترتيب لنعرف وضع أريافنا، ولنبدأ فقط بأول ثلاثة أسئلة، كل ذلك يحصل في القرى التي تغض الطرف موافقة، ومن هنا نستنتج ما كنا نتحدث عنه".

 

لا يشبه أحمد الشرع كشخص ولا "هيئة تحرير الشام" معه التجربة الأفغانية على سبيل المثال، على رغم أوجه التقارب الكثيرة، فالهيئة في سوريا كما يراها سياسيون دوليون تصرفت بحنكة مؤسساتية عالية على مدار عقد ونصف من الحرب، وعرفت مرة كيف تخرج من ثوب "داعش"، ومرة كيف تخرج من ثوب "القاعدة"، وفي المرة الثالثة كيف تقدم نفسها كمؤسسة قادرة على إدارة بلاد خارجة من أعنف العقود، بل وتخوض معارك قتالية وفكرية مع جماعات متطرفة كانت حليفة الأمس، ورفضت تحول اليوم.

يوضح المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية هادي خياط أن "الشرع ابن المؤسسة الإرهابية السلفية لأكثر من 20 عاماً، ويدرك بنيتها وشبكاتها وأسرارها وشخوصها، وهو ما وضعه أمام موقف معقد للغاية خلال الانتقال إلى الصورة الحالية في تصور حدود الدولة وشكلها، وعلاقتها مع داخلها ومحيطها والعالم، وفي موقفه مع الأجانب والإرهاب عامة، وهذا مبرر الاضطراب القهري الذي تعيشه المرحلة الانتقالية في سوريا، الشرع بين نار الانتقال السياسي الفكري ونار نزع الحصانة عن مجموعات إرهابية كانت طوع يمينه في تحقيق أهدافه قبل السقوط وبعده، ويزيد الأمر تعقيداً أن التخلص من الأمس لا يكون سريعاً، فمعيار الانتماء والولاء هما حماة الشرع الآن، لا القانون والقيادة الوطنية، ومن أجل ذلك تكفي نظرة سريعة على الوزراء والمسؤولين والأمنيين وغيرهم".

الملاحقة أم الاحتواء؟

في عام 2025 وافق دونالد ترمب وواشنطن ودول أخرى على مشروع الشرع بدمج مقاتلين أجانب في الجيش السوري، وتأسيس فرقة خاصة بهم، وهو ما أثار سخط الصين، نظراً إلى حساسيتها تجاه المقاتلين الإيغور، والآن يجري الحديث عن إرسال بضعة منهم للقتال في اليمن، وشهد العام الحالي والماضي مواجهات بين السلطة ومجموعات متطرفة في أكثر من موقعة، غالبها في أرياف إدلب.

وتنطلق وجهة نظر السلطة الحالية من أن ضم المتطرفين إلى مؤسساتها الرسمية يشكل صمام أمان عوضاً عن تركهم خارجها، مما قد يزيد في تعنتهم ويجعلهم عرضة لاستقطابات أكثر تطرفاً، وهو ما يرفضه أستاذ علم السياسة المقارن أحمد راشد بقوله "الدمج لا يعني تفكيك الولاء بل نقله إلى داخل المؤسسة العسكرية، بالتالي التأثير في مقاتلين آخرين طبيعيين، هذا الأمر كمن يلعب بالنار، فالدمج مشكلة وليس حلاً، والمعيار اليوم هو مدى خضوع الفصائل الفعلي تحت إمرة قيادة مركزية واحدة بعيداً من تمويلات وصلات وأفكار تضر الدولة".

من الأطراف

منذ أيام تتعرض معلمة تربية دينية في إحدى المدارس الابتدائية بمدينة حمص لحملة شعواء على وسائل التواصل الاجتماعي تصل إلى التهديد بالقتل لأنها غير محجبة ولا ترتدي النقاب، يبدو هذا حدثاً عادياً في السياق السوري، وفي مدرسة أخرى وفق فيديو متداول تهدد معلمة ثانية طالبات صغار بدخول النار لأنهن "سافرات"، أي لا يغطين الرأس، ومن هذين المثالين يتضح أن خطورة التيار السلفي المتطرف في سوريا ليست في تكتله، بل في توافقه وقدرته على إعادة تنظيم نفسه سريعاً في مجموعات صغيرة يمكنها تنفيذ عمليات تحدث ضجة كبيرة كحادثة استهداف باص مبيت المهندسين الشهر الماضي في جوار حمص، حيث قضى سبعة موظفين بنيران مسلحين مجهولين على أسس طائفية، وهذه الحادثة بالتحديد على ما أحدثته من أثر تقود إلى موطن باتت تتجمع فيه خلايا تكفيرية أكثر مما كان متوقعاً له، سهل الحولة.

عملت "اندبندنت عربية" على جمع شهادات كثيرة اتسمت بالتوافق في مناطق متقاربة، ومن أكثر من قرية وشريحة سكانية ومكون سوري حول إحدى المناطق بين حمص ومدينة مصياف في ريف حماة، وحول منطقة سهل الحولة التي تضم نحو سبع قرى من أصول تركمانية، خلال الحرب كانت خارج سلطة بشار، قصفت جوارها وتعرضت لقصف النظام بطبيعة الحال، واليوم يديرها شيخ وأمنيون ومئات المسلحين الذين ينفذون "غزوات" ضد مزارعين في قرى مجاورة فيردونهم قتلى، يستبيحون منازلهم وأرزاقهم، وكذلك سجلت المنطقة هناك عمليات سبي، وداخلها الآن تجمعات محلية تعمل لصالحها بعيداً من نهج المؤسسة الرسمية السورية، وفق منطق تكفيري بحسب شهادات السكان.

يرى المتخصص الأمني ظافر ياسين أن "الخطورة اليوم ليست فقط ’داعش‘ وسط سوريا وشرقها، بل خلايا التطرف في الأرياف السورية، والأجانب بالضرورة، وهؤلاء كلهم لا يمكن أن يتبنوا المشروع الوطني للدولة القائمة على رغم نجاحها في نقل الثقل العام إلى العاصمة دمشق، لكن الاختبار الصعب هو في السيطرة التامة على الأرياف والقرى والطرق الحيوية، وما يزيد الخطورة أيضاً أن كثيراً من عناصر المؤسسات الرسمية غير منضبطون، وقد سجلت حالات قتل كثيرة بلا مبرر على الحواجز، والسؤال الآن هو ليس حول ما إذا كان الشرع قد خلع ثوب التطرف تماماً، بل إن كان سيستطيع استيعاب حلفائه ومنع قيام دولة ظل موازية أو إعادة إنتاج أي تيار تكفيري مؤثر؟".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير