Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"العمارة السائلة" مساحة متغيرة تبدد فكرة الثبات الخرساني

تعيد تشكيل جغرافيا المكان لخدمة الجانب الحسي من خلال دمج الزمن والتفاعل والتكنولوجيا الرقمية كعناصر أساسية في التصميم

يتكون الغلاف الخارجي للمبنى من ستائر مائية تتساقط بأسلوب رقمي محوسب (وسائل التواصل)

ملخص

يتكون الغلاف الخارجي للمبنى من ستائر مائية تتساقط بأسلوب رقمي محوسب، لتسمح مستشعرات المبنى والبرمجيات للجدران بفتح أبواب أو فجوات فورية عند اقتراب الزوار، تأذن لهم بالعبور من دون أن يبتلوا، ثم تغلق مجدداً، مما حقق قدرة الظهور والاختفاء وإعادة تشكيل الفضاء المعماري في أية لحظة.

في زمن منح فيه الإنسان أدوات تذهب به أبعد بكثير مما وصل إليه، وقدرة على تحدي القوانين الفيزيائية الجامدة التي تلقاها في التعليم المدرسي، تطرح اليوم كثير من التساؤلات من الباحثين عن الاختلاف والتوسع، والانتقال إلى مفاهيم جديدة كلياً، وربما يكون من أبرزها مفهوم العمارة السائلة الذي ينتشر اليوم في مجال التصميم المعماري والإبداع الفني.

رفض الجمود

بدأت بذور هذا المفهوم من رفض حال الجمود الذي يقيد البشر داخل صندوق خرساني، في حين أن الإنسان مجموع من المشاعر والأمزجة والحاجات المتغيرة على مدار اليوم، وفي هذا خروج واضح عن الأساس الذي تطرحه العمارة التقليدية عن السكن، كمجرد غلاف مادي يحمينا من العوامل الخارجية، في توجه يمثل قطيعة فلسفية مع فكرة الثبات هذه.

وانطلاقاً من هذا التصور، تبدو التقسيمات التقليدية لمساحات السكن وكأنها سجن أكثر منها مكان للعيش الحر، ليطرح الانتقال إلى مساحة متغيرة تكيفية، تتشكل وفقاً للمتغيرات اليومية، وبيئة متعددة الوظائف.

تحدي العقيدة المعمارية

صاغ مفهوم العمارة السائلة المعماري ماركوس نوفاك أوائل التسعينيات، متحدياً العقيدة المعمارية الكلاسيكية القائمة على الأشكال الثابتة، من خلال دمج الزمن والتفاعل والتكنولوجيا الرقمية كعناصر أساسية في التصميم، لتعبّر عن فلسفة تصميمة تتخلى عن القيود الثابتة للمباني التقليدية، لتفسح المجال أمام مساحات تتسم بالمرونة والقابلية للتكيف والتطور، وتقدم شكلاً من أشكال العمارة أكثر تخيلاً ومرونة، موجود في الفضاء الإلكتروني، بدلاً من الوجود المادي المعتمد على الطوب والبلاط.

وتتجلى العمارة السائلة عبر ثلاثة أبعاد مميزة، الفضاء الرقمي أو السيبراني، والتصميم المادي الحركي، والفن متعدد التخصصات، إذ يستخدم هذا المصطلح أحياناً في التصميم المادي المعاصر، لوصف الهياكل العضوية المتدفقة والمنحنية المستوحاة من أعمال مهندسين معماريين، أبرزهم فرانك جيري، أو المساحات الداخلية المعيارية المصممة للتكيف بسرعة مع الحاجات البشرية المتغيرة، في حين تسعى العمارة الرقمية إلى إنشاء مبان قابلة للاستجابة وإعادة التشكيل، وهذا من الصعب جداً تحقيقه باستخدام الخرسانة والطوب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تصميم القواعد لا الأشكال

على عكس المباني المادية، تتجاهل الهندسة السائلة الهندسة الإقليدية والوزن وحدود الأحمال الإنشائية، متحررة من قانون الجاذبية والمنطق، ومن جهة أخرى يدمج نوفاك الزمن جنباً إلى جنب مع الأبعاد المكانية، مما يجعل البيئة نشطة ومتطورة باستمرار، إذ يطرح البعد الرابع كفكرة أساس.

ويتوقف المعماريون، في العمارة السائلة، عن تصميم أشكال ثابتة، ويشرعون عوضاً عن ذلك في كتابة قواعد خوارزمية، متعاملين مع الفضاء كما لو أنه نوتة موسيقية أو رقصة، إذ تتشكل المساحة الرقمية وتدور وتتغير في الوقت الفعلي، بناء على حركة أو بيانات أو تفاعل الشخص الذي يسكنه.

ترجمة الأفكار السائلة

يعد "جناح الماء الرقمي" (Digital Water Pavilion) نموذجاً مثالياً لمفهوم العمارة السائلة والتصميم التكيفي الحركي، فالجناح الذي صممه كارلو راتي بالتعاون مع مختبر "أم آي تي سمارت" (MIT Smart Cities Group)  لمعرض "إكسبو 2008"، يتجاوز فكرة المبنى كحجم صلب ثابت، ليقدم بيئة تتشكل وتتفاعل لحظياً مع حركة الإنسان والعوامل الجوية، ويترجم أفكار العمارة السائلة من خلال عناصر أساسية عدة، أولها الجدران المائية المتغيرة، بدلاً من الجدران الخرسانية الصلبة الثابتة، إذ يتكون الغلاف الخارجي للمبنى من ستائر مائية تتساقط بأسلوب رقمي محوسب، لتسمح مستشعرات المبنى والبرمجيات للجدران بفتح أبواب أو فجوات فورية عند اقتراب الزوار، تأذن لهم بالعبور من دون أن يبتلوا، ثم تغلق مجدداً، مما حقق قدرة الظهور والاختفاء وإعادة تشكيل الفضاء المعماري في أية لحظة، وهذا يتجاوز تماماً المفهوم التقليدي للعمارة القائمة على الصلابة والثبات.

الماء كـ "مادة"

وفي حين يُستخدم الماء في العمارة التقليدية، كعنصر تزييني أو وظيفي، يستخدم هذا الجناح آلاف الصمامات الكهرومغناطيسية التي يتحكم بها حاسوبياً، لتحويل الماء إلى جدار حقيقي يمكنه حجب الرؤية وتشكيل المساحة، وبذلك يجعل هذا المشروع الماء نفسه وسيطاً معمارياً قابلاً للبرمجة، ويمنحه طبيعة المادة الإنشائية، ليتحول مفهوم السيولة من استعارة إلى حقيقة مادية.

ويعكس المشروع فلسفة دمج الخوارزميات والبيانات مع العناصر المادية، إذ تعمل قطرات الماء كشاشة رقمية، تعرض نصوصاً ورسومات تتغير لحظياً، وفي النهاية لا ننسى المثال الأبرز على تحدي الفكر المعماري الجامد، المعمارية زها حديد التي تحدت قوانين الفيزياء، وحققت ما كان يُعد قبلها مستحيلاً، وربما يُعد متحف حيدر علييف في باكو أحد الأمثلة على العمارة السائلة، حين ألغت زها الزوايا القائمة كلياً، لتنساب الأرضية والجدران والأسقف في حركة موجية واحدة، تجسد ذوبان الفواصل التقليدية بين الفضاء الداخلي والمحيط الخارجي، وبهذا نكون أمام فكر يتجاوز البعد الهندسي المادي ليحاكي العمق النفسي، ويعيد تشكيل جغرافيا المكان لخدمة الجانب الحسي للإنسان، ليمنحه احتمالات تمكنه من التنقل بينها تبعاً لحاله المزاجية والعاطفية، وما يناسبه من اختيارات تتبعه.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات