Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الكرخ" لا "الشرخ" بين سوريا والأردن

إرادة التهدئة تسبق التوتر الحدودي ودمشق وعمّان تراهنان على التعاون الأمني لإنهاء ملف الإرهاب

لقطة جوية لأشخاص يتفقدون الأضرار في موقع تعرض لغارات جوية شنّها الأردن في قرية "الطّف" بمنطقة "اللجاة"، الواقعة في الريف الشمالي الشرقي لمحافظة درعا، 27 أكتوبر 2026 (أ ف ب)

ملخص

تستعرض المقالة أبعاد الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة بمحافظة الكرك في الأردن، معرجاً على دلالة الاسم التاريخية واللغوية المشتركة بين مدن المنطقة، وتسلط المقالة الضوء على تداعيات الغارات الأردنية الاستباقية على مواقع في درعا السورية، وإعادة فتح معبر نصيب، مؤكداً أن الإرادة السياسية في عمّان ودمشق متجهة نحو احتواء الأزمة وتطويق آثارها، عبر التنسيق الأمني واللجان المشتركة، بالنظر إلى المصلحة المتبادلة في محاربة الإرهاب والتهريب، واستقرار المنطقة.

كنت قبل أيام في العاصمة الأردنية عمّان على مائدة العشاء في ضيافة معالي وزير الاتصالات الأردني، الدكتور محمد المومني، وكان من بين الضيوف وزير الإعلام السوري السيد خالد فواز زعرور، كان حديثاً ودياً بين الوزيرين في البلدين الجارين الشقيقين، تركز في كيفية تكاملهما وتعاونهما من أجل مصلحة بلديهما.

سوريا الجريحة في حاجة إلى كل ضماد يمكن أن يعالج جراحها، وكل يد حانية يمكن أن تمسح دموعها التي لم تجف من حقبة بطش الأسد البشعة، والأردن بلد مستقر وطموح، ويقارب بين جيرانه وأشقائه بكل الوسائل المتاحة.

دار الحديث حول التعاون الاقتصادي والأمني لمحاربة تهريب المخدرات والسلاح والإرهاب، وبعدها بأيام، الجمعة الماضي، دهم ثلاثة إرهابيين أردنيين كنيسة أردنية في محافظة الكرك وهي مكتظة بالمشيعين لجنازة، فأطلق المهاجمون النار على الأبرياء في الكنيسة، وقتلوا تسعة منهم وجرحوا 40، في جريمة بشعة نادرة الحدوث في الأردن، ودوافع الإرهابيين فكرٌ متطرفٌ منحرفٌ، ينتشر بين شبابنا في كل أرجاء العالم العربي والإسلامي.

أصل كلمة "الكرك" من السامية القديمة، وتعني الحصن أو القلعة، وتُقلب الكاف خاءً في أماكن أخرى، وهو قلبٌ شائع في علم الأصوات، ولعل أشهره بلهجة "ليفربول" الإنجليزية التي تسمى "سكاوسر"، حيث يقولون "باخ" BACK أو "توخ" TALK وهكذا.

غربُ بغداد تاريخياً هو الكرخ، التي قُلبت كافها خاءً من "الكرك"، وهو قلبٌ وتسمية شائعة في العراق وبلاد الشام عموماً، فـ "الكرخ" قرية شمال شرقي فلسطين، ويقع تل الكرخ في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، واسم مدينة كركوك في العراق تصغير لـ "الكرك"، أي القلعة الصغيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ضج الأردن عن بكرة أبيه بالجريمة الإرهابية المروّعة، واستنكر القاصي والداني هذا الجرم الشنيع، وتعهدت القيادة الأردنية بملاحقة الإرهابيين والقبض عليهم والقصاص منهم، وهو ما حدث، فقد تمكنت أجهزة الأمن الأردنية من القبض على المجرمين الثلاثة بعد تبادل لإطلاق النار معهم في بيت مهجور، على بعد خمسة كيلومترات من موقع الجريمة، داخل قرية حمود التابعة لمحافظة الكرك، وفي الليلة نفسها قصف الطيران الحربي الأردني مواقع في محافظة درعا السورية، قال إنها مصدر تدريب وتسليح الإرهابيين الثلاثة، ونتج من القصف قتلى وجرحى بينهم أطفال ومدنيون.

اختلفت الرواية الرسمية الأردنية عن نظيرتها السورية، فقال الأردن إن الغارة جرت بالتنسيق مع الحكومة السورية، التي أنكرت التنسيق المسبق، واستنكرت الغارة، واستدعت السفير الأردني لدى دمشق، وأغلقت "معبر نصيب" البري بين البلدين.

التطورات اللاحقة تعكس أن البلدين حريصان على تطويق الأزمة، وتلافي آثارها، فقد أعيد فتح "معبر نصيب" بعد ساعات من إغلاقه، وجرى اتصال بين وزيري خارجية البلدين، والاتفاق على تشكيل لجنة تحقيق وتنسيق مستقبلي، يحتاج إليها البلدان في ظل تضارب روايتهما حول الاتفاق المسبق على الغارة من عدمه، وتأكيدهما أهمية التعاون بينهما في مجال مكافحة المخدرات والإرهاب والتهريب.

اتسمت سياسة الأردن الخارجية تاريخياً بالتعاون مع كل جيرانه، ومن الواضح أن سوريا الجديدة تحاول قدر إمكانها أن تعطل أية خلافات مع أي طرف محيط أو دولي، بما في ذلك إسرائيل، لتلتقط أنفاسها وتستعيد عافيتها، وليس أوضح على ذلك من زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الأربعاء الماضي إلى دمشق، في مؤشر واضح على رغبة الطرفين، وبالذات الطرف السوري، في لملمة كل ملفات الخلاف الماضي مع كل جيرانه، بمن فيهم العراق الحالي الذي ساند نظام الأسد الهارب، بالميليشات الطائفية التي أوغلت في دماء الشعب السوري.

يرى الحريصون أن الإرادتين، السورية والأردنية، قادرتان على تجاوز ما جرى، فمصلحة البلدين تقتضي ذلك، والرهان على أن إرادتهما هي "كرك" منيع لا يؤثر فيه "شرخ" طارئ.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء