ملخص
بعدما لاحظت تراجع ذاكرتها وتركيزها بسبب الإفراط في استهلاك المقاطع القصيرة، قررت صحافية إخضاع عاداتها الرقمية لحمية خاصة استمرت شهراً، استبدلت خلالها المحتوى السطحي بالأخبار والألغاز. والنتيجة لم تقتصر على تقليص وقت الشاشة إلى النصف، بل شملت تحسناً ملاحظاً في الذاكرة والاستدلال اللفظي والتواصل مع الآخرين.
أدركت أن خللاً خطراً أصاب ذاكرتي حين عجزت عن تذكر مؤلف "غاتسبي العظيم" The Great Gatsby، فقد تعمقت في دراسة رواية الكاتب الأميركي فرنسيس سكوت فيتزجيرالد الصادرة عام 1925 في المدرسة، ثم عدت لقراءتها خلال دراستي الجامعية، إذ حصلت على إجازة جامعية بمرتبة الشرف الأولى في الأدب الإنجليزي من إحدى جامعات "مجموعة راسل". ومع ذلك، وجدت نفسي، بعد سبع سنوات، في مسابقة للمعلومات العامة، عاجزة تماماً عن استحضار اسم مؤلف أحد أشهر الأعمال الأدبية في القرن الـ20.
بصراحة، شعرت وكأنني أفقد عقلي تدريجاً! سواء أكنت أنظف أسناني أم أحضر اجتماعاً، كنت أجد صعوبة متزايدة في انتزاع عيني من سيل المقاطع القصيرة التافهة التي كانت خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تدفعها إلي بلا توقف. والأسوأ أن هاتفي كان يدرك ذلك بطريقة ما، فكلما اقترب الليل وازدادت وطأة النعاس، ازداد المحتوى الذي يعرض علي سطحية وعبثية: شخصيات من الفاكهة مولدة بالذكاء الاصطناعي تؤدي أدواراً في مسلسل ميلودرامي، ومقاطع فيديو واسعة الانتشار من نوع "الاستجابة الحسية الذاتية" (اختصاراً ASMR) [إحساس بالاسترخاء أو الوخز اللطيف استجابة لأصوات أو مشاهد معينة] تطلب مني الاختيار بين غرف نوم مصنوعة من كعكة الجبن بالفراولة أو من هلام قوس قزح متمايل. كان الأمر أشبه بتعاطي عقار مهلوس، من دون أن أكتشف شيئاً على الصعيدين الشخصي أو الروحي.
ومعلوم أن العالم الحديث يجعلنا أكثر غباء، في المتوسط يلجأ الفرد إلى محرك بحث "غوغل" بين ثلاث وأربع مرات يومياً، فيما يستخدم 76 في المئة من البالغين أدوات الذكاء الاصطناعي، ولو من حين إلى آخر، في يوم عادي. علاوة على ذلك، يبلغ متوسط الوقت الذي يمضيه الناس حول العالم أمام الشاشات نحو ست ساعات و40 دقيقة يومياً، أي ما يعادل 42 في المئة تقريباً من وقت اليقظة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكلما زاد تعرض المرء للمقاطع القصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، تراجعت مهاراته المعرفية. فالانتباه، وضبط الاندفاعات، واللغة، والذاكرة، والذاكرة العاملة، كلها تتأثر سلباً. ومن جهتي، كنت أعلم أن قدراتي المعرفية تتدهور بوتيرة مقلقة، حتى في الأوقات التي لا أكون فيها منشغلة بتصفح تلك المقاطع.
