ملخص
تحاور "اندبندنت عربية" المتحدثة الإقليمية باسم وزارة الخارجية الأميركية كاريسا غونزاليس للوقوف عند مواقف الإدارة من أبرز التطورات الإقليمية، من إيران مروراً بسوريا ولبنان وغزة، وصولاً إلى اليمن، واستشراف توجهات واشنطن خلال المرحلة المقبلة.
لا مبالغة في القول إن منطقة الشرق الأوسط تغلي على صفيح براكين متفجرة منذ ثلاثة أعوام، تارة تخفت وتارة أخرى تنفجر، من إيران مروراً بسوريا ولبنان وغزة، وصولاً إلى اليمن والممرات البحرية الإستراتيجية في الخليج العربي.
وفي قلب هذا المشهد، تحضر الولايات المتحدة، لا بصفتها مراقباً لمجريات الأحداث، بل طرفاً في بعض فصولها، بخاصة مع إيران. وهنا تتزايد الأسئلة حول أولويات واشنطن في المنطقة وحدود تدخلها الدبلوماسي والعسكري ومستقبل علاقاتها مع حلفائها وخصومها، خصوصاً أن الملفات الأمنية والسياسية تتشابك في مشهد إقليمي معقد، مما يطرح تساؤلات حول الإستراتيجية الأميركية وقدرتها على احتواء التصعيد وإرساء الاستقرار.
في هذا السياق، تحاور "اندبندنت عربية" المتحدثة الإقليمية باسم وزارة الخارجية الأميركية كاريسا غونزاليس للوقوف عند مواقف الإدارة من أبرز التطورات الإقليمية، من إيران مروراً بسوريا ولبنان وغزة، وصولاً إلى اليمن، واستشراف توجهات واشنطن خلال المرحلة المقبلة.
أمن الولايات المتحدة ومصالحها
في بداية الحوار عن سياسة واشنطن الخارجية، تؤكد غونزاليس أننا أمام إعادة تركيز واضحة للسياسة الخارجية الأميركية حول مبدأ أن تخدم أولاً أمن الولايات المتحدة ومصالحها وازدهار شعبها وهو مبدأ "أميركا أولاً" الذي أوضحه الرئيس دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو، مما لا يعني انسحاب الولايات المتحدة من العالم أو التخلي عن حلفائها وشركائها، بل يعني أن التدخل الأميركي يجب أن يرتبط بأهداف واضحة ونتائج ملموسة، وأن تكون الشراكات قائمة على تقاسم المسؤوليات والمصالح المشتركة.
وتقول "إدارة ترمب تعتمد مقاربة أكثر مباشرة وواقعية، تجمع بين الدبلوماسية وقوة الردع والشراكات والأدوات الاقتصادية. كما أنها مستعدة لاستخدام قنوات تفاوض مباشرة عندما تكون أكثر فاعلية، أو العمل عبر المؤسسات الدولية عندما تستطيع تلك المؤسسات تحقيق نتائج. المعيار في النهاية هو ما الذي يخدم المصلحة الأميركية ويساعد في تحقيق السلام والاستقرار، وليس الحفاظ على نهج معين لمجرد أنه كان متبعاً في السابق".
وعند الحديث عن مبدأ "السلام من خلال القوة"، ترى غونزاليس أن القوة العسكرية ليست بديلاً عن الدبلوماسية، لكنها تضمن أن الخصوم يدركون أن تهديد الولايات المتحدة أو مواطنيها أو شركائها ستكون له عواقب، والرئيس ترمب أكد مراراً أنه يريد إنهاء الحروب لا إطالتها، لكن الوصول إلى تسوية مستدامة يتطلب أحياناً الجمع بين الحوار والضغط والردع.
العقوبات الاقتصادية وتأثيرها
نسألها هل أصبحت العقوبات الاقتصادية أداة أكثر فاعلية من الدبلوماسية التقليدية في السياسة الخارجية الأميركية، أم أن تجربة إيران وروسيا أظهرت حدود قدرة العقوبات على تغيير سلوك الدول؟
فتجيب "لا ننظر إلى العقوبات والدبلوماسية بوصفهما بديلين أحدهما عن الآخر. فالعقوبات أداة لحرمان الجهات التي تهدد الولايات المتحدة وشركاءها من الموارد وزيادة كلفة سلوكها وتغيير حساباتها. لكنها تكون أكثر فاعلية عندما تكون جزءاً من إستراتيجية أوسع تشمل الدبلوماسية والردع والتعاون مع الشركاء"، وتضيف أن "إيران مثال واضح على ذلك. خلال الأسابيع الأخيرة كثفت الولايات المتحدة الضغط على شبكات إيران المالية والصناعية وشبكات تصدير النفط والتهرب من العقوبات، واستهدفت أيضاً قنوات تستخدم لتمويل القوات والجماعات الإرهابية التابعة لها، وفي الوقت نفسه، بقي الباب مفتوحاً أمام حل دبلوماسي إذا اختارت طهران مساراً مختلفاً".
وعما يصفه بعضهم بـ"تراجع الثقة الأميركية بالأمم المتحدة والمنظمات الدولية"، تشدد غونزاليس على أن بلادها لا ترفض العمل الدولي أو الأمم المتحدة، لكنها تطالب المؤسسات الدولية بأن تكون فاعلة وتركز على مهامها الأساسية وأن تحترم سيادة الدول ومصالح أعضائها. الرئيس ترمب كان واضحاً في أن المؤسسات لا ينبغي أن تستمر لمجرد استمرارها، يجب أن تحقق نتائج وأن تكون هناك مساءلة عن أدائها ومواردها.
إنهاء الحروب ومنع النزاعات من التوسع
وعن معيار إدارة ترمب لنجاح سياستها الخارجية، بين خيارات إنهاء الحروب، أم حماية المصالح الأميركية، أم إعادة تشكيل موازين القوى الدولية؟ تؤكد أن المعيار الأساس هو حماية المصالح الوطنية الأميركية وأمن الشعب الأميركي. وفي كثير من الحالات، يتوافق ذلك مع إنهاء الحروب ومنع النزاعات من التوسع، لأن عدم الاستقرار والحروب الطويلة يهددان أمن الولايات المتحدة وشركائنا والاقتصاد العالمي، وتضيف "لذلك ننظر إلى النجاح من خلال ما إذا كانت السياسة تجعل الولايات المتحدة أكثر أمناً وتردع التهديدات وتقوي شركاءنا وتخلق ظروفاً تسمح بالسلام والازدهار. وعندما تتنافس الأولويات، تبقى المصلحة الوطنية الأميركية هي الأساس".
في المحور الثاني، نتحدث عن الشرق الأوسط، حروب إيران واليمن ومستقبل المنطقة، وهنا نطرح السؤال التالي "بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما الهدف الإستراتيجي النهائي لواشنطن؟ هل يكفي إنهاء التهديد النووي والصاروخي، أم أن الإدارة الأميركية تسعى إلى تغيير طبيعة النظام الإيراني ودوره الإقليمي؟"، فتقول غونزاليس إن الأهداف الأميركية كانت واضحة منذ بداية العمليات وهي منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتقليص قدرتها على تهديد الولايات المتحدة وشركائنا بالصواريخ والطائرات المسيّرة والقوة البحرية، ووقف قدرتها على تسليح وتمويل الجماعات التي تستخدمها لزعزعة استقرار المنطقة، هذه هي الأهداف الأمنية التي حددتها الإدارة علناً.
وعن العمليات الأميركية في المنطقة، تحديداً إيران، ترى أنها ألحقت أضراراً واسعة بقدراتها النووية والعسكرية والصاروخية والبحرية، والإدارة الأميركية كانت واضحة في شأن حجم التراجع الذي تعرضت له قدرة إيران على تهديد الولايات المتحدة وشركائنا، فيما لا تنتهي السياسة الأميركية بانتهاء العمليات العسكرية، وسيتواصل الضغط الاقتصادي والعقوبات وملاحقة شبكات التهريب والتمويل والمشتريات العسكرية، فضلاً عن الردع والدبلوماسية، بهدف منع إيران من إعادة بناء التهديد نفسه الذي أدى إلى الأزمة أساساً، مؤكدة أن أحدث الإجراءات الأميركية استهدفت شبكات النفط والتمويل والمشتريات التي يعتمد عليها النظام في إعادة تمويل قدراته العسكرية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
جبهة اليمن المشتعلة
ومن إيران ننتقل لنتحدث عن جبهة اليمن "المشتعلة" خلال الأسابيع الأخيرة، وهنا تقول غونزاليس "لا شك في أن الحوثيين المدعومين من إيران يشكلون تهديداً خطراً ومتزايداً لأمن المنطقة. هجماتهم استهدفت مدنيين ومنشآت حيوية، وتهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية وأمن الطاقة. والولايات المتحدة كانت واضحة في أنها ستواصل الوفاء بالتزاماتها تجاه شركائها وحماية حرية الملاحة ومنع تصدير الإرهاب من المنطقة".
وتابعت أن "رسالتنا إلى طهران واضحة وعليها وقف دعم الحوثيين والأنشطة التي تزعزع استقرار المنطقة. الولايات المتحدة ستدافع عن مصالحها وشركائها وستعمل على منع الحوثيين من تحويل البحر الأحمر وباب المندب إلى مصدر دائم للتهديد وعدم الاستقرار".
بعد ثلاثة أعوام على السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تُطرح تساؤلات عدة حول وضع الشرق الأوسط وفي ما إذا أصبح أقرب إلى السلام، أو أن الحروب الأخيرة أوجدت توازنات عسكرية جديدة من دون معالجة الأسباب السياسية للصراعات. في هذا السياق ترى المتحدثة الإقليمية باسم الخارجية الأميركية أن الشرق الأوسط اليوم مختلف بصورة كبيرة عما كان عليه قبل ثلاثة أعوام، فانتهت المواجهات الواسعة في عدد من الساحات، وتغير ميزان القوى الإقليمي، وتراجعت قدرات إيران وعدد من الجماعات المسلحة التي اعتمدت عليها، لكننا لا نرى أن إنهاء جولة من القتال يعني أن العمل انتهى.
وتضيف أن "السلام المستدام يحتاج إلى تنفيذ الاتفاقات، ووجود دول ومؤسسات قادرة على فرض القانون واتخاذ قرارات الحرب والسلام، ومنع الجماعات المسلحة من إعادة بناء قدراتها، وخلق فرص اقتصادية وسياسية تقلل احتمالات العودة للصراع، لذلك فإن التركيز الأميركي الآن هو على تحويل المكاسب الأمنية إلى ترتيبات أكثر استدامة، وليس الاكتفاء بتغيير ميزان القوى عسكرياً".
الإطار الثلاثي بين أميركا وإسرائيل ولبنان
دخل لبنان وإسرائيل في الأشهر الماضية مساراً تفاوضياً مباشراً برعاية أميركية، على رغم تعثره أخيراً. في السياق تقول غونزاليس إن الإطار الثلاثي، الموقع بين واشنطن وبيروت وتل أبيب، يوفر مساراً حقيقياً نحو مستقبل أكثر أمناً واستقراراً للبنان. وشهدنا بالفعل خطوات مهمة، بما في ذلك محادثات على مستويات رفيعة بين لبنان وإسرائيل لم نشهد مثلها منذ عقود، إضافة إلى استمرار المحادثات الفنية وإنشاء آلية لمنع الاشتباك والعمل على آليات للتحقق من التنفيذ. والولايات المتحدة على تواصل مستمر مع الطرفين لدفع هذا المسار إلى الأمام.
وتقول "الهدف لا يقتصر على إدارة الوضع الأمني الحالي. الإطار نفسه يفتح الطريق أمام إنهاء حال النزاع والوصول إلى ترتيبات أكثر شمولاً واستدامة بين دولتين لديهما السيادة. لكننا ندرك أيضاً أن الطريق طويل وصعب، ولذلك ينصب التركيز الآن على تنفيذ الالتزامات القائمة وبناء الثقة من خلال خطوات ملموسة وقابلة للتحقق.
وعن الضمانات التي تستطيع الولايات المتحدة تقديمها إلى لبنان في شأن الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الاعتداءات، خصوصاً في ظل استمرار التوتر الميداني على رغم التفاهمات، تشدد على أن الولايات المتحدة تتواصل بصورة منتظمة مع لبنان وإسرائيل لدفع تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، و"هدفنا هو دعم سيادة لبنان والوصول إلى وضع أمني مستدام يسمح للجيش اللبناني ومؤسسات الدولة ببسط سلطتها الكاملة، معتبرة أن نزع سلاح "حزب الله" يبقى جزءاً أساساً من أي حل مستدام، إذ سبق أن وافق الحزب على ترتيبات وقف الأعمال العدائية التي استندت إلى التنفيذ الكامل للقرار 1701، بما في ذلك تعزيز سلطة الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية.
وأضافت "إذا كان الحزب حريصاً بالفعل على مصلحة الشعب اللبناني ومستقبل الجنوب، فعليه أن ينزع سلاحه ويتوقف عن عرقلة عمل الدولة وجر لبنان إلى نزاعات تخدم مصالح طهران. وفي المقابل، تعمل الولايات المتحدة مع شركائها في الخليج وأوروبا على إمكان توفير مليارات الدولارات لإعادة إعمار الجنوب ومساعدة النازحين. هدفنا هو أن تتمكن الدولة اللبنانية، لا أية جماعة مسلحة، من قيادة مرحلة التعافي وتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اللبناني".
"حزب الله" منظمة إرهابية
هنا نطرح عليها السؤال التالي "هل يمكن أن تتعامل الولايات المتحدة مستقبلاً مع الحزب بوصفه حزباً سياسياً لبنانياً إذا تخلى عن جناحه العسكري، أم أن موقفها منه لن يتغير حتى في هذه الحالة؟"، فتجيب "الحزب مصنف حالياً لدى الولايات المتحدة منظمة إرهابية، ولن نستبق سيناريوهات افتراضية حول تغييرات مستقبلية في تصنيفات قانونية قائمة. أما الحياة السياسية الداخلية في لبنان، فهي شأن يقرره اللبنانيون وفق قوانينهم ودستورهم".
نختم حوارنا معها بسؤال عن مستقبل الجنوب اللبناني مع اقتراب نهاية ولاية "اليونيفيل"، فتقول "تركيزنا خلال هذه المرحلة هو على تنفيذ الإطار الثلاثي وتعزيز قدرة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية على بسط سلطتها في الجنوب. وقد أُنشئت بالفعل آلية لمنع الاشتباك، وتستمر المحادثات الفنية في شأن التنفيذ والتحقق، إضافة إلى الدعم الأميركي للحكومة اللبنانية وقدرات الجيش اللبناني. أما ما سيحل محل اليونيفيل تحديداً، فلا نريد استباق المشاورات أو الإعلان عن آلية لم يُتفق عليها".