ملخص
تعاني "سوق البيانات" قائمة كبيرة من الخروقات والأخطار، وتزداد احتمالات الخرق بفعل ثورة الذكاء الاصطناعي. وعلى رغم وجود قانون لحماية البيانات الشخصية، فإن نقص الوعي وغياب الآليات التطبيقية يسهمان في حرمان المواطنين من حقوقهم.
من دون سابق إنذار يتلقى اللبناني سيلاً من الرسائل النصية لعروضات وشركات كلها تقع ضمن النطاق الجغرافي لمكان إقامته. للوهلة الأولى، قد تكون تلك خطوة تسويقية بريئة، ولكن تشاء الصدف أن يستقبل الجمهور المتلقي نفسه رسالة من شركة متخصصة، تتضمن دعوة إلى التعاقد على 100 ألف رسالة لقاء بدل مالي زهيد.
وما يزيد الطين بلة أن يتلقى صاحب الهاتف اتصالاً من شركة لاستطلاع رأيه في قضية سياسية شائكة والتماس موقفه من "مشروع مرشح" في دائرته الانتخابية، فيما يُصر المتصل على عدم الإفصاح عن مصدر حصوله على الأرقام والبيانات الخاصة بالمواطن المُستفتى.
ويؤكد مواطنون لبنانيون أنهم "تلقوا اتصالات من أرقام مجهولة تطلب منهم تحريك سياراتهم من مكانها بحجة التضييق على الطريق، حيث أبلغهم المتصل أنه حصل على بياناتهم من خلال تطبيق يكشف هوية أصحاب أرقام السيارات".
تؤشر تلك المعطيات أعلاه إلى وجود ما يشبه سوقاً للبيانات في لبنان، وهو أمرٌ وإن كان مألوفاً ومتوقعاً في ظل الثورة الرقمية، وهو صورة رائجة من صور التسويق أو لجوء الدولة إليه لإجراء إحصاءات حول سلوك المواطنين واتجاهاتهم أو تحديد نمط الاستهلاك، إلا أنه يشي في المقابل بكثير من الأخطار حول انتهاك الخصوصية أو تزويد جهات أجنبية ببيانات المواطنين والمقيمين على الأراضي اللبنانية.
نمط منتشر
ينتشر في لبنان نمط تسويقي يعتمد على قاعدة البيانات التي تجمعها الشركات والمؤسسات التجارية من زبائنها، حيث تحرص المتاجر الكبرى على إنشاء بطاقات لتجميع النقاط أو إدخال أرقام هواتف المستهلكين على جهازها بهدف إرسال العروضات بصورة دورية أو إبلاغهم بنتائج السحوبات. ولكن سرعان ما يكتشف الجمهور أن سيلاً من الرسائل يأتيهم في المناسبات السنوية المختلفة والأعياد، مما يطرح علامات استفهام حول مشاركة تلك المؤسسات للبيانات والأرقام مع جهات أخرى من دون العودة للزبون نفسه. وبدأت وزارات لبنانية بإرسال رسائل إلى المواطنين وشرائح محددة منهم بهدف حضهم على دفع الضرائب، أو توعيتهم من أخطار بعض الأعمال الاحتيالية وإبلاغهم بمواعيد التحويلات الاجتماعية.
جرس الإنذار
يستبطن هذا النهج انتهاكاً لأمن المعلومات والبيانات الشخصية، ولكن تتضاعف الأخطار في ظل الثورة الرقمية، وإمكان الولوج واختراق بيانات الملايين من المستخدمين.
فيما "تصر الدول الغربية على ملاحقة الشركات الكبرى عند خرقها لخصوصية البيانات أو انتهاك الحقوق الرقمية للمواطنين، ويفرض القضاء غرامات بمئات الملايين من الدولارات وخير دليل ما نجم عن محاكمة شركة ’ميتا‘ في فرنسا"، حسب متخصص الأمن الرقمي محمد بكر عبيد، الذي يقر بأن شركات التواصل الاجتماعي تفرض على المستخدم الاستغناء عن مساحة كبيرة من الخصوصية لقاء استخدام التطبيق.
وفي تفاصيل محاكمة شركة "ميتا" في فرنسا، اتهمت مؤسسات إعلامية إلى المحكمة التجارية في باريس، "ميتا" بتحقيق أفضلية تنافسية غير مشروعة من خلال استخدام البيانات الشخصية لمستخدمي "فيسبوك" و"إنستغرام" في الإعلانات الموجّهة، من دون الحصول على موافقة قانونية صالحة وفق قواعد حماية البيانات الأوروبية.
ويتحدث عبيد عن مستويات عدة للمسائل التي تطلب الشركات تجاوزها، التي تبدأ بتنازل المستخدم عن المعلومات الشخصية التي يُدخلها في معرض إنشاء الحساب أو التطبيق، ويمنحها حق الاطلاع عليها لمدة محددة، ولكن قد تطلب تلك الشركات من المستخدم الإقرار بحقها في مشاركة المعلومات مع منصات أخرى صديقة لها، منبهاً أن "المستوى الأكثر خطورة هو طلب حق الولوج والاطلاع على ما يتضمنه الغاليري ومضمون الهاتف، وتتضاعف الخطورة عند تنازل المستخدم للتطبيق عن خصوصية الجلسات الخاصة وإعطائه الحق بتفعيل الميكروفون مثلاً".
إسرائيل حاضرة في الكواليس
يلفت عبيد إلى خروقات واسعة للمجتمع اللبناني من تطبيقات إسرائيلية، تمتلك القدرة على الولوج إلى الكاميرا والغاليري والمشاركة مع تطبيقات أخرى، وهو ما يؤشر إلى استخدامات عدة لتلك المنصات، لافتاً إلى "قدرة كبيرة للمنصات الرقمية على تتبع المستخدمين، وتحديد وقت الذروة والتفضيلات المشتركة ونمط الاستخدام المكثف وعمليات البحث وأماكن الوجود.
يُبَشر محمد بكر عبيد بقرب الانتقال الكامل إلى "الأجهزة المُتحَكَم بها بواسطة الذكاء الاصطناعي والروبوتات الواعية التي قد تبلغ مرحلة تخرج عن سيطرة الأفراد والمبرمجين"، حيث سيضطر المستخدم إلى منحه الدخول التام للأجهزة والتحكم بها والتفتيش في الملفات والاطلاع على جميع المحفوظات والوسائط على الجهاز الشخصي، مما سيجعل الناس أكثر عرضة لاختراق البيانات وانتهاك الخصوصية. ويتحدث عن "انغماس الطلاب والباحثين في عالم الذكاء الاصطناعي والأدبيات المتفرعة عنه، والخوض في عمليات بحث معمَقة والتفكير بأنماط مختلفة إلى حدود مخيفة"، مستدركاً أن "حقوق الملكية والبيانات الشخصية والمؤلفات قد تكون عرضة للانتهاك في معرض تدريبات لأنماط جديدة من الذكاء الاصطناعي، لذا يُفضل أن يقوم الباحثون بأعمالهم الدقيقة والخاصة من خلال أجهزة أوفلاين غير موصولة على الشبكة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
سوء استخدام صريح
خلال الأعوام القليلة الماضية، وفي أعقاب الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان عام 2019، انتشرت ظاهرة إنشاء المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني لمنصات بغية ملء بيانات المواطنين، وإعطائهم الأولوية في المساعدات المالية والاجتماعية.
وكانت تطلب معلومات دقيقة ومسهبة عن كل عضو من أعضاء الأسرة المشاركة، بما فيها المعلومات الأكثر خصوصية عن الدخل، والوضع العائلي، والحالة الاجتماعية، والملف الصحي. وهنا يؤكد محمد بكر عبيد على أن "تلك الإجراءات كان يجب أن تتم على قواعد بيانات وسيرفيرات – خوادم- تابعة للدولة وأن تكون محمية من عمليات الاختراق، وهو أمرٌ غير مضمون عندما تُملأ على خوادم أجنبية لا تُديرها الدولة اللبنانية بالكامل".
وينبه من "خطورة متزايدة على البيانات الناجمة عن حركة الاتصالات والمحادثات واحتمال مشاركتها مع جهات مختلفة دون موافقة المستخدم"، مشدداً على أنه "في غياب قواعد الحوكمة والشفافية ستبقى بيانات المواطنين عرضة للاختراق والمشاركة الاعتباطية"، متسائلاً "ما الضمانة لعدم مشاركة بعض الشركات الكبرى لبيانات المواطنين وأنماط الاستهلاك والخصوصية ومحددات الأذواق والميول السياسية؟".
ويتطرق إلى "وجود أشخاص يعرضون قواعد بيانات لسكان مناطق محددة على المؤسسات في المناطق أو حتى جهات حزبية. وهو ما يشي بوجود خروقات على نطاق واسع لقواعد بيانات البلديات والمؤسسات العامة في أكثر من منطقة لبنانية، تنذر بوجود مزيج من الفساد والغايات السياسية وشيء من الغباء وعدم احترام خصوصية بيانات المواطنين".
ينبه عبيد إلى ضرورة اعتماد إجراءات للحفاظ على أمن البيانات، فمن جهة لا بد من حمايتها من السرقة على غرار ما جرى مع مستخدمي "واتساب" في لبنان أو غيرها من المنصات، ومن ثم اعتماد الإجراءات التقنية والتحقق الثنائي أو المتعدد من الحساب، ومن ثم تقييد أو حذف التطبيقات التي تطلب التحكم بمزايا وخدمات الهاتف. ولا بُد من إيجاد أُطر قانونية وتشريعية لحماية البيانات والحفاظ على خصوصية المواطنين.
القانون وحماية الخصوصية؟
يلعب القانون دوراً كبيراً في حماية البيانات الشخصية وتكريس احترام خصوصية الأفراد. ويُطرح السؤال حول نطاق حماية البيانات الشخصية لبنانياً، وموقع النص الدستوري والتشريعات المتخصصة من حمايته.
يؤكد الدكتور وسام العميل المتخصص القانوني أن "ملف حماية البيانات الشخصية في لبنان حظي باهتمام تشريعي، ولكنه ما يزال دون مستوى المعايير والتشريعات الدولية الحديثة، مثل اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات، وعلى رغم إقرار قوانين متخصصة، فإن القوانين تعاني نقصاً تنظيمياً يجعل الحماية غير مكتملة الفاعلية". حيث أقر المشرع اللبناني عام 2018 القانون 81، المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، وهو تشريع تشوبه كثير من العقبات على المستوى التطبيقي وأرض الواقع.
ويشدد على أنه على الصعيد الدستوري، لا يتضمن الدستور اللبناني أي نص صريح أو مباشر يتعلق بـ"حماية البيانات الشخصية" أو "الحقوق الرقمية"، مستدركاً "مع ذلك، تؤمن المنظومة الدستورية حماية غير مباشرة من خلال مقدمة الدستور التي تؤكد التزام لبنان بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتكـريس الـحـق في الخصوصـية انطلاقاً من المادة 12. والمادة 14 من الدستور، نصت على أن "للمنزل حرمة ولا يجوز الدخول إليه إلا في الأحوال المبينة في القانون"، وحسب الدكتور العميل "تقاس إليها فقهياً وقضائياً حماية الفضاء الخاص الافتراضي والاتصالات والمراسلات".
نقص الوعي
يشكل نقص الوعي بمسائل الخصوصية وحقوق المواطنين عائقاً كبيراً أمام تحقيق الحماية القانونية الفعالة، ويلفت الدكتور العميل إلى أن "هناك حاجة لتدخل تشريعي يواكب التطور التكنولوجي للحد من المخالفات"، مضيفاً "لا يمكن للقانون حماية أفراد يجهلون حقوقهم أو يتنازلون عنها بصورة طوعية نتيجة غياب الوعي الرقمي والقانوني".
يشرح العميل "كيف يعوق نقص الوعي الحماية القانونية؟"، من خلال الموافقة غير المستنيرة، عندما يوقع معظم المستخدمين على سياسات خصوصية معقدة وشروط استخدام طويلة من دون قراءتها أو فهم أبعادها، مما يمنح الشركات غطاءً قانونياً "ظاهرياً" لجمع بياناتهم واستغلالها.
ويتطرق إلى عامل آخر يكمن في "عدم اللجوء إلى الملاحقة القضائية"، حيث يؤدي الجهل بالقوانين المرعية الإجراء إلى عدم تبليغ المواطنين عن المخالفات. ناهيك عن "التهاون في مشاركة البيانات، وغياب الوعي حول بصمة البيانات، مما يجعل الأفراد يشاركون معلوماتهم الحساسة على المنصات العامة، ويسهل اختراق خصوصيتهم وهندستهم اجتماعياً".
ملاحقة عابرة للحدود
فتحت الثورة الرقمية الباب واسعاً أمام الخرق الواسع للبيانات والخصوصية من قبل المنصات والشركات العالمية. وهو ما يقود إلى الحديث عن إمكان ملاحقة تلك الجهات صاحبة الهوية الكونية. يرى الدكتور وسام العميل أن "الغرامة المالية تعد الأداة النموذجية للتعامل مع الشركات العالمية، وتختلف قيمة الغرامات بحسب القوانين الإقليمية، وتحديداً عبر الاتحاد الأوروبي. ويتيح قانون حماية البيانات العامة فرض غرامات تصل إلى 20 مليون يورو أو أربعة في المئة من إجمال الدخل السنوي العالمي للشركة، وقد فرضت على شركات مثل "ميتا "و"غوغل" و"أمازون" بالفعل غرامات بمليارات الدولارات بموجب هذا القانون.
أما في الولايات المتحدة، فتملك لجنة التجارة الفيدرالية صلاحية فرض غرامات بمليارات الدولارات بناء على انتهاك شروط الخصوصية والتعهدات الحمائية، على غرار غرامة الـ5 مليارات دولار الشهيرة التي فرضت على "فيسبوك" في قضية كامبريدج أناليتيكا.
يشير العميل إلى أن العقوبات لا تقتصر على الغرامات المالية فقط، بل يمكن أن تشمل إجراءات قضائية على عمل الشركات، في مقدمها "حظر معالجة البيانات"، وإجبار الشركة على التوقف الفوري عن جمع أو معالجة أو نقل بيانات مستخدمي منطقة معينة. بالإضافة إلى الأمر بحذف البيانات، وإلزام الشركات بمسح البيانات التي جُمعت بطرق غير قانونية، بما في ذلك خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تدربت على تلك البيانات.