Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجزائر وليبيا – حفتر والخطوط الحمراء على حدود النيجر

يرى مراقبون أن الساحل الأفريقي يتحرك على رمال ساخنة وسط مخاوف من عسكرة المنطقة وظروف بالغة التعقيد

تمركز القوات الجزائرية رسمياً في شمال غربي النيجر قرب الحدود الجنوبية لليبيا (رويترز)

ملخص

تجددت حرب كلامية بين شرق ليبيا والجزائر إثر تحركها نحو النيجر المحاذية للجنوب الليبي، حيث سبق وقال الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون خلال يونيو (حزيران) عام 2021 إن "طرابلس خط أحمر"، مضيفاً أن "الجزائر كانت مستعدة للتدخل لمنع سقوط العاصمة الليبية بيد قوات حفتر".

وصلت قافلة أولى من الجيش الجزائري إلى منطقة أرليت في شمال غربي النيجر، لتأمين مصالح اقتصادية ومشاريع الطاقة المتعلقة بخط أنابيب الغاز العابر للصحراء، في تطور ملحوظ على الحدود الجنوبية الليبية قابلها تحرك سريع لقوات الجيش العربي الليبي التي عززت من وجودها على الحدود المحاذية لتشاد والنيجر.

تحركات ليبية تتزامن مع توجه القوات الجزائرية للتمركز في قاعدة ماداما النيجرية التي لا يفصلها سوى 95 كيلومتراً عن معبر التوم الحدودي الذي يربط بين ليبيا وتشاد والنيجر.

حرب كلامية

يوجد المعبر في جنوب غربي ليبيا (في منطقة فزان)، وتكمن أهميته الإستراتيجية في أنه يعد بوابة رئيسة نحو عمق أفريقيا وممراً مهماً للتجارة العابرة وشرياناً اقتصادياً، إضافة إلى كونه نقطة ملتهبة لعمليات تهريب السلاح والبشر وموقع إستراتيجي لمراقبة الحدود والممرات الصحراوية.

ويقع منفذ التوم الحدودي تحت سيطرة قوات الجيش العربي الليبي التي يقودها المشير خلفية حفتر، وشهد معارك خلال يناير (كانون الثاني) الماضي بعدما قامت عناصر مسلحة تابعة لغرفة تحرير الجنوب التي يقودها محمد وردقو بالسيطرة عليه لتقوم قوات حفتر في مرحلة تالية بدحرها إلى مناطق صحراوية حدودية واسترجاع المعبر.

وإثر تمركز القوات الجزائرية رسمياً في شمال غربي النيجر قرب الحدود الجنوبية لليبيا، ظهرت فرضية تقاطع حساباتها مع تحركات حكومة عبدالحميد الدبيبة والقوى المناهضة لحفتر للسيطرة على الجنوب الليبي.

وتجددت حرب كلامية بين شرق ليبيا والجزائر إثر تحركها نحو النيجر المحاذية للجنوب الليبي، حيث سبق وقال الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون خلال يونيو (حزيران) عام 2021 إن "طرابلس خط أحمر"، مضيفاً أن "الجزائر كانت مستعدة للتدخل لمنع سقوط العاصمة الليبية بيد قوات حفتر".

وتصاعد التوتر بين الجانبين بعد إعلان قوات حفتر إغلاق الحدود مع الجزائر وعدِّها منطقة عسكرية، ليرد بعدها الرئيس الجزائري خلال أكتوبر (تشرين الأول) عام 2021، بتهكم على تلك التهديدات وعدم اكتراث بلاده بها.

وسبق وهدد المشير خلفية حفتر بالدخول في حرب مع الجزائر، إذ حاول الجيش الجزائري اختراق الحدود بين البلدين وذلك بعد تنفيذ مناورة عسكرية جزائرية في منطقة جانت الواقعة على بعد 80 كيلومتراً قرب الحدود الليبية.

