Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"طرق متنوعة لقتل النمل" رواية الأسرة المشوهة

محمد الفولي يسائل السلطة الذكورية ويرصد تداعياتها النفسية والاجتماعية

لوحة للرسامة المصرية جاذبية سري (متحف الفن المصري)

ملخص

في روايته "طرق متنوعة لقتل النمل"، يدمج الكاتب المصري محمد الفولي بين قسوة الواقع وطرافة السرد الطفولي، ليفكك الزيف الاجتماعي ويزيل الأقنعة عن أنماط من البشر تنزع من البيوت دفئها، وتحولها إلى ساحات للحروب، فتتولد دوائر من العنف لا تنفك تعيد إنتاج ذاتها.  

عبر سياقات تاريخية مختلفة، استطاعت المجتمعات الأبوية تحويل الفروق البيولوجية بين الرجل والمرأة إلى تراتبية اجتماعية منحت الأول موقع السلطة والسيطرة وامتلاك القرار، مما أسفر عن نزعة ذكورية تسمح للرجل في كثير من الثقافات بادعاء الحق في العقاب وممارسة العنف، ولا سيما داخل الأسرة، سواء ضد الزوجة أو الأطفال. هذا الحق المزعوم الذي يمارس تحت مرأى المجتمعات ومسمعها، قاد إلى نتيجة صادمة خلصت إليها تقارير منظمة الأمم المتحدة التي تشير إلى أن هناك امرأة بين كل ثلاث نساء حول العالم تتعرض للعنف الأسري.

ولا تعكس هذه الإحصاءات حجم مآساة المرأة ومعاناتها وحسب، وإنما تشي بهول الخلل في محيط اجتماعي يطبع مع العنف ضدها ويبرره. ويبرر بالمثل العنف ضد الطفل باعتباره سبيلاً للتقويم والتربية. هذه القضايا يطرحها الكاتب محمد الفولي في روايته "طرق مختلفة لقتل النمل" (دار الشروق – القاهرة)، محاولاً الكشف عن العنف من داخل العالم الذي يصنعه، ومتتبعاً ما يخلفه من خلل في العلاقات، وما ينتج منه من آثار مدمرة.

الراوي الطفل   

يمنح الكاتب صوت السرد لطفل لا يتجاوز عمره 10 سنوات. ويخلق عبر اعتماده أسلوب السرد الذاتي وضمير المتكلم مفارقة بارزة، بين ما ينقله الراوي- الطفل من دون أن يستوعب دلالته وبين ما يفهمه القارئ، كاشفاً عن الهوة بين محدودية إدراك الصغير وفداحة ما يشهده، ومجسداً براءته في مقابل قسوة العالم.

واستجابة لطبيعة الراوي وعمره يحرص الكاتب على مراعاة مقتضى الحال، عبر إبراز ما يلتفت إليه الطفل- البطل، وما يغفله، وما يفهمه وما يسيء فهمه، وكذلك عبر مفرداته ولغته من دون أن يؤثر ذلك في تماسك البناء السردي، ولا في تنظيم الأحداث وإيقاع السرد، "سمعت ماما تبكي كثيراً وهي تتحدث مع الجدة. لامتها لأنها رمتها هكذا. ماما ليست كرة، والجدة ليست قوية كي ترفعها وترميها. أنا إمبراطور في اللغة العربية، لكنني على الأرجح عبيط في البلاغة. تقال أمامي أشياء كثيرة ولا أفهمها وأقول أشياء كثيرة لا أفهمها" (صفحة 34).

وبينما يحيل استخدام أسلوب الخطاب في بداية النص إلى محاولة لإشراك القارئ في لعبة السرد، يتبين في مرحلة لاحقة أن المخاطبين هم الضباط وجهات التحقيق، وأن سرد الطفل لم يكُن سوى اعترافات يدلي بها، مما تمهد له إشارة البطل في بداية الرحلة السردية إلى عجز لسانه عن النطق، واستعاضته عن الكلام بالكتابة بالقلم الرصاص، غير أن الكاتب يعمد إلى حجب الأسباب والملابسات، ويرجئ الكشف عنها. ويستثمر هذا الحجب في إضفاء هالة من الغموض والتشويق، من شأنها تعزيز حال الترقب لدى القارئ، ودعم صلته بالنص. ومن جهة أخرى يوظف تقنية التكرار لتأكيد خصوصية الطفل وعلاقته المميزة باللغة العربية، على نحو يفسر طلاقته وقدرته على السرد، في حين يدعم تكرار تأكيد البطل على صدقية ما يحكيه، موثوقية دوره كراوٍ حتى إن كان طفلاً.

