Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا لا يستطيع الجيش اللبناني تكرار التجربتين المصرية والسودانية؟

الشعب يريده على الحياد رافضاً الحكم العسكري

الجيش والشعب جنباً إلى جنب (غيتي)

وفي اليوم الثامن من الانتفاضة، لا تزال الحكومة اللبنانية غير قادرة على احتواء الغضب الشعبي، وتشتيت الجموع أو منعها من التحرك، إذ صمد المتظاهرون تحت المطر في كل المناطق، مدافعين عن كل ما طالبوا به سابقاً، والأهم استقالة الحكومة وإجراء انتخابات نيابية مبكرة واستعادة الأموال المنهوبة.

وفي محاولة يائسة لفتح الطرق العامة، استعانت الحكومة بالجيش صباحاً، لكن هذه المهمة فشلت بعد إصرار المحتجين على موقفهم وافتراش الأرض ومنع المواطنين من الذهاب إلى مراكز عملهم، في حين لا تزال المدارس والجامعات مقفلة.

 

"القوة الناعمة"

وفي شمال بيروت، استعمل الجيش "القوة الناعمة" لفتح الطريق الرئيسية، من دون استعمال الهراوات أو العصي، لكنه تراجع عن قرار الفتح بعدما اصطدم مع المتظاهرين والدموع في عيون عناصره. وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات لعناصر من الجيش منهم من يبكي أو يدمع، في تضامن ضمني مع مطالب الحراك الشعبي.

 

الثورة المصرية والتجربة السودانية

يذكّر ما يحصل حالياً في لبنان، بالثورة المصرية عام 2011 حين احتضن الجيش المتظاهرين وحماهم من "البلطجية"، خصوصاً عندما أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وقوفه إلى جانب المطالب المشروعة للشعب بكل طوائفه وانتماءاته، ما أعطى دفعة كبيرة للحراك المطلبي. الى ان قام القائد عبد الفتاح السيسي بنوع من "انقلاب شعبي" لا عسكري.

في حين أن الجيش السوداني في الثورة التي شهدتها بلاده، كان بعيداً من الحدث، ثم انخرط شيئاً فشيئاً. فمن الدفاع عن نظام البشير الى موقف وسطي، الى ان عزل رأس النظام، ونسج سلطة مشتركة مع الحراك السوداني. كثر في لبنان يتمنون قيام التجربة السودانية، ولكن التركيبة اللبنانية الطائفية والسياسية تمنع هذا السيناريو. 

الاحتضان

المؤكد أن عناصر الجيش اللبناني والعديد من الضباط فيه، يؤيدون الحراك بشكل ضمني لأنهم من الشعب أخيراً ومتأثرون بالنظام الفاسد، لكنهم ينفذون أوامر القيادة العليا. ويظهر هذا التعاطف مع المتظاهرين والمواطنين العاديين على الحواجز، ومحاولة حل المشاكل البسيطة في المرور، خصوصاً في الأماكن التي تشهد قطعاً للطرق.

كما أن دفاع الجيش عن ساحتي رياض الصلح والشهداء منذ يومين، في وجه مسيرة الدراجات النارية التي كانت ترفع أعلام حزب الله وحركة امل، دليل إضافي على وقوف الجيش ضمنياً مع المحتجين.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فما حصل صباح اليوم في ذوق مكايل وجل الديب، شمال بيروت، وتراجع الجيش عن قرار فتح الطريق، على الرغم من جرحه أحد المتظاهرين، يثبت مراعاة العسكر لإرادة الشعب.

وما دموع بعض عناصره التي انهمرت إلا رسالة سرية بالتضامن والدعم.

كما نشر الجيش عبر حسابه الرسمي على "تويتر" مجموعة تغريدات تدعم الحراك ومنها "الجيش يقف إلى جانبكم في مطالبكم الحياتية المحقة، وهو ملتزم حماية حرية التعبير والتظاهر السلمي بعيداً من إقفال الطرق والتضييق على المواطنين واستغلالكم للقيام بأعمال شغب".