بغية التحقق من ذلك مرة أخرى (فلماذا قد أثق بدماغي أنا، والحال هذه؟)، خضعت لاختبار "الذكاء البريطاني الكبير" Great British Intelligence Test، الذي أعده باحثون في "إمبريال كوليدج لندن". واللافت أن التحديات والاستبيانات أظهرت أن نتائجي في اختباري الانتباه والاستيعاب اللفظي كانت ضمن أفضل 20 في المئة بين الأشخاص في مثل سني (30 عاماً). ولكن ذاكرتي القصيرة ونظيرتها المتوسطة الأمد حلتا بوضوح ضمن أدنى 30 في المئة، يبدو أن الكلام يدخل من أذن ويخرج من الأخرى.
التجربة
كان الحل البسيط، بالطبع، أن أتوقف عن استخدام هاتفي. ولكني، شأن غالبية الناس في العالم، مدمنة تماماً على تلك الشاشة الصغيرة اللعينة. وكان واضحاً أن قدراتي المعرفية لم تعد في حال تسمح لها بأداء وظائفها كما ينبغي، لذا بدا منطقياً أن الوقت قد حان لاتباع "حمية إعلامية"، لا بتقليص الوقت الذي أمضيه أمام الشاشة، بل بتحسين نوعية المحتوى الذي أستهلكه.
من أجل الحفاظ على سلامة دماغي، قررت الاستعاضة عما اعتدت استهلاكه عبر الشاشة ببدائل أكثر فائدة (فأقلل من استخدام "تيك توك" وأزيد من لعب "ووردل" [لعبة ألغاز يومية لتخمين كلمة من خمسة أحرف]، وأستمع إلى بودكاست أخباري بدلاً من برامج النميمة). وبعد 30 يوماً، سأخضع مجدداً لاختبار "الذكاء البريطاني الكبير" علني أرصد أي تحسن في نتيجتي في اختبار الذاكرة، التي كانت أدنى من المتوسط بأشواط.
المنهج
بدأت بمراجعة الوقت الذي أمضيه أمام الشاشة، فوجدت أن متوسطه يبلغ نحو ست ساعات يومياً. وتوصي كبرى المنظمات الصحية بألا تتجاوز السعرات الحرارية المتأتية من الدهون المشبعة 10 في المئة من إجمالي السعرات الحرارية اليومية. ولو طبقت القاعدة الغذائية نفسها على استهلاكي المحتوى الإعلامي، لكان علي ألا أمضي أكثر من 36 دقيقة يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي.
لتحقيق ذلك، حددت على هاتفي مدة قصوى لاستخدام "إنستغرام" (16 دقيقة) و"تيك توك" (20 دقيقة)، ثم حرصت على إضافة بعض برامج بودكاست التي تتناول الشؤون الراهنة إلى قائمة اشتراكاتي على الخدمة الرقمية "سبوتيفاي"، إلى جانب برامجي الحوارية المعتادة عن الثقافة الشعبية المعاصرة (ثقافة البوب) والعلاقات، التي اعتدت تشغيلها لملء الصمت في الخلفية.
النتائج
في بداية الحمية الرقمية، شعرت بالإحباط. كنت أستنفد الوقت المخصص لوسائل التواصل الاجتماعي بسرعة، فأجدني مضطرة، بحلول منتصف بعد الظهر، إلى متابعة الأخبار وحل الكلمات المتقاطعة، ولم يكن ذلك سيئاً في حد ذاته. كنت أقرأ كتاباً كل أسبوع، لكنني بدأت أقترب من قراءة كتابين أسبوعياً، بعدما أتاح لي توفير ساعة قبل النوم مزيداً من الوقت للقراءة.
بحلول الأسبوع الثاني، بدأت وسائل التواصل الاجتماعي (على نحو يبعث على الدهشة) تفقد شيئاً من جاذبيتها في نظري. وكان ذلك أشبه بما يحدث حين يمتنع المرء عن تناول السكر بضعة أسابيع، ثم يتذوق الحلوى ذات مساء، فعندما عدت لـ"تيك توك" و"إنستغرام"، بدا المحتوى فجأة أعلى ضجيجاً، وأشد سطوعاً، وحلواً أكثر مما ينبغي.
في المقابل، أعادت برامج البودكاست، ولا سيما برنامج "توداي إن فوكس" (Today in Focus)، إيقاظ رغبتي في التعلم بمبادرة شخصية وفي أوقات فراغي. لم يعد اهتمامي مقتصراً على أحدث الخلافات التي تشعل الإنترنت أو إطلاق منتج جديد، بل امتد إلى شبكات التجسس الدولية والأبعاد الأخلاقية لتنفيذ أحكام الإعدام علناً. أي إلى قضايا تجري بالفعل في العالم الحقيقي، بعيداً من ضجيج العالم الافتراضي.
مع أنني لم أسع قط إلى الحد من الوقت الذي أمضيه في تصفح هاتفي، وظل "واتساب" و"بينترست" وغيرهما من تطبيقات تستنزف الوقت متاحة لي، أخذ اهتمامي بالهاتف يتضاءل، وصرت تدريجاً أقل تشتتاً به. ومن غير أن أخطط لذلك تقريباً، انخفض الوقت الذي أمضيه أمام الشاشة إلى النصف، تحديداً من ست إلى ثلاث ساعات.
في ما يتعلق بالطعام، يشير الخبراء إلى أن الاستغناء عن الوجبات الخفيفة غير الصحية يساعد في خفض استهلاك الأطعمة الفائقة المعالجة إلى نصف الكمية. ويبدو أن المبدأ نفسه ينطبق هنا: قلل استخدامك وسائل التواصل الاجتماعي، ينخفض إلى النصف الوقت الذي تمضيه أمام الشاشة، من دون أن تبذل جهداً يذكر.
ولكن أفضل ما أسفرت عنه التجربة ظهر في أحاديثي مع الآخرين، فقد شعرت بأن ذهني صار أكثر حدة، وأنني أصبحت أكثر انتباهاً وتفاعلاً، مع تحسن قدرتي على التواصل البصري. وصرت ألتقط التفاصيل الصغيرة في القصص التي يرويها الآخرون، وأستحضرها لاحقاً في سياق الحديث، بدلاً من أن أتلعثم وأنا أحاول تذكر الوقائع الأساسية.
إذاً، نعم، شعرت بتحسن. ولكن هل يصنع شهر واحد فارقاً حقيقياً في نتيجتي في اختبار الذكاء البريطاني الكبير؟
الخلاصة
الإجابة المختصرة نعم، وبفارق واضح. فقد تغير شكل المخطط الشعاعي الذي يبين نقاط قوتي وضعفي المعرفيين، حتى بات مختلفاً بوضوح عما كان عليه، لكن التحسن الأكبر طرأ على ذاكرتي المتوسطة الأمد. فقبل شهر، كانت نتيجتي تضعني ضمن أدنى 30 في المئة من فئتي العمرية، أما الآن، فقد أصبحت أعلى بقليل من المتوسط.
أما في الاستدلال اللفظي، فارتفعت نتيجتي من مستوى أدنى بقليل من المتوسط إلى مستوى يضعني ضمن أفضل 20 في المئة، فيما ارتقت نتيجتي في الذاكرة العاملة المكانية من ضمن أدنى 30 في المئة إلى ضمن أفضل 40 في المئة. لذا، يمكن القول بثقة إن قدرتي على الاحتفاظ بالمعلومات قد تحسنت.
ولكن ذاكرتي القصيرة الأمد لم تتحسن بعد، إذ ما زلت ضمن أدنى 30 في المئة من فئتي العمرية. ومع ذلك، من يدري؟ إذا كنت قد أحرزت تحسناً كبيراً إلى هذا الحد في مجالات أخرى خلال شهر واحد فقط، فربما أستعيد، بحلول هذا الوقت من العام المقبل، لياقتي المعرفية التي كنت أتمتع بها قبل أن يبدأ التمرير اللانهائي على وسائل التواصل الاجتماعي في استلاب ذهني.
© The Independent