ملخص
تتداخل أسباب اقتصادية واجتماعية عدة في انتشار جرائم الاتجار بالبشر، ويسهم وجود المغرب في مسار الهجرة الداخلية والقارية نحو أوروبا في زيادة عدد الضحايا، في وقت يعاني فيه 6.4 في المئة من السكان الفقر المتعدد الأبعاد، أي ما يعادل مليونين و422 ألف شخص، ضمنهم 1.4 في المئة يعيشون فقراً شديداً، وتصل نسبة الأشخاص المعرضين لخطر الوقوع في الفقر المتعدد الأبعاد إلى 10.9 في المئة، ما يعادل 4.13 مليون شخص، وفق تقرير أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية قبل أسبوع.
تشهد إحصاءات جرائم الاتجار بالبشر ارتفاعاً في المغرب، حيث ارتفع عدد القضايا أمام المحاكم من 85 قضية عام 2021 إلى 84 قضية عام 2022، ثم إلى 110 قضايا عام 2023 بزيادة 31 في المئة، لتصل إلى 155 قضية عام 2024، ووصل عدد ضحايا تلك الجرائم إلى 270 ضحية خلال عام 2025، مقابل 229 ضحية عام 2024، بزيادة بلغت 17.9 في المئة، وفق معطيات التقرير الوطني حول حصيلة مجال مكافحة الاتجار بالبشر والوقاية منه خلال الفترة 2021-2025.
خلال الفترة التي يغطيها التقرير تم تفكيك 1597 شبكة إجرامية تنشط في ذلك المجال، وتصدّر الاستغلال الجنسي ذلك النوع من الجرائم المسجلة خلال عام 2025، بـ169 حالة، أي ما يعادل 54 في المئة من مجموع صور الاستغلال المرصودة، يليه العمل القسري بـ91 حالة، بنسبة 29.1 في المئة، وشهدت تلك الفترة كذلك حالات مرتبطة بالاستغلال في الأعمال الإجرامية والنزاعات المسلحة، والممارسات الشبيهة بالرق، والتسول والسخرة.
ظاهرة متشعبة
تتداخل أسباب اقتصادية واجتماعية عدة في انتشار جرائم الاتجار بالبشر، ويسهم وجود المغرب في مسار الهجرة الداخلية والقارية نحو أوروبا في زيادة عدد الضحايا، في وقت يعاني فيه 6.4 في المئة من السكان الفقر المتعدد الأبعاد، أي ما يعادل مليونين و422 ألف شخص، ضمنهم 1.4 في المئة يعيشون فقراً شديداً، وتصل نسبة الأشخاص المعرضين لخطر الوقوع في الفقر المتعدد الأبعاد إلى 10.9 في المئة، ما يعادل 4.13 مليون شخص، وفق تقرير أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية قبل أسبوع.
توضح الباحثة الأكاديمية في سياسات الهجرة واللجوء والاتجار بالبشر، حنان السرغيني، أن الاتجار بالبشر لم يعد مجرد جريمة ترتبط باستغلال الأفراد في العمل أو في أنشطة غير مشروعة، بل أصبح ظاهرة تتقاطع فيها الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية مع إستراتيجيات الاستقطاب والخداع، وتستفيد من ضعف الحماية وقدرة الشبكات الإجرامية على استغلال حاجة الأشخاص إلى العمل أو الهجرة أو تحسين ظروف العيش، وتكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، بالنظر إلى موقعه ضمن مسارات الهجرة الإقليمية والدولية، باعتباره بلدَ مصدر وعبور واستقرار.
وأشارت السرغيني إلى أن هذه الوضعية لا تجعل الهجرة في حد ذاتها مصدراً للجريمة، بل قد تجعل بعض المهاجرين، مثلهم مثل مواطنين مغاربة في أوضاع هشة، أكثر عرضة للاستغلال والابتزاز والعمل القسري، إذ تكشف المعطيات الرسمية والتقارير الدولية أن المغرب عزز إطاره القانوني والمؤسساتي لمكافحة الاتجار بالبشر، لكن السؤال الأساس لا يتعلق فقط بوجود النصوص أو بعدد المتابعات والإدانات، وإنما بمدى قدرة هذه المنظومة على اكتشاف الضحايا، وحمايتهم، ومحاسبة المستغِلين، ومنع تكرار الاستغلال، وفق ما ذكرت الباحثة.
الجدوى من القانون
صدّق المغرب عام 2011 على بروتوكول الأمم المتحدة لمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالبشر، واعتمد القانون رقم 27-14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر عام 2016، فلماذا لا تعمل تلك القوانين على الحد من جرائم الاتجار بالبشر؟
يقول المحامي محمد بن دقاق، في جوابه عن ذلك السؤال، إن الحديث عن ارتفاع فعلي في حجم الجريمة ينطوي على قراءة إحصائية غير دقيقة، فالواقع القضائي لا يسجل انفجاراً في حجم الظاهرة، بل يعكس أثراً مباشراً لإعادة التكييف القانوني، فقبل صدور القانون رقم 27.14، لم يكن في سجلات المحاكم المغربية وصف يسمى الاتجار بالبشر، بل كانت هذه الأفعال ذاتها قائمة وتُحاكم يومياً لكنها مبعثرة بين نصوص متفرقة مثل التحريض على البغاء، الاحتجاز التعسفي، تشغيل القاصرين، أو استغلال التسول، موضحاً أن القانون الجديد قام بتجميع هذه الجرائم المشتتة تحت بند جنائي موحد هو الفصل 1-448 من مجموعة القانون الجنائي.
وتابع بن دقاق قوله إن إقرار مبدأ إعفاء الضحية من العقاب بموجب المادة 7-448 وتوفير الحماية القانونية شجع الضحايا على التبليغ وكسر جدار الصمت بعدما كانوا يخشون المتابعة، يضاف إلى ذلك التكوين التخصصي الذي تلقته الضابطة القضائية وقضاة النيابة العامة لرصد الجريمة.
وأضاف المتحدث أن ما نراه اليوم ليس ارتفاعاً في وتيرة الجريمة، بل هو خروج لأفعال كانت تاريخياً حبيسة الرقم الأسود (مصطلح يُشير إلى إجمال الجرائم التي تقع بالفعل، لكنها لا تُسجل في الإحصاءات الرسمية لعدم وصولها إلى علم السلطات الأمنية أو القضائية)، والمساطر المتفرقة إلى دائرة الرصد والإحصاء القضائي الرسمي.
من جانبها، تؤكد الباحثة حنان السرغيني، ذلك الطرح، موضحة أنه لا يمكن تفسير استمرار جرائم الاتجار بالبشر بضعف النصوص القانونية وحده، باعتبار أن تلك الأفعال تستفيد من عوامل اقتصادية واجتماعية، وقدرة المستغِلين على استهداف الأشخاص الذين يفتقرون إلى بدائل آمنة، أول هذه العوامل هو الهشاشة الاقتصادية، فقد تدفع الحاجة إلى العمل أو تأمين دخل الأسرة بعض الأشخاص إلى قبول عروض غير واضحة، خصوصاً عندما تتعلق بالسفر أو التوظيف أو تحسين ظروف العيش، ويستغل بعض الوسطاء هذه الحاجة من خلال وعود كاذبة، ثم يفرضون شروطاً لم تكن الضحايا على علم بها.
وعن ثاني العوامل ترى الباحثة السرغيني أنها تكمن في صعوبة اكتشاف الاستغلال، فقد لا يدرك الشخص بداية أنه ضحية للاتجار، لأن العلاقة تبدأ أحياناً بعرض عمل يبدو عادياً، وقد يتردد في التبليغ خوفاً من الانتقام أو فقدان مصدر رزقه أو التعرض لإجراءات إدارية، أو بسبب الديون التي تحملها لتغطية كلف السفر.
أما ثالثها أن الاستغلال قد يحدث داخل أنشطة تبدو مشروعة، مثل العمل المنزلي أو الفلاحة أو بعض الأنشطة التجارية، ولا يعني ذلك أن هذه القطاعات أو العاملين فيها متورطون في الاتجار بالبشر، بل إن ضعف المراقبة وصعوبة الوصول إلى بعض أماكن العمل قد يسمحان بإخفاء الاستغلال داخل علاقات يصعب على الضحية الاعتراض عليها، بحسب ما قالت الباحثة.
المهاجرون والنساء والأطفال الأكثر عرضة
يشكل المهاجرون والنساء والأطفال الحلقة الأضعف في المجتمع، وبالخصوص عندما يرتبط واقعهم بالفقر والجهل، لذا تجد شبكات الإجرام مرتعها لاستغلالهم، حيث توضح الباحثة في قضايا الهجرة أنه لا تقتصر ضحايا الاتجار بالبشر على جنسية أو فئة اجتماعية واحدة، فقد يتعرض مواطنون مغاربة للاستغلال داخل البلاد أو خارجها، وقد يتعرض مهاجرون أجانب للاستغلال داخل الأراضي المغربية، مشيرة إلى أنه بحسب تقرير وزارة الخارجية الأميركية حول الاتجار بالبشر لعام 2025، تشمل أنماط الاستغلال المبلغ عنها في المغرب العمل القسري، والاستغلال في العمل المنزلي، والتسول القسري، والاستغلال الجنسي.
ويشير التقرير الأميركي، بحسب المتحدثة، إلى استغلال بعض المغاربة في الخارج، بما في ذلك في بلدان أوروبية وبلدان في الشرق الأوسط، وإلى حالات استدراج أشخاص بعروض عمل وهمية في أجزاء من جنوب شرقي آسيا، حيث قد يتعرضون لمصادرة وثائقهم وإجبارهم على العمل في أنشطة إجرامية عبر الإنترنت، ويشير التقرير كذلك إلى تعرض بعض المهاجرات القادمات من أفريقيا جنوب الصحراء للاستغلال الجنسي أو العمالي.