واليوم، يعود سؤال قديم، هل تفتح قاعدة ماداما النيجرية جبهة جديدة لتحرك إقليمي يعيد رسم موازين القوة على الحدود الجنوبية الليبية، وكيف يمكن لحكومة الدبيبة استغلال هذا التحول في صراعها مع حفتر؟

شركات دفاعية

يقول محمد تورشين المتخصص في الشؤون الأفريقية إن الساحل الأفريقي بات يتحرك على رمال ساخنة، فوصول الجزائر للنيجر يأتي في ظل ظروف بالغة التعقيد من حيث إنها استشعرت بصورة متكررة أن أمنها مرتبط بالدول الإقليمية المجاورة لها، لا سيما النيجر ومالي.

ونوه بأنه في ظل استمرار هشاشة الأوضاع في منطقة الساحل الأفريقي وفشل المقاربة الأمنية التي اعتمدتها حكومات المجالس العسكرية في دول كونفيدرالية الساحل الأفريقي بعد استبعاد القوات الفرنسية واستعانتهم بروسيا التي لم تحقق كثيراً من النجاحات، بات واضحاً ازدياد نشاط المجموعات المسلحة بخاصة المتطرفة التي حققت مزيداً من التقدم في مالي.

ويتابع المتخصص في الشؤون الأفريقية، أن النيجر باتت مهددة بخاصة بعد استهداف نيامي مرات عدة، مما جعل الجزائر تدرك بأن وصولها وحصولها على قاعدة عسكرية مثل قاعدة ماداما ضمن عديد من القوى التي باتت شريكة أمنياً للنيجر مثل روسيا وتركيا أمر سيسهم في توسيع نفوذها الإقليمي وتعزيز وجودها في الساحل الأفريقي.

 

ويضيف أن وصول الجزائر للنيجر هي رسائل طمأنة لعديد من الدول التي لديها تحفظات على غرار مالي، مستدركاً أنه لا يمكن تجاهل المقاربة الاقتصادية لهذه الخطوة والمتمثلة في مشروع أنبوب نيغال العابر للصحراء وهو مشروع إستراتيجي لنقل الغاز الطبيعي من نيجيريا إلى أوروبا عبر النيجر والجزائر.

ويوضح تورشين أن استمرار المهددات الأمنية في النيجر سيسهم بصورة أو بأخرى في تراجع هذه الخطوة واستفادة المغرب منها، موضحاً أن عوامل مجتمعة أمنية واقتصادية وجيوسياسية دفعت بالجزائر للتقدم نحو نيامي، في خطوة ستتطور إلى مقدمة لشركات أمنية ودفاعية مع النيجر، وسيكون للجزائر دور مهم في منطقة الساحل الأفريقي.

 مركز للاستخبارات

وفي شأن إمكان فتح الوجود العسكري الجزائري في شمال النيجر لجبهة ضغط جديدة على قوات حفتر في جنوب ليبيا، خصوصاً مع قرب منطقة ماداما من معبر التوم الحدودي الذي سبق وسيطرت عليه قوات وردقو المناهضة لحفتر، يقول العميد المتقاعد من قوات الجيش التونسي مختار بالنصر، عضو الهيئة الاستشارية لمركز الجامعة العربية للدراسات الأمنية، إن معرفة ما إذا كان وجود الجيش الجزائري في شمال النيجر سيصبح ضغطاً جديداً على قوات حفتر في جنوب ليبيا، يتطلب التفريق بين قدرة المكان على التأثير، والرغبة في استخدام هذا التأثير، والقدرة الفعلية على تغيير الوضع المحلي.

ويرى أن موقع القاعدة في ماداما وقربها من معبر توم، يجعل أي تحرك عسكري هناك مهماً أكثر من مجرد مكافحة الإرهاب، بخاصة أن الحدود بين ليبيا والنيجر وتشاد متداخلة، إضافة إلى شبكات التهريب وطرق الإمداد والتحالفات المسلحة العابرة لهذه الحدود، مشيراً إلى أن إمكان توجه القوات الجزائرية نحو ماداما قد يزيد الضغط غير المباشر على قوات حفتر، ما سيؤدي هذا إلى تشديد المراقبة على الحدود، وتقليل حرية الحركة والإمداد، وزيادة صعوبة المناورة للقوى التي تحاول ترسيخ نفوذها في المنطقة الحدودية.

