ملخص
تعتقد بعض المصادر المتابعة للإستراتيجية الإيرانية أن أجهزة طهران خاضت حربها السياسية ضد الرئيس ترمب على محاور عدة، وقد وصفنا محور المفاوضات المتقطعة ومحور الصفقات المالية، إلا أن المحور الأكثر ثباتاً ولا يزال هو الاختراقات التي حققتها الأجهزة الإيرانية والحليفة لها داخل الجسم الأميركي لا سيما منذ انتخاب أوباما، فبفضل الصفقات الناتجة من الاتفاق النووي المنبثقة عن عقود التنفيذ تشكلت كتل مالية، وبالتالي سياسية تقودها مليارات اللوبي المؤيد لصفقة 2015.
المتابعون للمواجهة الأميركية - الإيرانية منذ بداية عهد دونالد ترمب الثاني باتوا على معرفة بأن الجمهورية الإسلامية لها مقاربة تكتيكية متطورة في تعاطيها مع إدارة ترمب، ولكن الهدف النهائي ليس مشاركة تاريخية من الشعب الأميركي، بل مناورات متتالية متناقضة تسعى إلى تغيير ميزان القوى للبلدين وإضعاف الدولة الأميركية، إلى حد منعها من تغيير النظام في طهران.
وللنخبة الخمينية حلم في تغيير النظام في أميركا، وإنهاء ما أطلق عليه اسم "الاستكبار العالمي في 1979"، والإستراتيجية هذه تعتمد محاور عدة، هذه أهمها:
"شراء القرار الأميركي"
قد تبدو هذه الكلمات قاسية، ولكنها تفهم بالتحرك الجيوسياسي والإمساك بميكانيكية التأثير السياسي، لنعطي مثلين، الأول هو الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما في 2015 مع النظام الإيراني، هذا الأخير فتح قابلية الوسطاء والـbrokers في الغرب ليقنعوا الإدارة وحزب كبير في أميركا بأن الاتفاق سيوفر لواشنطن وبروكسل فرصة تاريخية لتثبيت الاستقرار في الشرق الأوسط، بعد عقود من التوتر الإيراني - الأميركي.
في الشكل كان وعداً سياسياً، ولكن الوعد الأعمق كان مالياً بالنسبة إلى النخبة الداعمة للإدارة، 150 مليار دولار "تشتري" نفوذاً هائلاً وتأثيراً في القرارات الكبرى، فتمكن النظام الإيراني خلال المفاوضات الأولية منذ 2009 أن يحمي نفسه من ضربات خارجية، وبالتالي من اتتفاضات داخلية.
واستمر تأثير الاتفاق الأوبامي حتى في سنوات الفترة الرئاسية الأولى لترمب، واستمر على رغم إلغائه، إلا أن بعض المحللين خلصوا إلى أن لوبي الاتفاق أسهم في حملة إسقاط ترمب في 2020، ويبدو أن القيادة الإيرانية ناورت بالمنهجية نفسها، ولكن بظروف أصعبت عملية الإفلات من حملة ترمب العسكرية، والإفلات الأول كان في أواخر حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) 2025.
فعندما طلبت إيران من دول عربية التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وضغطت واشنطن على بنيامين نتنياهو لوقف الغارات، فصلت طهران على ستة أشهر إضافية واعدة الرئيس ترمب بمباشرة المفاوضات.
الاتفاق النووي الثاني
مع بداية 2026 والقمع الدموي التي تعرض له الشعب الإيراني بسقوط نحو 55 ألف ضحية، تسارع النظام للعرض على الرئيس ترمب صفقة كبيرة تخطت صفقة أوباما، وذلك بعد أن شجع ترمب المتظاهرين في طهران والمدن الكبرى أن يستمروا بالاحتجاجات ويسيطروا على المؤسسات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خاف حكام طهران من ثورة شاملة مسلحة مدعومة من ترمب، فتسارعوا إلى فتح بازار مع المفاوضات، وبدأت رقصة الفالس تذهب إلى الأمام والخلف، يقصف الأميركيون والإسرائيليون فيتصل الإيرانيون طالبين وقف إطلاق النار، ويعود ترمب للتفاوض، ودام ذلك نحو تسعة أشهر فكسب الخمينيون وقتاً طويلاً حتى اقتربوا من الانتخابات النصفية في أميركا.
معركة الكونغرس
تعتقد بعض المصادر المتابعة للإستراتيجية الإيرانية أن أجهزة طهران خاضت حربها السياسية ضد الرئيس ترمب على محاور عدة، وقد وصفنا محور المفاوضات المتقطعة ومحور الصفقات المالية، إلا أن المحور الأكثر ثباتاً ولا يزال هو الاختراقات التي حققتها الأجهزة الإيرانية والحليفة لها داخل الجسم الأميركي لا سيما منذ انتخاب أوباما، فبفضل الصفقات الناتجة من الاتفاق النووي المنبثقة عن عقود التنفيذ تشكلت كتل مالية، وبالتالي سياسية تقودها مليارات اللوبي المؤيد لصفقة 2015.
ويعتقد المحللون أن هذه الكتلة هي التي وقفت وراء الحملات لإسقاط ترمب، أكان إبان فترته الأولى أم أيام محاولات عزله في نهاية الفترة وتحت إدارة جيمي راسكين، وبكلام آخر بحسب هؤلاء المحللين فإن مليارات صفقة 2015 هي التي أخرجت ترمب من البيت الأبيض وحاربته من دون هوادة وتعود لإسقاط حزبه في الانتخابات النصفية، وعلى أساس احتمال خسارته لمجلس النواب إطلاق حملة عزله الجديدة.
و"أ" و"ب" من ذلك بحسب هذه النظرية فإن صفقة الاستثمار 300 مليار دولار التي قبل بها النظام ووعد بها من كتب مذكرة التفاهم، هي الآن تشكل العمود الفقري لإستراتيجية أخصام ترمب في طهران، بكلام آخر فالجمهورية الإسلامية أنقذت نفسها بالاتفاق الأول، وهي تسعى إلى إنقاذ نفسها من جديد عبر الاتفاق الثاني الذي اقترحه الرئيس نفسه، فعدد الشركات والمصالح الغربية التي ترى دخول صفقة مع الحكم في إيران هي التي تتصدى لحملة أميركية لإسقاط النظام.
إستراتيجية النظام الإيراني حيال الإدارة الحالية هي الاستمرار بوعد المصالح والشركات بإعطاء الفرصة للنخبة الحاكمة، وهذه الأخيرة تتحرك بكذا اتجاه لإسقاط النخبة الجمهورية الداعمة لترمب، ولكن هناك خطورة أشد على الإدارة إذا تم إسقاط الأكثرية الجمهورية المفيدة لترمب في الكونغرس، التحدي كبير أمام البيت الأبيض، وإيران تمسك بأوراق متعددة في المعركة الداخلية.. لنرى.