ملخص
قبيل يوم واحد من الانتخابات بدا لبوتومز أن الفرصة سانحة لخلافة الحاكم الجمهوري برايان كيمب، الذي منعه القانون من الترشح، فيما يتسلح منافسها رجل الأعمال الجمهوري ريك جاكسون بالمال، فخاطبت الناخبين قائلة "ما نفعله في هذه اللحظة سيتردد صداه عبر التاريخ"، وأضافت "دعونا نختار الأمل بدلاً من الخوف، والتقدم بدلاً من الانقسام، ولنتكاتف معاً لبناء جورجيا أفضل للجميع".
على أبواب التاريخ السياسي الأميركي التي كانت موصدة أمام ذوي الأصول الأفريقية حتى وقت ليس بالبعيد، وقفت الديمقراطية كيشا لانس بوتومز لتكتب تاريخاً جديداً في الولايات المتحدة، بعدما أصبحت أول امرأة من ذوي البشرة السمراء تنتخب حاكمة لإحدى الولايات الأميركية، إثر تغلبها على رجل الأعمال الجمهوري ريك جاكسون، لتصبح أيضاً أول امرأة تتولى منصب حاكم ولاية جورجيا، وفق ما أعلنته لجان الانتخابات الأميركية لسباق التجديد النصفي اليوم الأربعاء.
لم يكن فوز كيشا لانس بوتومز التي تنحدر من أصول أفريقية بولاية جورجيا سوى فصل جديد من كسر سلاسل العنصرية التي دائماً ما كبلت باب حكام الولايات، ولا سيما هذه الولاية التي كانت جزءاً أساساً من تاريخ العبودية في الولايات المتحدة، فمنذ تأسيسها في ثلاثينيات القرن الـ18 حظرت مستعمرة جورجيا العبودية، إذ اعتمد المؤسسون على العمالة الفقيرة من بريطانيا والمخاوف الأمنية من الهجمات أو هرب العبيد نحو فلوريدا الإسبانية آنذاك.
وتحت ضغط ملاك الأراضي لتوفير العمالة اللازمة لمزارع الرز والمستوطنات، رفعت سلطات الولاية الحظر عام 1751، وبدأت تجارة الرقيق الأفريقية في النمو بسرعة، وبعد تحولها إلى مستعمرة ملكية في ستينيات القرن الـ18، بدأت جورجيا في استيراد العبيد مباشرة من القارة الأفريقية.
تاريخ من العبودية
أصبحت جورجيا لاحقاً واحدة من كبريات الولايات الأميركية التي يعتمد اقتصادها بصورة هائلة على عمل العبيد في مزارع القطن والتبغ، وكانت مسرحاً لكثير من معارك الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865) التي بنهايتها ألغيت العبودية، إلا أن الولاية عاشت حقبة طويلة من قوانين الفصل العنصري في أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20، ممثلة في حرمان الأميركيين من أصل أفريقي من حق التصويت وتصاعد أعمال العنف ضدهم.
بعد مرور قرن من الزمان، ولدت بوتومز في أتلانتا بولاية جورجيا، لأم تدعى سيلفيا روبنسون وأب يدعى ميجر لانس وهو مغني "سول" من شيكاغو، اشتهر بعدة أغان ناجحة في ستينيات القرن الـ20، وسبق له أن شارك في عروض افتتاحية لحفلات فرقة "البيتلز".
الديمقراطية بوتومز تمتد جذورها إلى العبيد وتحديداً الأشخاص المستعبدين (أجداد جدتها) من ذوي الأصول الأفريقية الذين تم استيرادهم في القرن الـ18، وتذكر تقارير أن تاريخها العائلي يعود إلى خمسة أجيال سابقة، وصولاً إلى شيبرد بيك وهو رجل تحرر من العبودية في مزرعة قرب كروفوردفيل، ويرجح أنه كان عضواً في الهيئة التشريعية لولاية جورجيا خلال فترة إعادة الإعمار.
بوتومز لا تنكر أبداً أصولها لا تخجل منها، فعقب تنصيبها رئيسة لبلدية أتلانتا في 2018 ألقت خطاباً استعانت فيه بكلمات من قصيدة شهيرة للكاتبة أمايا أنجيلو، قالت فيه "أقف هنا بعد ظهر هذا اليوم حاملة آمال العبد"، وها هي تعود مجدداً إلى مسارح التنصيب عقب فوزها بحكم ولاية جورجيا.
وفي تصريحات سابقة قالت بوتومز لمجلة "فوغ" "لقد اطلعت على سجل العبيد، كانت قيمته مقدرة بـ1500 دولار، كثيراً ما فكرت فيه كثيراً، وفي مشاعر الغضب والألم والإذلال، وكل ما ينطوي عليه كونه مستعبداً، وكيف استطاع تنحية كل ذلك جانباً والمضي قدماً؟ لا بد من أنه كان يؤمن بأن الغد يحمل ما هو أفضل، وأن هناك مستقبلاً أكثر إشراقاً لأحفاد أحفاده".
كلمات مؤثرة
تؤمن الحاكمة الديمقراطية بأن صناديق الاقتراع هي أفضل الطرق للتغيير في المجتمع وتحقيق العدالة بين الجميع، فعقب التظاهرات التي تلت مقتل جورج فلويد عام 2020 (صاحب البشرة السوداء) على أيدي عناصر الشرطة الأميركية، وكانت تتولى آنذاك منصب عمدة مدينة أتلانتا (2018–2022)، وقفت وسط الاحتجاجات منددة بمقتله وألقت خطاباً مؤثراً ومباشراً عبرت فيه عن تعاطفها مع ألم وغضب المحتجين.
على رغم أن جورج فلويد قتل في ولاية مينيسوتا، فإن مقتله أثار غضب ذوي البشرة السوداء في جورجيا، فخاطبتهم بوتومز "حين تحرقون هذه المدينة، فإنكم تحرقون مجتمعنا، إذا كنتم تنشدون التغيير في أميركا، فاذهبوا وسجلوا أسماءكم في قوائم الناخبين، توجهوا إلى صناديق الاقتراع، هذا هو التغيير الذي نحتاج إليه في هذا البلد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
انضمت بوتومز إلى جمعية "دلتا سيغما ثيتا" النسائية، وهي واحدة من أوائل الجمعيات النسائية في البلاد التي أسست من أجل النساء الأميركيات من أصول أفريقية، وخلال الانتخابات الرئاسية التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 نظمت لقاء لأعضاء الجمعية مع المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس.
يعد فوز كيشا لانس بوتومز منجزاً سياسياً للحزب الديمقراطي، إذ حسمت المنصب الأرفع في ولاية محورية تعد من الولايات المتأرجحة، ونجحت في التغلب على فجوة هائلة للإنفاق الانتخابي، إذ أنفق منافسها الملياردير ريك جاكسون أكثر من 200 مليون دولار من ثروته الخاصة، وفق تقارير إعلامية أميركية.
وقبيل يوم واحد من الانتخابات بدا لبوتومز أن الفرصة سانحة لخلافة الحاكم الجمهوري برايان كيمب، الذي منعه القانون من الترشح، فيما يتسلح منافسها جاكسون بالمال، فخاطبت الناخبين قائلة "ما نفعله في هذه اللحظة سيتردد صداه عبر التاريخ"، وأضافت "دعونا نختار الأمل بدلاً من الخوف، والتقدم بدلاً من الانقسام، ولنتكاتف معاً لبناء جورجيا أفضل للجميع".
طابع تاريخي
كانت بوتومز واحدة من ثمانية مرشحين سود، يمثلون الأحزاب الرئيسة، الذين خاضوا سباق حاكمية الولاية التي كانت معقلاً للعبودية، وفي تاريخ الولايات المتحدة بأكمله، لم ينتخب سوى ثلاثة حكام سود، وجميعهم كانوا رجالاً من الحزب الديمقراطي، وفي هذا العام، تنافست امرأتان سوداوان على منصب الحاكم هما بوتومز، والجمهورية ليزا ديموث من ولاية مينيسوتا.
نادراً ما تشير بوتومز صراحة إلى الطابع التاريخي لترشحها، لكنها كانت كثيراً ما تستعرض تاريخ عائلتها، إذ قالت "أنا أنتمي إلى الجيل الخامس في الأقل من سكان جورجيا، لأننا لا نستطيع تتبع تاريخ عائلتنا إلا لخمسة أجيال فحسب، وصولاً إلى مزرعة في كروفوردفيل"، مشيرة إلى أن جدها انتقل من ريف جورجيا إلى أتلانتا، وكان مضطراً حينها إلى "الدخول عبر الأبواب الخلفية" لمباني وسط المدينة، وهي المباني ذاتها التي دخلتها هي لاحقاً من الأبواب الأمامية بصفتها عمدة للمدينة، وقالت إن جذورها العائلية "حاضرة معي دائماً"، بحسب ما نقلته التغطيات الإعلامية لمؤتمراتها الانتخابية.
شهدت الحملات الانتخابية هجوماً من جاكسون على بوتومز بعدما استهدف سجلها كعمدة للمدينة، إذ تضمنت حملته الإعلانية المكثفة على التلفزيون لقطات لاحتجاجات اندلعت عقب مقتل رجلين أسودين على يد ضباط بيض، وهما رايشارد بروكس في أتلانتا، وجورج فلويد في مينيابوليس خلال عام 2020.
مسيرة طويلة
عام 2021 رشح الرئيس السابق جو بايدن، كيشا لانس بوتومز لتشغل منصب نائبة رئيس اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، مسؤولة عن المشاركة المدنية وحماية الناخبين، وعام 2022 انضمت إلى إدارته بصفتها مستشارة أولى ومديرة لمكتب المشاركة العامة في البيت الأبيض، وهو المنصب الذي شغلته حتى عام 2023، كذلك سبق لها أن كانت عضوة في مجلس التصدير الرئاسي.
حصلت كيشا لانس بوتومز على درجة البكالوريوس في الاتصالات من جامعة فلوريدا، مع تخصص في الصحافة الإذاعية، وعام 1994 حصلت على درجة دكتوراه في القانون من جامعة ولاية جورجيا، وعملت كمدعية عامة، وتولت تمثيل الأطفال أمام محكمة الأحداث، وعام 2002 أصبحت قاضية صلح في أتلانتا، وخاضت في 2008 انتخابات لشغل منصب قاضية في محكمة "فولتون" العليا، لكنها لم تنجح في ذلك.
انتخبت بوتومز لعضوية مجلس مدينة أتلانتا في عامي 2009 و2013، حين مثلت الدائرة الـ11 في جنوب غربي أتلانتا، واستمرت في منصبها حتى عام 2018 الذي تركته عقب انتخابها عمدة للمدينة عام 2017، بعد حصولها على أكبر عدد من الأصوات لتكون هي سادس شخص من أصول أفريقية، وثاني امرأة من أصول أفريقية، تتولى منصب عمدة أتلانتا.