ويستدرك بالنصر بقوله إن هذه الأمور وحدها لا تكفي لقول إن الجزائر ستفتح جبهة عسكرية ضد حفتر، لأنه يجب أولاً التأكد من طبيعة انتشار القوات وحجمها ومهمتها، ومعرفة ما إذا كان هناك ترتيبات أمنية إقليمية تدعم ذلك.

ويعتقد أن السيناريو الأكثر احتمالاً حالياً هو أن الجزائر ستركز على حماية مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية، بخاصة المنشآت النفطية ومشاريع الطاقة المتعلقة بخط أنبوب الغاز العابر للصحراء، كما ستركز على تأمين الطرق الصحراوية ومواجهة الجماعات الإرهابية وشبكات التهريب وهذا يتفق مع السبب الرسمي المعلن للانتشار، والذي وافق عليه البرلمان الجزائري في الـ25 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، من دون تحديد عدد القوات أو موعد نشرها النهائي.

ويقول عضو الهيئة الاستشارية لمركز الجامعة العربية للدراسات الأمنية إن الهدف الدفاعي لا يمنع احتمال أن يكون للوجود الجزائري تأثير إستراتيجي غير مباشر على موازين القوى في ليبيا، بخاصة أن تقارير صحافية حديثة أشارت إلى اتصالات بين حكومة طرابلس والنيجر حول إمكان دعم قوات محمد وردقو ضد حفتر، واستخدام قاعدة ماداما لهذا الغرض.

ويرى أن ماداما قد تصبح مركزاً للاستخبارات والأمن، مما يسمح بمراقبة التحركات في جنوب ليبيا وتقييد بعض طرق الإمداد، لكن الانتقال من هذا التأثير إلى فتح جبهة ضغط عسكرية مباشرة يعتمد على تطورات لم تتضح بعد، مشيراً إلى أن هذه التطورات تشمل طبيعة التفويض الممنوح للقوات الجزائرية، ومدى تعاونها مع نيامي، وموقف الجزائر من الصراع الداخلي الليبي.

ويتابع بالنصر أن أي تدخل مباشر ضد قوات حفتر قد يعرض الجزائر لخطر التورط في صراع ليبي متعدد الأطراف، وما قد يترتب على ذلك من آثار على أمن حدودها ومصالحها الإقليمية، مضيفاً "لذلك، لا أعتقد أن مواجهة حفتر هي الهدف الرئيس للتحرك الجزائري". ولم يستبعد المتخصص في الشؤون الأمنية أن يصبح سبب الانتشار تداخل المصالح وتطورات الصراع في فزان، كعامل يحد من حرية مناورة قوات حفتر.

مراقبة الممرات

وعن أهمية ماداما في الحسابات الجيوسياسية الجزائرية، يقول إلياس الباروني عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة نالوت إنه لا يمكن قراءة التحرك العسكري الجزائري المحتمل نحو قاعدة ماداما شمال النيجر كمجرد إجراء أمني محدود، بل ينبغي وضعه ضمن التحولات التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء، حيث تتداخل اعتبارات أمن الحدود، وحماية المصالح الاقتصادية، وإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي.

ويتابع أن الموقع الجغرافي لشمال النيجر يمنحه أهمية خاصة في مراقبة الممرات الصحراوية التي تربط النيجر بجنوب ليبيا وتشاد، وهي مناطق تتقاطع فيها حركة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والتجارة العابرة للحدود، ويشير الباروني أن أهمية ماداما تنبع من موقعها القريب من الحدود الليبية، لكن القيمة الإستراتيجية لهذا الموقع لا تتحدد بالمسافة الجغرافية وحدها، وإنما بمدى قدرة القوات الموجودة فيه على مراقبة التحركات، وتأمين خطوط الاتصال، والتنسيق مع السلطات المحلية، والاستمرار في العمل ضمن بيئة صحراوية شديدة الاتساع والتعقيد.

ومن هذا المنطلق، يرى الباروني وهو متخصص في الشؤون السياسية والأمنية أن أي انتشار جزائري فعلي في ماداما قد يمنح الجزائر مجالاً أوسع للتأثير في البيئة الأمنية المحيطة بجنوب ليبيا، حتى لو لم يكن الهدف المعلن منه التدخل في الصراع الليبي، فالوجود العسكري في المناطق الحدودية يمكن أن يؤدي إلى نتائج سياسية تتجاوز المهمة الأمنية المباشرة، خصوصاً عندما يقع قرب مناطق تتنافس فيها قوى محلية وإقليمية على النفوذ.

ويشدد على أنه من الضروري التمييز بين احتمال انتشار القوات الجزائرية في ماداما، وثبوت هذا الانتشار وحجمه ومهمته، وبين الادعاء بأن الجزائر قررت استخدامه للضغط على قوات خليفة حفتر، فهذه مستويات تحليلية مختلفة، لا يصح التعامل معها بعدِّها حقيقة واحدة من دون أدلة واضحة.

ضغط إستراتيجي

وحول تشكيل الوجود الجزائري جبهة ضغط جديدة على قوات حفتر، يقول الباروني إنه يمكن أن يؤدي الوجود الجزائري المحتمل في شمال النيجر إلى تغيير بعض الحسابات الأمنية لقوات حفتر في جنوب ليبيا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة نشوء جبهة عسكرية معادية لها، فالتأثير قد يظهر أولاً في صورة ضغط إستراتيجي غير مباشر، من خلال تغير البيئة الحدودية، وتزايد الاهتمام الإقليمي بالتحركات المسلحة، وتبدل خيارات القوى المحلية في التعامل مع الأطراف الليبية المتنافسة.

وتستمد هذه الفرضية أهميتها من أن نفوذ قوات حفتر في الجنوب لا يعتمد على الانتشار العسكري وحده، بل يرتبط أيضاً بالقدرة على تأمين المواقع الحيوية، والحفاظ على خطوط الاتصال، وإدارة العلاقات مع المكونات الاجتماعية والقوى المحلية، والاستفادة من موقع فزان في شبكة الحركة العابرة للصحراء، وفق تأكيدات الباروني.

ويوضح أنه إذا تعزز التعاون الأمني الجزائري - النيجري، فقد تجد قوات حفتر نفسها أمام بيئة إقليمية أكثر تعقيداً، تضطر فيها إلى إعادة تقييم حساباتها الحدودية والسياسية، لكن هذا التأثير يظل مشروطاً بطبيعة المهمة الجزائرية، ومدى امتدادها إلى المناطق المتاخمة لليبيا، ومستوى التنسيق بين الجزائر والنيجر.

 

ويؤكد أن الضغط لا يشترط وقوع اشتباك عسكري مباشر، فقد يكون سياسياً أو أمنياً أو مرتبطاً بحرية الحركة والقدرة على بناء التحالفات، وفي المقابل لا يجوز افتراض أن تعزيز الرقابة الحدودية سيضر بقوات حفتر وحدها، إذ قد يقيد حركة خصومها أيضاً، تبعاً لطبيعة الإجراءات المتخذة والأطراف المستهدفة بها.

وعلاقة بتشكل معادلة مضادة لنفوذ حفتر بين قوات وردقو وحكومة الدبيبة، يرى الباروني أن حساسية المشهد تزداد مع ورود تقارير إعلامية عن اتصالات بين حكومة الدبيبة ومحمد وردقو، وهو قائد من التبو تنشط مجموعات مرتبطة به ضد قوات حفتر في جنوب غربي ليبيا وإمكان استخدام قاعدة ماداما نقطة إسناد محتملة لتحركات ليبية عبر الحدود، مؤكداً أنها تقارير تستند إلى مصادر محلية ولا تثبت وجود اتفاق عسكري نهائي أو موافقة جزائرية على هذا التوجه.

وينوه بأن أهمية هذه التطورات تكمن في أن الجنوب الليبي ليس مجرد امتداد جغرافي للصراع بين طرابلس والقيادة العسكرية في الشرق، بل فضاء تتداخل فيه المصالح المحلية مع الحسابات الإقليمية، فالقوى المحلية تتحرك وفق اعتبارات تتعلق بالتمثيل السياسي والموارد والأمن والعلاقات الاجتماعية العابرة للحدود.

وإذا نجحت القوى المناهضة لحفتر في تنسيق مواقفها، فقد تزداد قدرتها على التأثير في المعادلة الأمنية والسياسية في فزان، لكن تجميع مجموعات متباينة تحت هدف مشترك لا يضمن نشوء تحالف متماسك، إذ قد تختلف هذه المجموعات في شأن القيادة والأهداف وتقاسم النفوذ، وقد تتباين مصالحها مع مصالح حكومة طرابلس نفسها، حسب تقديرات الباروني.

علاقات متوازنة

ويقول عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة نالوت، إنه من الخطأ افتراض أن الجزائر ستنحاز تلقائياً إلى حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة لمجرد انتشار قواتها في شمال النيجر، فالمعلومات المنشورة عن القرار الجزائري تربط المهمة بحماية المصالح الاقتصادية والإستراتيجية، ولا سيما منشآت الطاقة ومشروعات التعاون الاقتصادي مع النيجر. ولم يعلن رسمياً أن المهمة تستهدف قوات حفتر أو أنها جزء من ترتيبات عسكرية ليبية.

ومع ذلك، يمكن أن يحدث تقاطع في المصالح بين الجزائر وطرابلس في ملفات أمن الحدود، ومكافحة التهريب، ومنع انتشار الجماعات المسلحة، وتعزيز الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء، وقد تستفيد حكومة طرابلس من هذا التقاطع لتوسيع علاقاتها الإقليمية وتعزيز حضور مؤسسات الدولة في الجنوب، حسب رأيه.

ويستردك أن الجزائر قد تجد أن الحفاظ على علاقات متوازنة مع الأطراف الليبية المختلفة يخدم مصالحها أكثر من الانتظام في مواجهة مفتوحة، ولذلك، فإن انتقالها من التعاون الأمني مع النيجر إلى دعم طرف ليبي ضد آخر يظل احتمالاً يحتاج إلى أدلة مستقلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويلفت إلى أنه قد تتغير موازين النفوذ نتيجة التحولات الإقليمية حتى من دون أن تتبنى الجزائر سياسة معادية لحفتر، فقد يكفي تغير البيئة الأمنية واتساع خيارات القوى المحلية لدفع الأطراف الليبية إلى مراجعة حساباتها.

وعن كيفية تعامل حكومة الدبيبة مع هذا التحول، يشير الباروني إلى أنه إذا أتاح التطور الإقليمي فرصاً جديدة لطرابلس، فإن الاستفادة الأكثر استدامة تتمثل في تعزيز العلاقات الرسمية مع الجزائر والنيجر، وتطوير التعاون الحدودي، وتوسيع الحضور المؤسسي والخدمي في فزان، وإشراك البلديات والمكونات الاجتماعية في ترتيبات الأمن والتنمية أما تحويل التحرك الجزائري إلى أداة لتوسيع المواجهة العسكرية، فقد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها تعميق الانقسام، ودفع أطراف أخرى إلى تعزيز دعمها لحفتر، ورفع أخطار التدخل الخارجي في الصراع الليبي.