وأضافت السرغيني أنها معطيات تتعلق بحالات رصدتها مصادر التقرير، ولا يجوز تعميمها على جميع المهاجرين أو على جميع العاملين في القطاعات المعنية، وتتضاعف أخطار الاستغلال عندما تجتمع عوامل مثل الفقر، والعزلة الاجتماعية، وعدم الاستقرار القانوني، والاعتماد الاقتصادي على المستغِل، وصعوبة التواصل بلغة مفهومة، وقد تجعل هذه الظروف الضحية غير قادرة على مغادرة مكان الاستغلال أو طلب المساعدة، حتى عندما تتعرض لانتهاكات واضحة.
من جانبها، تشير نجاة أنور، رئيسة جمعية "ماتقيش ولدي" (لا تلمس ولدي) إلى أن نسبة الأطفال تبلغ حوالى 34.4 في المئة من مجموع ضحايا الاتجار بالبشر المسجلين بالمغرب عام 2025، أي 93 طفلاً من أصل 270 ضحية، وفق المعطيات المنشورة، وهذا يعني أن أكثر من ضحية واحدة من كل ثلاث ضحايا هي طفل قاصر، وهو رقم مقلق للغاية، والأخطر أن الفتيات يشكلن حوالى 80.6 في المئة من الضحايا القاصرين المسجلين، مشددة على كون تلك الأرقام تستدعي تعزيز آليات الوقاية والكشف الباكر عن الاستغلال، وتوفير الحماية والمواكبة النفسية والاجتماعية والقانونية للأطفال الضحايا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتوضح رئيسة الجمعية أن هذه الأرقام تعكس الحالات المسجلة، وليس بالضرورة الحجم الحقيقي للظاهرة، لأن عدداً من حالات الاستغلال قد يظل بعيداً من التبليغ، مضيفة أن الطفل يظل الحلقة الأضعف في المجتمع، لا يختار الفقر، ولا يتحمل مسؤولية الخلافات العائلية، ولا يملك القدرة على مواجهة من يستغله أو يعتدي عليه، وعندما تعيش الأسرة ظروفاً اقتصادية صعبة أو نزاعات مستمرة، غالباً ما يكون أول من يدفع الثمن، سواء بحرمانه من التعليم، أو بتعريضه للإهمال والعنف، أو بدفعه إلى العمل والتسول، وقد يصل الأمر إلى خضوعه للاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر، والأخطر أن بعض الأطفال يتعرضون للاستغلال من طرف أشخاص يفترض أن يكونوا مصدر حماية لهم.
نقد خارجي
يشير تقرير الخارجية الأميركية حول حال الاتجار بالبشر لعام 2026 إلى أنه "لا تفي الحكومة المغربية بالمعايير الدنيا للقضاء على الاتجار بالبشر بصورة كاملة، إلا أنها تبذل جهوداً حثيثة في هذا الصدد، وقد أظهرت زيادة ملاحظة في جهودها مقارنةً بالفترة السابقة، ولذلك بقي المغرب ضمن المستوى الثاني، وشملت هذه الجهود إدانة مزيد من المتاجرين بالبشر".
يوضح المحامي محمد بن دقاق، أن التقرير يتسم بالدقة في توصيفه لجهود المغرب، لكنه يعكس أيضاً نقطة الاحتكاك المزمنة بين المقاربة الأمنية في تدبير الهجرة غير النظامية والمقاربة الحقوقية لمكافحة الاتجار بالبشر، مشيراً إلى أنه في جانب الجهود الحثيثة، ينصف التقرير المغرب في تأسيس اللجنة الوطنية لتنسيق إجراءات مكافحة الاتجار بالبشر، وتطوير منظومة الإحالة الوطنية، وتحديث الترسانة القانونية لمواءمة المعايير الدولية، ومأخذه الأساس حول عدم الاستيفاء الكامل، فهو لا يخلط إطلاقاً بين الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، فالأولى خرق لقوانين الإقامة والحدود، والثانية جناية سلب لإرادة الإنسان وكرامته، وإنما ينصب النقد على التطبيق الميداني في أثناء الملاحقات الأمنية.
ويضيف المحامي أن التقرير يرى أن عمليات توقيف أو ترحيل المهاجرين تفتقر أحياناً إلى آليات فحص استباقية دقيقة لفرز الضحايا الذين احتجزتهم شبكات التهريب أو أجبرتهم على العمل القسري والدعارة لسداد كلف الرحلة، مما يؤدي عملياً إلى معاملة بعض الضحايا كمخالفين لقوانين الإقامة بدلاً من تفعيل مظلة الحماية المنصوص عليها في القانون.