 

دلالات سياسية

يلاحظ المتجول عموماً في ساحات التظاهر، أن ثمة إجماعاً على أن الجيش ينفذ أوامر القيادة العليا، والتي يشرف عليها رئيس الجمهورية ميشال عون، رغم ان الدستور يضع السلطة التنفيذية في يد مجلس الوزراء. ولكن المحاصصة اللبنانية تجعل قيادة الجيش من حصة "الرئيس".

ولكن هل الاستعانة بالجيش واحتمال تصادمه مع المتظاهرين، له دلالات سياسية؟

من المعروف أن المناصب العليا في الجيش، تقسّم بحسب الطوائف والقوى السياسية، ومن المعروف أيضاً أن لكل طائفة من يمثلها في المؤسسة العسكرية.

من هنا، قد يكون قرار الفريق الحاكم وفي مقدمه رئيس الجمهورية ميشال عون، ربما لإرباك حسابات قائد الجيش، وإفقاده شعبيته، لصالح مرشح السلطة المحتمل وزير الخارجية جبران باسيل، والتي يبدو أن ثمة توافقاً إيرانياً سورياً، ودعماً داخلياً من حزب الله لنيله كرسي الرئاسة.

لكن الأخير سقط في الشارع جماهيرياً حتى إن لم يكن هذا السقوط مؤثراً في المعادلة السياسية.

انقسام الجيش؟

وفي سياق متصل، يبدو مستحيلاً انقسام الجيش ما بين مؤيد ومعارض بشكل علني، وفي حال حصول هذا الانقسام، يترتب عليه انقسام البلد، وفقدان المؤسسة الوحيدة التي يثق بها الشعب لصدقيتها.

لطالما أثبت الحراك الشعبي المطلبي في لبنان قربه من المؤسسة العسكرية، وثقته بدورها الجامع، إذ يوزع المتظاهرون الورد دوماً على عناصره، وتتشابك أجساد المحتجين لتشكيل دروع بشرية وحماية العسكر.

هي علاقة تفاعلية إنسانية في مبدئها الأول، فكل عائلة لبنانية لديها عنصر في الجيش. وما يدفع الشبان لهذه الوظيفة ما تؤمنه من استقرار مادي ومعنوي، ومستوى معيشة عادي، بالنسبة إلى العناصر وليس للرتب الأعلى شأناً.

لكن العسكري في المقابل، يدرك أنه لو وجد الاستقرار المادي في مكان آخر لترك المؤسسة والتحق بالحرية. من هنا ينبع تعاطف عناصر الجيش مع الموجودين في الشوارع.

رفض الحكم العسكري

وفي هذا السياق يقول أحمد وهو طالب جامعي "نعرف أن الجيش يدعم تظاهرتنا السلمية، لكنني أطلب منه البحث عن "البلطجية" ومفتعلي المشاكل المنتشرين في الساحات، واعتقالهم، هؤلاء الذين يقدمون خطاباً لا يشبه مطالبنا، ويتعرضون لكل من يمس برموزهم الحزبية أو السياسية"؟

ويضيف "نحن لا نشكل خطراً على الدولة، مقاومتنا سلمية مدنية جامعة وعابرة للطوائف".

ويرى حسان وهو سائق تاكسي "لدي في الجيش عشرات الأقارب، وأعرف ومؤمن أنهم ليسوا سعيدين بما هم مجبرون على فعله أحياناً، لكن ينفذون أوامر القيادات العليا".

ويضيف "نطلب من جيشنا الحبيب، أن يحمي ظهورنا، ويدعمنا، فنحن لسنا العدو".

وحول ما يقال على الشاشات أو في ساحات الاعتصام عن المطالبة، بتولي الجيش قيادة البلاد، والانتقال إلى حكم عسكري، توضح ابتسام وهي ناشطة اجتماعية "أثبتت التجربة العسكرية فشلها في عدد من البلدان، لما فيها من قمع وانعدام لأفق الحرية، الحكم العسكري مرفوض تماماً في ساحات لبنان، ما نريده دولة مدنية وتنفيذ مطالب الحراك، طالبين من الجيش حمايتنا من الظلاميين والبلطجيين". هذا ليس رأي ابتسام وحدها، إذ تتشاركه مع الفئة الأكبر من الحراك التي ترفض الحكم العسكري.

المزيد من العالم العربي