Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ثلاثة شعراء عراقيين يكتبون تراجيديا الواقع بروح شفيفة

قصائد تعكس انهيار العالم في دواوين عبود الجابري ومازن المعموري وعلي العطار

لوحة للرسام العراقي شاكر حسن آل سعيد (متحف الفن العراقي)

ملخص

في مجموعاتهم الجديدة، يبحر ثلاثة شعراء عراقيين معاصرين في فضاءات المحنة والألم، ناسجين بكلماتهم الحمراء ملاحم من نار ودم وضوء منكسر، ومازجين تاريخ الفجيعة منذ القدم، بجغرافيا الحاضر المأسوي.

لا يغفل الشعر العراقي الراهن خصوصية واقعه المفتوح على جراحات الحروب والصراعات والانقسامات والنزوح عن الوطن الغارق في ويلاته وأزماته وإحباطاته. يسرد الشعر تراجيديا عصره الحافل بالانهيارات والتصدعات الكبرى، بأصابع متفجرة، لا تكتفي بالنزف المجاني السلبي، ولا تقف عند حد المرثيات الفجائعية، والتباكي الاستسلامي.

تنهض نثارات الشعر ومراياه المهشمة وقصاصاته المحترقة كطائر الفينيق المبتعث من تحت الرماد، لتنتج عملية الكتابة وتعيد دورة الحياة من جديد. تستشرف النصوص المتجددة آفاقها التعبيرية من نوافذ الخنادق والمخابئ والملاجئ، تقتبس أنفاسها الحرة من فتحات التهوية. تتعاطى القصائد مع كل ما يدور حولها بجرأة وقدرة على الاستبسال والمقاومة تارة، وبسخرية وإنكار لمرارة الحقيقة تارة أخرى. تتفاعل مع أنقاض العالم وظلاله وآثاره مرة، وتأخذها الرغبة المحمومة مرة أخرى إلى تشكيل عوالم بديلة موازية، خارج معطيات الأمكنة والأزمنة.

في خضم هذه الطقوس المتوترة، والحالات البرزخية، والتناقضات بين الممكن والمستحيل، والكائن والمأمول، والحقيقي والمتخيل، تأتي ثلاثة دواوين صدرت حديثاً لشعراء عراقيين من أجيال متعاقبة في ميدان قصيدة النثر، هي: "فحم أبيض" للشاعر عبود الجابري (الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة "الإبداع العربي")، "طفل متروك على شرفة" للشاعر مازن المعموري (مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع)، "الماكنة" للشاعر علي العطار (دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر).

عبود الجابري... فحم أبيض

في ديوانه "فحم أبيض"، يواصل الشاعر عبود الجابري (1963-..)، المقيم في الأردن منذ عام 1993، حفر منجزه البارز في حركة قصيدة النثر العربية الراهنة. يدخل صاحب المجموعات الشعرية "فهرس الأخطاء" و"يتوكأ على عماه" و"متحف النوم" و"فكرة اليد الواحدة" و"تلوين الأعداء" وغيرها، في عمله الجديد، منذ عنوانه حتى نهايته، في اتخاذ التضاد مطية لإيجاد رؤية مكتملة، لإثبات وجود الأشياء، أو محوها، من خلال أضدادها.

تكتسب الحياة معناها النموذجي، فقط إذا كانت درعاً واقية من كل أذرع الموت الأخطبوطية، ويبلغ الموت أقصى مدى من القسوة إذا ابتلع في جوفه الحياة بكامل هيئتها وتجلياتها. وما بين الأبيض الناصع، والأسود الحالك، تكمن مفاتيح البقاء على وجه الأرض حتى النهاية في تلك القدرة على الإمساك بالتفاصيل، والتشبث بأية قشة ملموسة، إذا لم يبق القتلة لأحد شيئاً يمكن ابتكاره، فثمة حياة سرية مثلاً يمكن تمجيدها والانتماء إليها، هي تلك التي "لم تكتب لجندي شجاع"، وثمة سعادة خفية لا تزال تدخرها الحديقة "بعيداً من التفكير بما يأكل أبناؤها".

تحمل الحرب في تجربة عبود الجابري تاريخاً طويلاً من الجرائم الوحشية، والعبث الذي يدين مفهوم الإنسانية ذاته، خصوصاً إذا بقيت تلك الحرب كنتيجة منفصمة عن مقدماتها، وظلت تتمخض عنها فظائع أخرى من صراعات وانقسامات وفتن غير مبررة، وموجات تنكيل وتهجير وتشريد، وصور لا نهائية من العنف والقهر وإنتاج الخوف والقلق والزيف، واقتناص آخر ما يتبقى من الحب.