ويقول إن التحرك الجزائري نحو ماداما، إذا نفذ وفق القرار المعلن، قد يشكل تطوراً مهماً في معادلات الأمن الإقليمي، بالنظر إلى قرب المنطقة من جنوب ليبيا وارتباطها بمصالح الطاقة والأمن الحدودي، وقد ينعكس ذلك على حسابات قوات حفتر، وعلى خيارات القوى المحلية، وعلى قدرة حكومة الدبيبة في توسيع حضورها السياسي في فزان.

ويلفت الانتباه إلى أنه لا توجد ضرورة لأن يتحول هذا الانتشار إلى جبهة عسكرية ضد حفتر، ولا توجد أدلة كافية للجزم بوجود تحالف جزائري – نيجري - طرابلسي يستهدف إعادة تشكيل السيطرة العسكرية في الجنوب.

تحالفات إقليمية

ويصف عبدالله الغرياني مدير مؤسسة ابدأ للدراسات الإستراتيجية، دخول الجزائر إلى هذه المناطق بأنه "غريب"، مؤكداً أن تمركزها تحديداً قرب الحدود الجنوبية لليبيا لا مبرر له لأن النيجر جغرافياً دولة كبيرة، وباستطاعة الجزائر التحرك فيها كلما تتطلب الأمر، بخاصة في ظل نشاطات الفصائل المسلحة المختلفة، وعلى رأسها "بوكو حرام" و"داعش - ولاية الساحل".

ويقول الغرياني إن موقف الجزائر كان رافضاً للانقلاب العسكري، ومن ثم دعت إلى مبادرة تدعم الانتقال السلمي للسلطة، بعدما أسقط الرئيس المنتخب محمد بازوم، وحدث خلاف إقليمي ودولي، أعطى الخلاف للسلطة الانقلابية خيار التحالف مع الفيلق الروسي، مقابل دعم فرنسا للرئيس المنتخب بازوم، ليحتد الخلاف ويتحول إلى صراع نفوذ، وبقيت الجزائر متمسكة بمبدأ الحياد وعدم التدخل في القضايا الداخلية، وهو موقف أعلنته حتى عندما انطلق التحالف الدولي لمحاربة "داعش" بقيادة الولايات المتحدة خلال عهد الرئيس السابق باراك أوباما عام 2015.

ويرى أن الدخول إلى النيجر خطوة قد تؤدي إلى اندلاع صراع مسلح إقليمي ودولي في جغرافيا لا تتحمل مثل هذه الصراعات، فالرئيس تبون والخارجية الجزائرية كرروا مراراً، أنهم يقفون على الحياد، ولكن هناك تقارير أمنية وعسكرية تتحدث عن تردد الممثل السياسي لغرفة عمليات تحرير الجنوب الليبي المناهض لحفتر على الجزائر مستغلاً أصوله العرقية لحشد الدعم.

ويوضح أنه من حق الجزائر حماية طموحاتها في تمديد خطوط الغاز الذي يعبر من النيجر، قادماً من منطقة دلتا نيجريا، ولكن التمركزات هذه المرة تقول إن دخول الجزائر أبعد من ذلك، وقد يكون هذا التدخل العسكري نقطة عكسية تجهض مشروع خط الغاز، إضافة إلى امتلاك النيجر مخزوناً كبيراً من اليورانيوم، يغطي من خلاله خمسة في المئة من حاجات العالم وعشرة في المئة من الحاجات الفرنسية على وجه التحديد، والتي تستفرد بها روسيا اليوم.

ويلاحظ الغرياني أنه بإمكان الجزائر اليوم أن تتمدد، ولكن لا يمكنها زعزعة أمن الجنوب الليبي، بخاصة أن القيادة العامة اليوم لديها تحالفات وطيدة إقليمياً ودولياً، على غرار روسيا وتركيا والولايات المتحدة، ويعول عليها في مسألة تأمين الجنوب الليبي حتى لا يتحول إلى نقطة صراعات إقليمية ودولية.

المزيد من تقارير