قضايا وتأملات

يواصل الكاتب استخدام التكرار لتحقيق غايات سردية أخرى، من بينها إبراز قضاياه الرئيسة، ولا سيما التي تتصل بامتهان المرأة والطفل، إذ يخبر تكرار الإشارة إلى اختزال "الحاج فهيم" لدور النساء، عن نظرة ذكورية فوقية، "يقول الحاج فهيم إن هذه هي فائدة النساء الوحيدة: التكاثر" (صفحة 10)، "هكذا يفكر الحاج فهيم. هكذا فكرت أنا أيضاً. ماما؟ ماما لا تفكر، فالإناث موجودات فقط للتكاثر" (صفحة 29).

كذلك، يحيل تكرار الراوي في معرض حديثه عن أبيه عبارة "لا يراني"، إلى تثبيت شعوره بعدم اكتراث أبيه به، ولا بوجوده، وبحضور الأب داخل الأسرة باعتباره سلطة، لا باعتباره علاقة إنسانية تحقق الدفء والأمان، مما انعكس على شعور البطل بأبيه الذي ترجمه بتجنبه استخدام كلمة "أبي" طوال السرد، واستعاضته عنها دائماً باسمه المباشر "الحاج فهيم". ويكشف ذلك عن خلل جسيم في نسق تربوي شائع، يُعد الأبوة مرادفاً للصرامة والسيطرة، لا للحب والاحتواء، "توجهت لأصافحه. لم أقبله ولم أعانقه ولا شيء من هذا القبيل. هذه الأمور أيضاً ليست موجودة في معجمنا" (صفحة 22). كذلك يطرح الكاتب مشكلات تربوية أخرى مثل بشاعة العقاب في مقابل هوان الخطأ ونهي الطفل عن سلوك يمارسه الناهي نفسه أمامه!

ويواصل الفولي طرق قضايا متنوعة مثل خطورة عدم التوافق الاجتماعي والفكري بين الزوجين وسطوة المال التحرش وتسليع النساء وامتهانهن وتهميشهن وتطبيع المجتمع مع ما يمارس ضدهن من عنف. ويشتبك أيضاً مع قضايا ذات طبيعة ثقافية مثل إهمال اللغة العربية وعدم الاعتناء بها. ويجعل من وصف المجتمع الذي لم تشبه أبوابه الرديئة وأعمدته القبيحة تلك الصورة الزاهية في خيال البطل، معادلاً موضوعياً لذلك الإهمال. ويبرز عبر شخصية الراوي المهموم باللغة، وتأملاته اللغوية، بعض مفاتن اللغة العربية ومواطن الجمال فيها، فيرصد تنوع دلالات كلمة الضرب التي قد تحيل إلى العنف، وقد تستخدم للدلالة على ذكر أمثلة، وأيضاً للإشارة إلى نوع من أنواع العمليات الحسابية.

ويبرز المفارقة اللغوية التي تربط بين نزلة البرد وارتفاع درجة الحرارة. ويتطرق إلى بعض صور المجاز، ويقف كذلك عند غياب مفردة تدل على المفرد المذكر من النمل، وأيضاً عند عملية التنويم المغناطيسي التي تطلق على ممارسة لا وجود فيها لأي نوع من المعادن. وتنبئ تلك التأملات عن عقل فاحص قد لا يعي تعقيدات عالم البالغين، لكنه يمتلك فضولاً يدفعه للبحث، والوصول إلى المعرفة، ولا سيما عبر شبكة الإنترنت والذكاء الاصطناعي الحاضرين بقوة على مدى السرد، مما يتيح له رؤية العالم من زوايا غير مألوفة.

مركزية النمل

يحظى النمل بحضور مركزي داخل الرواية، يسهم بصورة مباشرة في تطور الحبكة وبناء الشخصية وتصاعد الأحداث، فيفجر عثور "الحاج فهيم" عليه في غرفة نومه شرارة العنف، ويدفعه إلى ضرب زوجته، مما يتسبب في عداء "وحيد" للنمل، بخاصة بعدما تسببت قرصة نملة في تورم ذراعه. كذلك يسهم حضور النمل في الكشف عن الأبعاد النفسية للبطل الذي يحول غضبه إلى النمل عن طريق الإزاحة. فكلما تعرض هو أو أمه للضرب، ابتكر طرقاً جديدة لقتله، تنوعت بين دهسه وصعقه وحرقه وإغراقه وتسميمه. ويضيء قتل الحشرة الصغيرة كيفية تولد العنف، وانتقاله من دائرة إلى أخرى، ومن طرف إلى طرف أضعف، "أمسكت بالحقنة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ركبت الإبرة ووضعت طرفها في الزجاجة، وسحبتها من الطرف الآخر لأملأها بالماء. ليس لدى النمل نبي يحذرهم من الطوفان القادم. لن يتمكنوا من صناعة سفينة. سيموت النمل الملعون بطوفاني" (صفحة31).

ومع تدفق الأحداث تصبح الحشرة نفسها محفزاً لخيال الطفل. وتكشف عن تحوله النفسي والأخلاقي تحت ضغط العنف. ويدفعه قتلها للانتقال من مساحة يملك فيها السلطة على تلك الكائنات، إلى مساحة أخرى يحاول من خلالها امتلاك السلطة على الشخص الذي يعجز عن مواجهته، بهدف الانتقام منه. وكما يوظف الكاتب حشرة النمل لتحقيق الكشف النفسي، يجعل منها نافذة تتسلل منها حمولات معرفية تتناول النمل، عاداته ومساكنه وعمله وتشريحه وفصائله، ويستدعي أيضاً معارف أخرى حول هتلر والنازية والحرب العالمية الثانية.  

شخوص معطوبة

عبر فخ من الطرافة والسخرية، يستدرج الكاتب قارئه إلى عالم معتلّ لا تخلو شخوصه من الاضطرابات النفسية، على نحو يتيح له تفكيك بنية العنف، وتتبع آثاره وعواقبه. يتتبع العطب الذي يبدأ من "الحاج فهيم" المصاب بسادية تجعله يبتسم حين يقدم على لسع ابنه بالمكواة، ولا يتورع عن جلده، وصفعه بسبب وبغير سبب، حد التسبب في اعوجاج فكه. ثم ينتقل إلى الأم المنطفئة والمنعزلة والمصابة بالاكتئاب نتيجة تعرضها للعنف البدني واللفظي من قبل زوجها، فتمارس بدورها الإزاحة على ابنها، تصفعه وتعود تعانقه وتبكي، ليواصل الابن "وحيد" ممارسة الإزاحة، فيبتكر طرقاً متنوعة لقتل النمل.

يدفعه شعوره بالذنب تجاه أمه بعد إدراكه أنه السبب الوحيد لتحملها العنف والاستمرار في الحياة مع أبيه، إلى استفزازها كلما تعرضت للضرب لكي تضربه وتهدأ وتستريح، وبعيداً من عينيها يمارس المازوخية فيمضي في إيذاء نفسه بجروح سطحية بأماكن متفرقة من جسده. أما العالم الخارجي، فلا يقل عطباً، فحين يقتل "نادر الملواني" زميلته في الجامعة "مريم" لأنها لم تقبل الارتباط به، يمضي فريق من الناس في لوم الضحية لا القاتل. يتهمونها بأنها فتاة لعوب أوقعت الشاب في حبائلها وغدرت به، فاستحقت القتل!

وتغدو كل هذه الصور من العطب النفسي محفزاً للصراع الذي ينشب بين الأب وزوجته، وبين "وحيد" والنمل وبين الفريقين المتعارضين حول الفتاة المقتولة وكونها بريئة أو مذنبة. ويحفز العنف والصراع مخاوف الطفل التي تنفذ إلى أحلامه وتحولها إلى كوابيس، فتتجسد في عبور هتلر إلى مناماته وفي تحوله إلى نملة يسحقها ذلك النازي الملطخ وجهه بالدماء، في حين يمهد حلمه بالمحكمة لما سيقترفه انتقاماً من أبيه.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة