Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وصفتها بـ"برميل بارود"... لماذا تتوجس إسرائيل من جنين؟

تضم اليوم 5 مستوطنات و10 بؤر وما يزيد على 40 نقطة عسكرية وبوابة وحاجزاً أمنياً تقطع أوصال المحافظة

كان مصطلح "عش الدبابير" الأكثر تداولاً في الأروقة العسكرية لوصف مخيم جنين على أنه بؤرة مغلقة وعالية الخطورة لا يمكن السيطرة عليها بالطرق التقليدية (اندبندنت عربية)

ملخص

تعاملت المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية مع جنين على أنها تحد إستراتيجي وجودي، ورأت أن استمرار القتال فيها ينطوي على أخطار التأسيس لنموذج قتالي يمتد إلى بقية مناطق الضفة.

يشير منظور المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى أن إحاطة جنين بالمستوطنات والطرق الالتفافية تكفي لإنهاء أسطورتها وتحويلها إلى كانتون محاصر.

لعل قراءة خريطة الشمال الفلسطيني عبر الزمن تعكس بوضوح طبيعة الصراع على المكان، فمنذ عقود مثلت مدينة جنين ومخيمها عقبة إستراتيجية كبرى في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وثغرة عصية على التدجين العسكري. غير أن الأعوام الأخيرة شهدت تحولاً منهجياً في إدارة هذا الصراع، انتقل فيها الجيش الإسرائيلي، الذي أعيته المواجهة، من منطق الحملات العسكرية الموقتة إلى فرض واقع عسكري واستيطاني دائم يهدف إلى إعادة هندسة الجغرافيا السياسية للمنطقة. إن تتبع هذا التحول بين جنين كتهديد أمني سابق، وبؤرة للتمدد الاستيطاني اليوم، يكشف عن إستراتيجية أوسع تسعى إلى تقويض الوجود الفلسطيني المنفصل وتحويل المراكز الثورية إلى كانتونات محاصرة، في مفارقة تعيد رسم ملامح الصراع من جديد، ناقلاً إياها من موقع "التهديد الأمني" إلى "جغرافية مستباحة" يعاد رسمها بالاستيطان.

بوابة الشمال

تاريخياً، تعود جذور اسم "جنين" للحقبة الكنعانية حين سميت "عين جنيم"، نسبةً إلى وفرة مياهها وبساتينها الغناء على تخوم مرج ابن عامر. هذا الموقع الإستراتيجي في أقصى شمال الضفة الغربية، الذي يشكل حلقة وصل بين جبال الناصرة والمثلث وجبال نابلس، حولها بحكم الطبيعة إلى ثغرة عسكرية وقلعة دفاعية. وقد تجذرت هيبة جنين عبر محطات تاريخية متراكمة، ففي ثورة عام 1936، كانت تضاريسها وجبالها مسرحاً لعمليات الشيخ عز الدين القسام. وفي عام 1948، سجلت المدينة ملحمة حين نجح المتطوعون وقوات الجيش العراقي في حمايتها من الهجمات الصهيونية، لتكون المدينة الفلسطينية الوحيدة التي لم تحتل في ذلك العام، وهو ما رسخ عقيدة الصمود في الوجدان المحلي.

 

وعلى مساحة لا تتعدى كيلومتراً مربعاً واحداً عام 1953 أنشئ مخيم جنين ليضم لاجئين من قرى حيفا والكرمل، وتحول تدريجاً إلى نواة صلبة "للفعل المقاوم". بلغت هذه الرمزية ذروتها في معركة أبريل (نيسان) 2002 خلال عملية "السور الواقي"، حين صمد المخيم أمام حصار واجتياح عسكري إسرائيليين ضخمين استخدمت فيهما الطائرات والدبابات والجرافات العملاقة (D9). وأسفرت المعارك آنذاك عن إلحاق خسائر قاسية بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وهو ما أسس لاحقاً "كتيبة جنين" عام 2021، التي شكلت نموذجاً للعمل العسكري الفلسطيني المشترك والعابر للفصائل، المعتمد على تطوير أساليب المواجهة والعبوات الناسفة وإعادة إحياء البيئة الحاضنة. وقد تعاملت المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية مع جنين على أنها تحد إستراتيجي وجودي، إذ رأت أن استمرار القتال فيها ينطوي على أخطار التأسيس لنموذج قتالي يمتد إلى بقية مناطق الضفة. تجسد هذا التوصيف في تصريحات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق شاؤول موفاز عقب معركة المخيم عام 2002، الذي صرح رسمياً لوسائل الإعلام والقيادة العسكرية قائلاً "جنين ليست مجرد مخيم للاجئين، إنها عاصمة الإرهاب ومصنع الانتحاريين الأول الذي يهدد أمن عمق إسرائيل، إن القضاء على البنية التحتية في هذا العش كفيل بإعادة فرض الردع".

الرعب الأمني

تعاملت المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية مع جنين على أنها تحد وجودي كسر عقيدة التفوق العسكري المطلق، ودفع القادة العسكريين إلى صياغة مصطلحات تعكس حجم التهديد. وكان مصطلح "عش الدبابير" الأكثر تداولاً في الأروقة العسكرية لوصف المخيم على أنه بؤرة مغلقة وعالية الخطورة لا يمكن السيطرة عليها بالطرق التقليدية. في حين كان مصطلح "عاصمة الإرهاب" و"مصنع المخربين" التوصيف الرسمي الذي سوقته الأجهزة الأمنية لشرعنة العمليات العسكرية الواسعة، كون جنين المصدر الأبرز للعمليات الفلسطينية التي استهدفت العمق الإسرائيلي. قد تكبد الجيش الإسرائيلي في معركة التاسع من أبريل 2002، مقتل 13 جندياً في كمين محكم بوسط المخيم، ضمن حصيلة بلغت 23 قتيلاً عسكرياً. ووثقت تقارير الأمم المتحدة حينها تدمير 10 في المئة من مساحة المخيم تدميراً كاملاً (سويت نحو 100 مبنى بالأرض)، وتضرر مئات المباني جزئياً، مما أدى إلى تشريد نحو ألفي شخص. وفي عملية "بأس جنين" (يوليو / تموز 2023)، دفع الجيش الإسرائيلي بأكثر من ألف جندي ومقاتلات جوية لاقتحام مخيم مساحته 0.42 كلم مربع لمواجهة شبكة ضمت أكثر من ألف عبوة ناسفة. وتشير التقارير السرية وتصريحات قادة الأركان المتعاقبين إلى أن التعامل مع جنين استوجب دوماً عقيدة "سحقة عسكرية شاملة"، لوصف المدينة بأنها "برميل بارود" يهدد المشهد الأمني في الضفة بأسرها.

 

أدوات التحول

أدركت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن الاقتحامات المتكررة وتدمير البنية التحتية تظل حلولاً تكتيكية موقتة لا تمنع تجدد العمليات وتصنيع العبوات. من هنا، حدث التحول الإستراتيجي بالانتقال من "معاقبة المدينة" إلى "الحصار الهندسي الاستيطاني"، القائم على ابتلاع المحيط الجغرافي وعزل المركز لضمان السيطرة المطلقة.

وتمهيداً لذلك، صادق الكنيست الإسرائيلي في مارس (آذار) عام 2023 على إلغاء قانون "فك الارتباط" لعام 2005 في ما يخص مستوطنات شمال الضفة، وتحديداً مستوطنتي "حومش" و"سانور"، مانحاً غطاء قانونياً لعودة المستوطنين. وأعاد الجيش تفعيل معسكرات عسكرية سابقة (مثل معسكر "عرابة")، وصادر مساحات واسعة لشق طرق شريانية تفصل قرى جنوب وغرب جنين عن مركز المدينة، كذلك كثفت السلطات الإسرائيلية أوامر الهدم والاستيلاء على الأراضي في محيط جنين وقباطية وعرابة لتحويلها إلى امتدادات استيطانية. في المقابل، شهدت مستوطنة "صانور" إقرار المجلس الأعلى للتنظيم والبناء مخططات هيكلية لبناء وحدات سكنية جديدة. فيما تحولت البؤرة الاستيطانية في "حومش" إلى قاعدة استيطانية ودينية دائمة ومحمية بقوة الجيش، وتشير تقارير رصد الاستيطان إلى مصادرة آلاف الدونمات من أراضي محافظة جنين لصالح توسيع المستوطنات القائمة (مثل ميفو دوتان وحرميش وشاكيد) وقطع التواصل الجغرافي بين جنين ونابلس وطولكرم. ولم تكن هذه التحولات بمعزل عن الخطاب السياسي الرسمي للحكومة الإسرائيلية، فقد أعلن وزير المالية والمسؤول عن الإدارة المدنية في وزارة الجيش بتسلئيل سموتريتش صراحة، عقب إقرار إلغاء قانون الانفصال، أن "العودة لشمال الضفة الغربية هي الضمانة الحقيقية لأمن إسرائيل، ولقد أصلحنا الخطأ التاريخي لخطيئة الترحيل، وسنستمر في بناء الاستيطان في كل حبة تراب هنا". وكانت قيادات المستوطنات تكرر بلا هوية خفية شعار أن "من يسيطر على جبال جنين وصانور وحومش يمنع قيام دولة فلسطينية"، وأعلنت أن الاستيطان هو العلاج النهائي لرمزية المقاومة في الشمال. وصرح رئيس مجلس مستوطنات شمال الضفة يوسي داغان خلال تدشين مشاريع البنية التحتية في بؤر شمال جنين، قائلاً "لقد انتهى عهد التراجع، نحن هنا لفرض السيادة الفعلية على الأرض".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هندسة "القصاص الاستيطاني"

لم يعد الاستيطان المحيط بجنين مجرد نقاط معزولة كما كان في عقود مضت، بل تحول إلى "منظومة كبح هندسي" متكاملة تهدف إلى محاصرة المدينة في قفص جغرافي محكم. إن شبكة الطرق الالتفافية والمستوطنات والبؤر الرعوية التي تلتف حول جنين من كل جانب تعمل على قطع أواصر ارتباطها بقراها وببقية المدن الفلسطينية، وتحويل الفضاء المحيط إلى مساحات عسكرية مغلقة ومستباحة للمستوطنين. لقد أصبحت التلال الجبلية الحاكمة التي كانت تمثل يوماً الظهير الطبيعي والملاذ الآمن لأهالي المنطقة، قواعد استيطانية مزودة بأحدث شبكات البنية التحتية والكهرباء، تحرسها المنظومة العسكرية عن كثب. وصادقت السلطات الإسرائيلية على توسيع المخططات الهيكلية لمستوطنات شمال الضفة ومضاعفة مساحاتها الحضرية، تزامناً مع تخصيص موازنات ضخمة لربط هذه البؤر بشبكة الكهرباء والمياه الرئيسة. وقد تعرضت الأراضي الزراعية الخصبة في سهل مرج ابن عامر وقرى جنوب جنين لسلسلة واسعة من تجريف الأراضي واعتراض المزارعين، مما أدى إلى حرمان السكان من مصادر رزقهم الأساسية ودفعهم نحو مزيد من الحصار الاقتصادي والعمراني.

السيادة والاجتثاث

يعكس الخطاب الرسمي الإسرائيلي اليوم قناعة تامة بأن فرض الواقع الاستيطاني في جنين هو الخطوة الأخيرة نحو "حسم الصراع"، وتردد الدوائر اليمينية الحاكمة في تل أبيب شعار "السيادة النهائية"، وأن إحكام الطوق الاستيطاني على شمال الضفة الغربية ينهي إلى الأبد أي حديث عن تواصل جغرافي أو سياسي لدولة فلسطينية مستقبلية، ويوجه ضربة قاضية لما تسميه "البؤرة الخرابة" التي كثيراً ما هددت أمن الدولة العبرية. وبينما يشير منظور المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى أن إحاطة جنين بالمستوطنات والطرق الالتفافية يكفي لإنهاء أسطورتها وتحويلها إلى كانتون محاصر، تؤكد الوقائع الفلسطينية أن محاصرة المدينة لم تمح رمزيتها، بل أعادت إنتاجها ضمن اشتباك مكاني يومي، إذ تحول الصراع من معركة على أسوار المدينة إلى احتكاك مباشر مع الحزام الاستيطاني المحيط بها، مما أبقى جنين عنواناً مركزياً "لاستعصاء المكان".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير