ملخص
تواجه إيران شتاء مثقلاً بأخطار انقطاع الغاز والكهرباء، في ظل تضرر منشآت الطاقة ونقص وقود محطات التوليد، وتكشف الأزمة فجوة بين ثروات البلاد من النفط والغاز، وقدرتها على تأمين إمدادات مستقرة للسكان.
مع اقتراب فصل الشتاء، أثارت تحذيرات مسؤولي النظام الإيراني من احتمال انقطاع الغاز والكهرباء، في وقت واحد، مخاوف متزايدة من اضطراب واسع في حياة السكان.
وتُبرز السلطات الحكومية الأضرار الناجمة عن الحرب الأخيرة التي استمرت 39 يوماً، وارتفاع الاستهلاك، بوصفهما سببين لهذا الوضع، غير أن أزمة إمدادات الطاقة في إيران كانت قد ظهرت قبل الحرب الأخيرة بأعوام، من خلال انقطاع الكهرباء، وفرض قيود على إمدادات الغاز للصناعات، ونقص وقود محطات توليد الكهرباء.
ويحذّر مدير العلاقات العامة في نقابة صناعة الكهرباء، سالار واعظي، من انخفاض إمدادات الغاز بمقدار 13 مليار متر مكعب، مقارنة بالعام الماضي، وكتب أن بعض المدن قد تشهد انقطاع الغاز والكهرباء، في وقت واحد، خلال الشتاء، محذراً من عدم كفاية الوقود في خزانات محطات الكهرباء.
وتحدث النائب الأول للرئيس مسعود بزشكيان، محمد رضا عارف، خلال اجتماع للمجلس الاقتصادي أمس الإثنين، عن تضرر طاقة إنتاجية للغاز تبلغ 230 مليون متر مكعب، وأعلن أن الحكومة تسعى إلى زيادة الأسعار على المشتركين مرتفعي الاستهلاك، مهدداً بقطع الغاز عنهم إذا لم ينتبهوا إلى حجم استهلاكهم.
في الوقت نفسه، رأى رئيس "منظمة التخطيط والموازنة"، حميد بور محمدي، أن الحفاظ على استقرار الشبكة خلال موسم البرد يتطلب خفض الاستهلاك بنسبة تراوح ما بين 10 و15 في المئة، وكان بور محمدي قد حذر سابقاً، في حديث تلفزيوني، من أن انخفاض ضغط الغاز قد يؤدي إلى انقطاعه عن مدينة بأكملها.
وفي محافظة غلستان، رأى المدير العام للدفاع المدني في المحافظة، سيد رضا حسيني، أن انقطاع الغاز سيكون حتمياً في حال اشتداد البرد، وأن إجراء مناورات لمحاكاة انقطاع الغاز بمشاركة 10 محافظات، مع إيلاء اهتمام خاص بغلستان ومازندران وخراسان الشمالية، يشير إلى أن الأجهزة التنفيذية تستعد لاضطرابات تتجاوز القيود المعتادة.
ويزيد اعتماد إنتاج الكهرباء على الغاز جدية خطر انقطاع مصدري الطاقة في وقت واحد، فمع ارتفاع الطلب على التدفئة، تحد الحكومة من إمدادات الوقود إلى محطات الكهرباء لتأمين الغاز للمنازل، وفي هذه الظروف تحتاج المحطات إلى الديزل والمازوت، وإذا لم تكن المخزونات أو إمكانات نقل هذين الوقودين كافية، فإن القدرة على إنتاج الكهرباء تتراجع، وكذلك يؤدي انقطاع الكهرباء إلى توقف أجهزة التدفئة المنزلية، ومضخات تدوير المياه، وكثير من أنظمة التدفئة، مما يترك حتى المنازل الموصولة بشبكة الغاز بلا تدفئة.
وكانت هذه الدائرة قائمة قبل الحرب الأخيرة أيضاً، إذ بدأ الانقطاع المبرمج للكهرباء لساعات عدة عن المشتركين، المنزليين والتجاريين، منذ منتصف العقد الثاني من الألفية، حيث يواجه سكان المحافظات الشمالية في إيران انخفاض ضغط الغاز وانقطاع إمداداته خلال شهور البرد، منذ أكثر من عقد.
وتشير "الشركة القابضة المتخصصة" لإدارة إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء في إيران (توانير)، ضمن بياناتها، إلى محدودية إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء، بوصفها أحد أسباب انقطاع التيار لساعات عدة خلال النهار، وأخيراً أعلن المدير التنفيذي لـ "الشركة الوطنية لتوزيع المنتجات النفطية" انخفاض مخزونات الوقود السائل في محطات الكهرباء بنسبة 36 في المئة، مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم تأكيد المسؤولين دور الاستهلاك المنزلي، تقدم الأرقام المقارنة صورة مختلفة، فبيانات البنك الدولي لعام 2023 تظهر أن استهلاك الفرد من الكهرباء في إيران بلغ نحو 3815 كيلووات/ ساعة، في مقابل نحو 11911 كيلووات/ ساعة في السعودية، و15285 في الإمارات، و16496 في الكويت، و19963 في قطر، وبذلك يقترب استهلاك الفرد من الكهرباء في إيران من ثلث نظيره في السعودية، ويقل عن ربع نظيره في الكويت، ويظهر ذلك أن إرجاع أزمة الكهرباء إلى استهلاك استثنائي لدى الإيرانيين، من دون النظر في أوضاع الإنتاج وكفاءة محطات التوليد وفاقد الشبكة، لا يقدم تفسيراً كاملاً للأزمة.
ويمثل تقادم أجهزة التدفئة وافتقار المباني إلى العزل مشكلتين يعتمد حلهما على الاستثمار الحكومي، ورفع القدرة المالية للأسر، ويكمن التناقض الرئيس في الفجوة بين حجم الموارد الجوفية والقدرة على تأمين إمدادات طاقة مستقرة، فوفقاً لتقديرات "إدارة معلومات الطاقة الأميركية"، تمتلك إيران ثاني أكبر احتياطات مؤكدة من الغاز، وثالث أكبر احتياطات نفطية في العالم، وتعد من أكبر منتجي الغاز، وعليه فإن المشكلة لا تكمن في انخفاض الإنتاج من حيث حجمه المطلق، بل في عدم كفاية الإمدادات الموثوقة لتلبية حاجات الشبكة، وغياب القدرة على التعويض في أيام ذروة الاستهلاك.
وفي حقل بارس الجنوبي، يتطلب انخفاض ضغط المكمن معدات متطورة لتعزيز الضغط، وتشير دراسة لـ "مركز سياسة الطاقة العالمية" في جامعة كولومبيا إلى أن العقوبات حدّت من قدرة إيران على الحصول على معدات ضغط الغاز، وتقنيات الحفاظ على ضغط المكمن.
ويرتبط اختلاف مسار تطوير الحقل المشترك بين إيران وقطر بتفاوت قدرتهما على الحصول على التمويل والتكنولوجيا والبنية التحتية للتصدير، وقد زادت السياسة الخارجية التصادمية للنظام الإيراني واستمرار العقوبات، إضافة إلى نقص الاستثمار الداخلي، صعوبة تأمين هذه الحاجات.
واليوم، تضاف أضرار الحرب إلى شبكة كانت تفتقر أصلاً إلى هامش أمان كاف، وقد تؤدي زيادة التعرفة والتهديد بقطع الغاز إلى الحد من الاستهلاك، لكنها لا تعوض معدات تعزيز الضغط، وإعادة تأهيل محطات الكهرباء، وتخزين الوقود، وتطوير الطاقة المتجددة.
أما بالنسبة إلى الأسر، فإن نتيجة هذا التأخر تتمثل في احتمال قدوم شتاء يؤدي فيه انقطاع الكهرباء والغاز إلى تعطيل التدفئة والإنارة، والوصول إلى الخدمات الضرورية، في وقت واحد.