يوسع الشاعر حدود الحرب، وفصول الكراهية، لتغدو أسطورة كبرى سوداء، تملأ الفراغ الكوني كله، لا الخريطة العراقية وحدها. ولا يقود الضجر في نهاية المطاف إلا إلى كسر مزيد من الجرار، من دون هدف، وبلا فائدة. وعلى رغم العجز البشري، فإن هناك من المفاجآت المخبوءة ما قد يلون المشهد ببارقة أمل "كلما ضجرت من نفسي، كسرت ورائي جرة/ ودون أن أنتبه، كسرت ذات يوم عصيب، جرة عامرة بالماء، فابتلت عروق الطريق".

مازن المعموري... طفل على شرفة

ويقترح الشاعر مازن المعموري (1970-..) في ديوانه "طفل متروك على شرفة" إمكان مشاكسة لحم الواقع، وتجاوز إحداثيات تراجيدياته الجاثمة على الصدور، عبر ذلك الخلاص الكوميدي إذا جاز التعبير، حيث تحضر الفانتازيا مشحونة أحياناً بالتهكم الساخر أو ممسوسة باللهو الجنوني "طلبت من أبي ذات یوم أن یشتري لي سیارة، وھو یحملني على دراجته الھوائیة/ قال لي: سأشتري لك طائرة عندما تكبر/ وقد فعل، حین قدم لي طائرة ورقیة نھایة العام الدراسي/ وقال لي: یمكنك أن تتسلق خیطھا عندما تحلق عالیاً".

ويذهب صاحب "كتاب الموتى" و"حب مطلق" و"كائنات سرية" وغيرها من المجموعات الشعرية في إصداره الجديد، من خلال سلسلة مشاهداته الطفولية، إلى أن حطام الأبنیة لا یعني نھایة العالم، ولكنه نھایة الولادة، راضياً بأن تكون الغيمة مسكنه الوحيد للارتقاء فوق مستوى التخبط والضياع. ثمة علاقة سحرية بين الذات الشاعرة والغيمة، تسمح بأن يتماهى كل منهما في الآخر "خلف النافذة عبر السماء، غیمة بیضاء، تحمل طاولة مصنوعة من خشب الصنوبر القاتم، وعلیھا كوب قھوة ساخن/ اقتربت من النافذة، فمددت یدي نحو الكوب/ الزجاج یفصلنا، لكن جسدي یمر".

أما الحرب التي لا تقبل التأجيل، وجثث القتلى النابتة كالأشجار في كل مكان، وأشباح الواقع الكابوسي، فالتاريخ وحده كفيل بالإبقاء عليها أو بتغييرها إذا شاء، فيما لا يملك الكائن البشري المسالم سوى الانتظار "یفعل التاریخ على ھذه الأرض كل شيء، حتى الجسور والأماكن/ تقول كتب التاریخ: إن جیوش فلان ستفعل كذا، وجیوش فلان ستفعل كذا/ ونحن ننتظر ما یفعله التاریخ، لیس لأنه صحیح، بل لأنه الحل الوحید لتغییر الواقع".

علي العطار... الماكنة

وينحو الشاعر علي العطار (1996-..) في ديوانه "الماكنة" صوب تلك الرؤى التي تتبنى ألينة الفعل الإنساني، وحركة الحياة عموماً بما فيها الحرب، في عالم مفرط في المادية والانتهازية والتخطيط الميكانيكي المسبق "سقط الجلد على الجلد، وزيف معنى الحرارة/ هكذا خلقت الماكنة من جسدي".

ويطعم الشاعر تجربته بإطلالات ثرية على الموروث الفلسفي والأسطوري والملاحم القديمة الحافلة بالمذابح والصراعات والخيانات، وكأنما التاريخ يعيد نفسه بكل ما أوتي من ضراوة، والأيام المحملة بالجفاف والجفاء تكرر ذاتها، فيما يظل الكائن الآدمي باحثاً عن جوهره المتفرد خارج أطر النمذجة والهندسة "أحن إلى رجفتي وبكائي، وأريد وضع النباتات في سرها، وأقولب نفسي على قدرها".

وعلى رغم انتشار ممارسات الاستئساد والترويض في عالم يهيمن فيه القوي على الضعيف، فإن شرارة عاطفية تبقى متقدة داخل صدر الإنسان، تلهم مشاعره وتستثير حواسه وإرادته الحرة، وهي السبيل إلى التفرقة بينه وبين التماثيل الصماء "أقنعوه/ رغم نظارة يرتديها، تترك حزاً بسيطاً على صدغيه/ أن يهز صندوق رأسه للموسيقى/ وأن يحب البلاد/ ويكتب بعض الكلام الرديء".

المزيد من ثقافة