ملخص
تقدم المقالة تحليلاً لواقع التحركات الدبلوماسية الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران، عبر وسطاء إقليميين في قطر وباكستان وغيرهما، متسائلاً عما إذا كانت هذه المساعي تفاوضاً جاداً لمنع المواجهة، أو أداة لاستنفاد الحلول واستكمال الحجة السياسية قبل التصعيد العسكري، وتتمحور عقدة الخلاف التفاوضي حول تسلسل الالتزامات، إذ تتمسك طهران برفع الحصار البحري والعقوبات أولاً لإعادة فتح مضيق هرمز، بينما تشترط واشنطن تقديم التزامات نووية باكرة وتفتيشاً شاملاً، مما يثير الشكوك حول قدرة الحلول المرحلية على إنهاء خطر الحرب المتبادل.
"دبلوماسية على حافة الحرب" هي العنوان الرئيس لما تمر به المنطقة حالياً، إذ تبدو التحركات الدبلوماسية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، بالتوازي مع استمرار الاستعدادات العسكرية والتهديدات المتبادلة، وكأنها تفتح نافذة جديدة لتجنب جولة أخرى من المواجهة، فهناك مقترحات تتداولها قطر وباكستان، واتصالات إقليمية تتسع دائرتها، وحديث عن اتفاق موقت يربط تخفيف الحصار البحري الأميركي بإعادة فتح مضيق هرمز، فضلاً عن التقارير المتعلقة برسالة بعث بها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى أمين "المجلس الأعلى للأمن القومي" الإيراني، محسن رضائي، لحث طهران على التفاوض.
لكن قراءة هذه التحركات على أنها دليل على عودة وشيكة للدبلوماسية قد تكون متعجلة، فليس كل نشاط دبلوماسي مؤشر إلى قرب التسوية، وتبادل الرسائل لا يعني بالضرورة تراجع احتمالات الحرب، وقد تكون هذه التحركات محاولة أخيرة لاختبار فرص التفاهم، لكنها قد تؤدي أيضاً وظيفة أخرى في حسابات واشنطن، وهي إظهار أن الإدارة الأميركية استنفدت المسار الدبلوماسي، وأن أي رفض إيراني لاحق يمكن تقديمه مبرراً للعودة لاستخدام القوة.
لا تجري الاتصالات الحالية في فراغ، بل تتزامن مع استمرار الضغط الاقتصادي والبحري الأميركي، والتحركات العسكرية في المنطقة، والتلويح بإمكان شن هجمات جديدة على إيران، ففي حسابات إدارة دونالد ترمب يمكن أن تخدم الدبلوماسية هدفين متعارضين ظاهرياً: التوصل إلى اتفاق يحقق المطالب الأميركية، أو زيادة الضغط على طهران قبل الانتقال إلى التصعيد العسكري، وفي الحال الثانية يصبح فشل التفاوض جزءاً من تهيئة البيئة السياسية لتبرير الضربة، لا دليلاً على أن واشنطن كانت مستعدة بالفعل للتخلي عن الخيار العسكري.
ولا يعني ذلك أن قرار الحرب اُتخذ نهائياً في واشنطن بالتنسيق مع إسرائيل، أو أن الاتصالات الجارية مجرد مسرحية دبلوماسية، فلا تكفي التقارير المتاحة للجزم بأي من الاحتمالين، لكن من الواضح أن استمرار التحضير العسكري يمنح الولايات المتحدة قدرة على إبقاء التهديد قائماً أثناء التفاوض، فيما يمنحها النشاط الدبلوماسي فرصة للقول إنها أتاحت لطهران مخرجاً سياسي، وربما لزيادة الدفاعات الإقليمية.
قد تكون الدبلوماسية وسيلة لمنع الحرب، وقد تتحول في الوقت نفسه إلى أداة لإدارة شروطها وتوقيتها وكلفتها السياسية، ولن يوقف مسار الحرب أو الدبلوماسية على عدد الاتصالات أو هوية الوسطاء، بل من استعداد الطرفين لتعديل مطالبهما، والاتفاق على خطوات قابلة للتحقق، وتقديم ضمانات تحول دون انهيار أي تفاهم جديد.
وتعكس التحركات القطرية والباكستانية، إضافة إلى اتساع المشاورات لتشمل السعودية وتركيا، ومشاركة ممثلين عن "حلف مكة الدفاعي" في اجتماعات طهران، رغبة إقليمية واضحة في احتواء المواجهة ومنع انزلاقها إلى حرب أوسع، وتكتسب هذه الوساطات أهميتها من أنها لا تتعامل مع الأزمة على أنها خلاف نووي منفصل، بل على أنها مجموعة مترابطة من الملفات، تشمل الحصار البحري ومضيق هرمز والعقوبات والبرنامج النووي، واحتمالات اتساع المواجهة إلى ساحات أخرى.
المقترح القطري: اتفاق ممكن أم خلاف مؤجل؟
تتمثل إحدى الأفكار المتداولة في التوصل إلى تفاهم تفتح إيران بموجبه مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية، في مقابل رفع الولايات المتحدة الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، ويطرح الملف النووي، بما يشمله من استئناف عمليات التفتيش، ضمن مساع أوسع إلى توفير صيغة يمكن أن يقبلها الطرفان، ويبدو هذا المقترح من حيث المبدأ أقرب إلى تسوية مرحلية منه إلى اتفاق شامل، فهو يحاول معالجة أكثر نقاط الأزمة إلحاحاً، أي الملاحة والحصار، مع إبقاء الملف النووي ضمن المسار التفاوضي، لكن نجاحه يتوقف على تفاصيل لم تحسم بعد، وهي المقصود بإعادة فتح المضيق؟ وحدود رفع الحصار؟ ومتى تبدأ عمليات التفتيش؟ وما طبيعة المواقع التي سيسمح للمفتشين بدخولها؟ وكيف يُضمن تنفيذ الالتزامات من الطرفين؟
وفي الملف النووي تحديداً، ينبغي عدم الخلط بين موافقة إيران على استئناف بعض عمليات التفتيش، وبين قبولها وصول المفتشين إلى جميع المنشآت، أو الكشف الكامل عن مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، فمنذ الضربات الأميركية التي استهدفت منشآت إيران النووية في نطنز وفوردو وأصفهان، بات الغموض في شأن مصير ذلك المخزون أحد عناصر البيئة الإستراتيجية المحيطة بالأزمة، وقد تسعى طهران إلى الحفاظ على هذا الغموض بوصفه ورقة ضغط، حتى لو وافقت تحت وطأة خطر هجوم جديد، على صيغة محدودة من التعاون مع "الوكالة الدولية للطاقة الذرية".
وبناء على ذلك، فإذا وافقت إيران على المقترح القطري أو على صيغة تتضمن عودة المفتشين، فلن يعني ذلك تلقائياً أنها قبلت رقابة شاملة على جميع منشآتها، أو وافقت على التخلي عن أوراقها النووية، وقد تحاول التفاوض على نطاق محدد للتفتيش، أو على آلية مرحلية ترتبط بخطوات أميركية مقابلة، وهذا احتمال تحليلي، لا حقيقة محسومة في شأن ما ستقبله طهران، ومن ثم فقد يوفر الاتفاق المرحلي مخرجاً موقتاً من المواجهة، لكنه يؤجل الخلافات بدلاً من حلها، إذا لم يتضمن قواعد واضحة للتحقق وآلية للتعامل مع الانتهاكات والنزاعات حول التنفيذ.
الأيام السبعة أم الأيام الأربعة؟ الخلاف ليس في التوقيت
في السياق، طُرح تعديل إيراني للمقترح المتعلق بمضيق هرمز، إذ تُختصر الفترة بين تنفيذ المطالب الإيرانية وإعادة فتح المضيق من سبعة أيام إلى أربعة، لكن التركيز على عدد الأيام مناورة إيرانية، فالمعضلة الحقيقية لا تتمثل في فتح المضيق بعد أربعة أو سبعة أيام، بل في الاتفاق على الشروط التي ستجعل فتحه ممكناً ومستداماً، فهل ترفع واشنطن الحصار أولاً؟ وهل يُفرج عن الأصول الإيرانية المجمدة؟ أو يسمح لطهران ببيع النفط؟ ومتى تبدأ إيران تخفيف القيود على الملاحة؟ وهل ترتبط هذه الخطوات بمفاوضات نووية تبدأ بالتوازي أم بعد تنفيذ التزامات محددة؟ وهل تتمسك إيران بمسار ملاحي قرب سواحلها مع رفض المسار العُماني؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يمكن قراءة تعديل المدة على أنه مناورة تفاوضية إيرانية، تهدف إلى إظهار المرونة في شأن الجدول الزمني، مع الحفاظ على المطلب الأساس وهو ألا تتخلى طهران عن ورقة مضيق هرمز، قبل أن تحصل على مقابل أميركي ملموس، فإبداء الاستعداد لتقصير الفترة الزمنية لا يعني بالضرورة التراجع عن ترتيب الالتزامات الذي تتمسك به إيران، وفي المقابل تريد واشنطن إدراج الملف النووي في بداية المفاوضات، بما يسمح لها بالحصول على التزامات إيرانية باكرة، قبل تقديم تنازلات اقتصادية وأمنية، وهكذا يبقى الخلاف قائماً في شأن نقطة البداية، فهل تُعالج آثار الحصار والمواجهة أولاً ثم يبدأ التفاوض النووي؟ أم تُقدم إيران خطوات نووية أولية ثم تحصل على تخفيف الضغوط؟
هذا الخلاف هو جوهر المأزق الدبلوماسي، فحتى لو اتفق الطرفان على مدة زمنية قصيرة لتنفيذ الخطة، فلن يكون لذلك أثر حاسم ما لم يتفقا على مضمون الالتزامات، وتسلسلها، وآليات التحقق منها.
رسالة فانس إلى رضائي: قناة تفاوض أم اختبار للنيات؟
تضيف التقارير المتعلقة برسالة جي دي فانس إلى محسن رضائي بعداً آخر إلى المشهد، فبحسب ما نقل عن مصادر أميركية وإيرانية، استهدفت الرسالة فتح قناة اتصال جديدة، وحثّ طهران على بدء مفاوضات مباشرة، مع إدراج الملف النووي منذ البداية على جدول الأعمال.
ويستحق اختيار رضائي التوقف عنده، بالنظر إلى خلفيته بوصفه قائداً سابقاً للحرس الثوري، وشخصية ذات حضور داخل المؤسسات الأمنية الإيرانية، لكن الأهم من هوية المرسل إليه ما تعكسه هذه الخطوة من إدراك أميركي بأن التعامل مع إيران لا يمكن اختزاله في القنوات الدبلوماسية التقليدية، وأن الوصول إلى مراكز النفوذ الأمني قد يكون ضرورياً لاختبار فرص التفاهم، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن نعد توجيه الرسالة إلى رضائي دليلاً على أنه أصبح صاحب القرار الوحيد في المفاوضات، أو أن دور وزارة الخارجية الإيرانية تراجع نهائياً، فالقرارات الإستراتيجية في إيران ترتبط بشبكة من المؤسسات ومراكز النفوذ، ويظل تأثير أي مسؤول مرهوناً بموقعه داخل هذه الشبكة، ومدى توافق مقترحاته مع حسابات القيادة.
وكذلك فإن خلفية رضائي المتشددة لا تعني أنه سيرفض التفاوض مع واشنطن بالضرورة، فالتشدد الأيديولوجي والاستعداد للتفاوض ليسا نقيضين في إيران، وقد أظهرت مواقفه في مراحل سابقة، وفق شهادات صحافية عن لقاءاته وتصريحاته، أنه أبدى استعداداً لبحث تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة في ظروف معينة، وهنا ينبغي التمييز بين الاستعداد للتفاوض والاستعداد لقبول الشروط الأميركية، فقد يقبل رضائي فتح قناة للحوار إذا رأى أن التفاوض يخدم المصالح الإيرانية، أو يخفف الضغوط، أو يمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، وقد يرفض مقترحاً بعينه إذا اعتقد أن كلفة تقديم التنازلات تفوق كلفة استمرار المواجهة.
ولذلك فإن السؤال كيف يوازن بين المصالح والكُلف وموازين القوى، فالقبول والرفض في السياسة الإيرانية لا يتحددان بالهوية الأيديولوجية وحدها، بل بتقدير القيادة الإيرانية ما يمكن الحصول عليه من التفاوض، وما يمكن أن تخسره إذا قدمت تنازلات من دون مقابل، أو ضمانات موثوقة.
أما من الجانب الأميركي، فقد تكون الرسالة محاولة حقيقية لاختبار إمكان الاتفاق، لكنها قد تخدم غرضاً سياسياً آخر، وهو أنه إذا رفضت طهران الشروط المطروحة أو تعثرت المفاوضات، فتستطيع واشنطن تقديم ذلك دليلاً على أن إيران لم تستجب للمسار الدبلوماسي، ولا يمكن الجزم بأن هذا هو الهدف الفعلي للرسالة، لكنه احتمال ينبغي وضعه في الحسبان، ما دام الخيار العسكري حاضراً في الخطاب والتحركات الأميركية.
ويتجاوز الخلاف بين واشنطن وطهران مضمون الملفات المطروحة إلى مسألة انعدام الثقة في تنفيذ الالتزامات، فإيران تخشى أن تقدم تنازلات نووية أو تتخلى عن ورقة مضيق هرمز، ثم تواجه ضغوطاً جديدة أو هجمات عسكرية بعد انتهاء التفاهم، والولايات المتحدة، من جانبها، تريد ضمانات بأن تخفيف الحصار والقيود الاقتصادية لن يمنح إيران فرصة لإعادة بناء قدراتها، من دون قيود نووية يمكن التحقق منها.
وإذا تعثرت الاتصالات الحالية، فستظل أمام واشنطن خيارات تراوح ما بين مواصلة الحصار والضغط الاقتصادي، وشن هجمات عسكرية محدودة، أو توسيع نطاق العمليات بهدف فرض تنازلات أكبر على طهران، لكن نجاح أي من هذه الخيارات لا يتوقف على حجم القوة المستخدمة وحده، بل على رد الفعل الإيراني، وما إذا كانت الضربة ستؤدي إلى احتواء المواجهة أو توسيعها.
قد تختار إيران امتصاص ضربة جديدة، وتجنب رد واسع، على أمل أن تمر المواجهة وتعود الأطراف إلى حال "لا حرب لا سلم"، وقد ترى أن الرد المحدود لا يكفي لاستعادة الردع أو منع تكرار الهجمات، فتتجه إلى رفع كلفة التصعيد على الولايات المتحدة ودول المنطقة، عبر الضغط على الملاحة أو استهداف مصالح إقليمية، أو توسيع نطاق المواجهة كما تهدد أخيراً.
ويبدو السيناريو الثاني أكثر اتساقاً مع الخطاب الإيراني الحالي، الذي يربط الردع بتحميل الخصم كُلفاً مستمرة، لكنه ليس نتيجة مؤكدة، إذ سيعتمد القرار الفعلي على حجم الضربة وأهدافها، وتقديرات القيادة الإيرانية للأضرار والقدرة على الرد، ومدى استعدادها لتحمل أخطار حرب أوسع.
ومع ذلك، فإن احتمال التصعيد لا يمكن استبعاده، مع اعتبار طهران أن الحرب لم تعد مجرد صراع على الملف النووي، أو شروط الملاحة، بل تهديداً لبقاء النظام وموقع إيران الإقليمي، ففي هذه الحال قد تنظر إيران إلى رفع كلفة الحرب على أنه وسيلة لردع هجمات مستقبلية، وفي الوقت نفسه فرصة لإعادة تموضع إيران إقليمياً، واستعادة جزء من النفوذ الذي تراجعت قدرتها على ممارسته خلال الأعوام الماضية.
ولا تزال الخلافات قائمة حول مضمون الاتفاق، وترتيب معالجة الملفات، وشروط فتح مضيق هرمز، ومستقبل البرنامج النووي، ونطاق التفتيش الدولي، والضمانات اللازمة لتنفيذ الالتزامات.
وفي النهاية، تكمن العقدة في السؤال الرئيس: ما الذي سيقدمه كل طرف؟ ومتى؟ ومن يضمن ألا يتحول الاتفاق إلى هدنة موقتة، تسبق جولة جديدة من الحرب؟ وما لم يجد الطرفان إجابة عملية عن هذين السؤالين، فستظل الدبلوماسية قائمة على حافة المواجهة، وسيبقى خطر الحرب حاضراً حتى لو ازدادت الاتصالات، وتعددت المبادرات الإقليمية.