ملخص
لم تعد العروض المقدمة من الأندية الكبرى فرصة لا تُقاوم في عالم كرة القدم، فأوناي إيمري يواجه قراراً مصيرياً بين إغراء مانشستر يونايتد والاستمرار في مشروع أستون فيلا الذي يمنحه الاستقرار والنفوذ وفرص النجاح.
كان هذا النوع من التفكير هو الذي اعتاد أن يحكم كرة القدم. فقبل بضعة أعوام، وإن كان من الممكن استحضار أمثلة كثيرة تعود إلى الـ50 عاماً الماضية، كان أحد المدربين الواعدين محط اهتمام أحد أغنى أندية اللعبة. فقد بنى فريقاً مميزاً مع نادٍ يشق طريقه نحو القمة، وبدا أن الفريق على أعتاب تحقيق إنجاز استثنائي لكن فكرة واحدة ظلت تلاحقه ولم تفارقه "مثل هذه الفرص لا تتكرر دائماً، لذا عليك اغتنامها".
انتهى الأمر بالمدرب إلى قبول العرض، لكنه لم يحسن استغلال الفرصة تماماً. فلم يقدم المستوى المطلوب، على رغم الجدل الكبير الذي أحاط بالظروف التي وجد نفسه فيها عند توليه المهمة. ولم تبلغ مسيرته المهنية الارتفاعات نفسها مجدداً، لكن النقطة الأهم أن مسارها تغير بصورة جذرية في لحظة قبوله العرض.
كان التفكير القديم خاطئاً. إذ ببساطة لم تكن تلك الوظيفة مناسبة له.
وليس وحده من مر بهذه التجربة، فهناك أمثلة عدة، من غراهام بوتر إلى جولين لوبيتيغي، ولا يتعلق الأمر بمجرد "الثقة بالنفس" كما قد يبدو.
أوناي إيمري واهتمام مانشستر يونايتد... فرصة أم مخاطرة؟
يعيش أوناي إيمري مرحلة مختلفة تماماً من مسيرته، بعدما حقق نجاحات تاريخية في الدوري الأوروبي مع ثلاثة أندية مختلفة على مدار 22 عاماً، لكن من المستحيل ألا نتساءل عما إذا كانت هذه التجارب قد أثرت في حساباته، بينما يناقش حالياً توقيع عقد جديد مع أستون فيلا.
ولا شك في أن المدرب الباسكي يدرك جيداً حجم الضجة المثارة حول اهتمام مانشستر يونايتد بضمه، والتطورات الأخيرة، بما فيها منشور "فيلا" الذي بدا وكأنه مقتبس من موقع "لينكد إن" في شأن "التوجه الإستراتيجي الطويل الأمد"، حملت جميعها رسائل واضحة للغاية قبل رحلة الفريق إلى ملعب "أولد ترافورد" يوم الأحد.
بل يعتقد كثر في كرة القدم أن أحد أسباب لجوء ناديه إلى التهديد القانوني المثير للسخرية ضد جيمي كاراغر الأسبوع الماضي، كان استياءه من ربط اسم مدربه باستمرار بـ"نادٍ أكبر".
ويجب الاعتراف هنا بأن الحديث لا يزال يدور عن مانشستر يونايتد. إنه إرث السير أليكس فيرغسون والسير مات بازبي وفريقه الشهير "أطفال بازبي"، وما ارتبط بالنادي من أمجاد وتاريخ عريق. وعلى رغم كل المشكلات الحالية في "أولد ترافورد"، فإن تاريخ النادي يظل مصدر إلهام لما يمكن تحقيقه مستقبلاً.
ويرى آخرون في عالم كرة القدم أن إيمري ربما كان منفتحاً في وقت سابق على الانضمام إلى نادٍ بهذا الحجم، مدفوعاً أساساً برغبته في الفوز أخيراً بلقب إحدى البطولات المحلية الكبرى ودوري أبطال أوروبا.
ولا يعني ذلك أن تحقيق هذين الهدفين أصبح مستحيلاً إلى أجل غير مسمى مع "فيلا"، بالنظر إلى النمو السريع الذي شهده النادي في الأوان الأخيرة، لكن جماهيره شعرت بالإحباط بسبب القيود التنظيمية المفروضة عليه. فماذا عن مدرب يملك طموحات كبيرة إلى هذا الحد؟
أستون فيلا... مشروع مثالي يمنح إيمري السيطرة والاستقرار
لكن هذه الخيوط تقودنا إلى جوهر المسألة، حيث يصبح هذا التفكير الجديد مبرراً.
قد يثير سجل إيمري خارج نطاق الدوري الأوروبي تساؤلات جدية حول مدى مواءمته لنادٍ بحجم مانشستر يونايتد، ومسؤولون في أرسنال وباريس سان جيرمان أكدوا منذ فترة طويلة أن رؤيته لم تكن متوافقة مع الناديين.
لكن الأهم من ذلك ربما أن مانشستر يونايتد ببساطة لا يناسب إيمري. وهناك حجج كثيرة ومقنعة تدعم ضرورة توقيعه هذا العقد والاستمرار مع أستون فيلا. ولا يتعلق أي منها بتعميق الجدل في شأن حجم الأندية، أو حتى مسيرة إيمري المهنية.
المسألة ببساطة أن المدرب (55 سنة) يعيش وضعاً نادراً للغاية في كرة القدم الحديثة، إذ نجح في الحصول على وظيفة تكاد تكون مثالية بالنسبة إليه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في "فيلا" يتمحور كل شيء حوله، بطريقة بات من النادر رؤيتها في هذا المستوى من كرة القدم. والمقارنة الوحيدة في الدوري الإنجليزي الممتاز أو بين أغنى أندية أوروبا هي أرسنال، حيث لم يحصل ميكيل أرتيتا على مثل هذه الصلاحيات إلا بعدما أثبت نفسه في البداية.
أما إيمري فيتمتع بسيطرة شبه كاملة، وقد ضمنت هذه الظروف انسجام جميع عناصر العمل داخل النادي. ونتيجة لذلك، يتضاعف تأثير العمل الذي يقدمه مدرب مميز، ليتمكن فيلا باستمرار من تحقيق نتائج تتجاوز التوقعات.
طموحات أستون فيلا وفرص المنافسة على الألقاب الأوروبية
ويتضح ذلك حتى في الطريقة التي تعامل بها الفريق مع خيبة الأمل الكبيرة التي شهدها الصيف. فالفريق بات بالفعل في وضع أفضل بكثير مما كان متوقعاً. وربما وجد إيمري أن فريقه الذي توج بالدوري الأوروبي قد تفكك، لكن ما أنجزه بالفعل في بناء مجموعة متجانسة يثير الإعجاب. صحيح أن هناك مشكلات وثغرات لا يزال من الصعب سدها في ظل القيود المفروضة، لكن الفريق أظهر شراسة واضحة. ويتجسد ذلك في نيكولاس جاكسون.
ومن خلال هذا الوضع، وفي ظل التقلبات النسبية التي يشهدها الدوري الإنجليزي الممتاز، تلوح فرصة حقيقية أمام فيلا لإنهاء الموسم مجدداً ضمن المراكز الخمسة الأولى. وقد يفتح ذلك الباب أمام مزيد من النمو... وربما أكثر من ذلك؟ فقد حظي إيمري بالفعل مع "فيلا" بما لن ينعم به معظم المدربين طوال مسيرتهم، إذ أصبح أسطورة يعشقها جمهور النادي.
في المقابل، قوبلت الأنباء التي ربطت اسمه بمانشستر يونايتد بتشكيك من جانب قطاعات من جماهير "أولد ترافورد". وهذه الجماهير تدرك تماماً أيضاً أن المشكلات الحقيقية للنادي تتجاوز منصب المدير الفني بكثير.
أزمة مانشستر يونايتد الإدارية وأخطار تولي إيمري المهمة
ومن غير المرجح أن يمنح يونايتد إيمري مفاتيح إدارة النادي، على غرار ما فعله فيلا. فقد أصر السير جيم راتكليف بالفعل على بناء منظومة حديثة تقوم على ثقافة المدير الرياضي، حتى وإن كانت النسخة الحالية من هذه المنظومة لم تحقق النجاح حتى الآن.
والأسوأ أن التراجع عن هذا التوجه، وتعيين مدرب مثل إيمري بصلاحيات واسعة، سيبدو مؤشراً إضافياً على حال التخبط داخل النادي، وكأن إدارته تنتقل مجدداً من النقيض إلى النقيض. وهذا قبل حتى التطرق إلى حجم المشكلات المتراكمة التي لا يزال يتعين التخلص منها في "أولد ترافورد".
فمانشستر يونايتد لم يصل بعد إلى المرحلة التي يحتاج فيها فقط إلى مدرب يتولى المهمة ويفرض نفوذه حتى يعيده إلى الانتصارات. ما يحتاج إليه النادي هو عملية إعادة بناء تتطلب الصبر، لكن طول فترة الانتظار قد تعرقل مسيرة المدربين.
وبعبارة مباشرة إذا كان الأمر يتعلق بفرصة الفوز بالدوري أو دوري أبطال أوروبا، فهناك حجة قوية بأن إيمري تحديداً يملك فرصة أفضل لتحقيق ذلك مع "فيلا"، في الأقل بالمدى المتوسط. فالمهمة التي تنتظره في "أولد ترافورد" ستكون أكبر بكثير، وتنطوي على أخطار أكثر.
ولعل الأهم أنه سيتخلى عن وضع جيد للغاية، بل عن وضع نادر، إذ يملك إمكانات هائلة لتحقيق المزيد.
تغير فلسفة كرة القدم... لماذا لم تعد المناصب الكبرى فرصاً مضمونة؟
وهذا السياق بالغ الأهمية أيضاً عند الخوض في مثل هذه النقاشات. فالأمر لا يقتصر على أن طريقة التفكير بدأت تتغير، بل إن الواقع نفسه تغير أيضاً.
مع توجه عدد متزايد من الأندية إلى الاعتماد على المدربين ضمن منظومات إدارية وفنية أوسع، أصبحت هذه الوظائف أكثر ارتباطاً بالظروف المحيطة وأقل استقراراً. وباتت مثل هذه الفرص متاحة بوتيرة أكبر بالفعل، لكنها أصبحت أكثر تعقيداً وتحديداً من السابق.
فالأندية التي تدار بصورة أفضل من مانشستر يونايتد باتت تصمم منظوماتها بطريقة تجعلها مناسبة لمدربين بمواصفات معينة أو أصحاب رؤى محددة. وقد تستغرق التحولات التكتيكية وقتاً طويلاً، وتكون مؤلمة أحياناً، كما يتضح حالياً في نيوكاسل يونايتد.
وعلى ملاعب الدوري الإنجليزي الممتاز، أصبحت اللعبة قائمة إلى حد كبير على الأنظمة والتفاصيل الدقيقة والاستغلال الأمثل للإمكانات، حتى باتت الفوارق بين الفرق ضئيلة للغاية. ومن هنا تأتي التقلبات الحادة في النتائج عندما تفقد الأندية انسجامها.
أما في أستون فيلا، فكل شيء يكاد يكون مثالياً بالنسبة إلى إيمري. وهذا ليس وضعاً يمكن التخلي عنه بسهولة. لقد تغير التفكير.
© The Independent