Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"نانوك الشمال" لفلاهرتي يعيد اختراع سينما الإنسان

الحدود الممحية بين تصوير الحياة كما هي ونقلها إلى الشاشة ظريفة مشذبة

مشهد من فيلم "نانوك الشمال" (موقع الفيلم) 

ملخص

في فيلم "نانوك الشمال"، عرف فلاهرتي كيف يصور عبر كاميرا صادقة نزيهة وموضوعية الحياة اليومية، كما يعيشها ابن الإسكيمو نانوك مع زوجته نايلا وولديهما وكلبهما كوموسن، على سواحل بحر "هوبويل" إلى الشرق من خليج الهدسون، فلقد تابعت الكاميرا حياة نانوك وأسرته، ورصدت عمليات بيع جلد الثعالب الذي يعيشون منها، وشاهدت كيف يبني نانوك كوخه المسمى "إيغلو" وكيف يصطاد الفقمة، وكيف يجابه عاصفة الثلج، ثم رصدته خصوصاً في بعض المواقف الطريفة التي وضعته على احتكاك مع بعض ظواهر الحياة الحديثة، مثلاً حين يكتشف وجود الغراموفون (الحاكي) للمرة الأولى، وما إلى ذلك.

نعرف أن السينما، مذ وجدت، كانت سينما تسجيلية، أو وثائقية لمن يفضلون هذا التوصيف، لا روائية. كانت البداية مع الأخوين لوميار اللذين وضعا الكاميرا أمام مشاهد من الحياة الطبيعية وصوراها، ولئن كان جمهور الصالات، خلال الأعوام الأولى من عمر الفن السابع، قد دهش إلى حد الذهول أمام الصور الواقعية وهي تتتالى أمام ناظريه، فلقد كان عليه أن ينتظر بعض الشيء قبل أن "تقبض" السينما على الفنون الأخرى، من مسرح وأدب وتمثيل وما إلى ذلك، ويبدأ عصر السينما الروائية، بدءاً مع الفرنسي الآخر جورج ميلياس الذي ستكون جهوده السينمائية المبدعة، ولا سيما في مجال السينما الروائية الشعبية، محور فيلم يحققه مارتن سكورسيزي، ولكن هذه حكاية أخرى بالطبع. 

ومن هنا فمن الواضح أن الأفلام التي حققها الأميركي روبرت فلاهرتي وارتبطت باسمه، وكانت في معظمها أفلاماً تسجيلية تحاول أن تنقل إلى الشاشة الكبيرة صورة ما يحدث في الحياة الواقعية، لم تكن الأولى من نوعها، ومع هذا فثمة من بين أهل المهنة والمؤرخين من يعتبرها فاتحة علاقة السينما بالحياة، ويعتبر مبدعها "رائداً للسينما التسجيلية" من دون منازع. 

وينطبق هذا خصوصاً على فيلم "نانوك الشمال" الذي عرف في العالم باسم "نانوك الإسكيمو"، وحقق صامتاً عام 1922، فارضاً حضوره ومكانته في زمن كانت السينما الناجحة والحية، صارت فيه السينما الروائية، مع تضاءل جماهيري، في الأقل، لأهمية السينما التسجيلية.

والحقيقة أن فلاهرتي نفسه كان أول المندهشين حين عرض فيلمه هذا للمرة الأولى في صالة نيويوركية بمعية فيلم هزلي لهارولد لويد، وحقق الفيلم نجاحاً هائلاً. 

لقد عرض فلاهرتي الفيلم وهو متردد وشبه واثق من أن الفيلم، في أحسن أحواله، سيمر مرور الكرام من دون أن يلفت نظر أحد، وكذلك من دون أن يرى أحد مغبة في عرضه، لكن المعجزة حدثت، ووقف الناس مذهولين يصفقون فور انقضاء الـ 50 دقيقة التي هي مدة عرض الفيلم. 

سينما أنثروبولوجية

والحال أن مؤرخي السينما وعلماء الاجتماع لم يتوقفوا منذ ذلك الحين عن محاولة درس العناصر التي أمنت ذلك النجاح، فاتحة الباب عريضاً أمام نوعية من الأفلام، ستحمل لاحقاً اسم "الأفلام الأنثروبولوجية"، تحاول أن تطل على زوايا الأرض البعيدة، مقدمة صورة لسكانها. 

وفيلم "نانوك الشمال" على هذه الشاكلة، فأولاً وأخيراً هو شريط توغلت كاميرا مخرجه في عوالم لم يكن لـ "العالم المتحضر" عهد بها من قبل، وبالكاد كان الجمهور العريض يعرف شيئاً عن أصقاع الإسكيمو الشمالية ذات المناطق المغطاة دوماً بالثلوج، وعن سكانها الذين كانت الأساطير تحكي ألف حال وحال من أحوالهم. 

 

هنا، أمام كاميرا فلاهرتي، صارت حياتهم، بل حياتهم اليومية في أدق تفاصيلها، معروضة بكل وضوح ومكبرة إلى أبعد حدود الممكن التقني في ذلك الحين، أمام أعين المتفرجين، وكان سحر السينما ولذة الاكتشاف، ومع هذا فإن نانوك ليس فيلماً تسجيلياً بالمعنى الحرفي للكلمة، بل هو بالأحرى فيلم يقوم بأدوارهم الحياتية فيه أفراد من الإسكيمو، عارفون أن هنا كاميرا تصورهم وتطلب منهم أن يتنبهوا إلى وجودها: تطلب منهم أن يعيشوا حياتهم كما هي وكما يمارسونها، وكم يبدو الفارق كبيراً اليوم، في جوهر الموضوع، بين الحياة التي عاشها الإسكيمو وصورتها كاميرا فلاهرتي، وبين الحياة المفتعلة التي سيعيشها بعد ذلك بزمن طويل على شاشة التلفزة الفرنسية، وغيرها من شاشات العالم، رهط من شبان في برنامج "لوفت ستوري" الناجح، والذي أتى بهم بصورة مفتعلة ليعيشوا أمام كاميرات ترصدهم ليلاً نهاراً، حياة يزعم أنها حياتهم، لكنها في واقع الحال حياة "مفبركة"، ككل شيء تلفزيوني يطلق عليه اسم "تلفزيون الواقع".

كاميرا صادقة

في فيلم "نانوك الشمال" عرف فلاهرتي كيف يصور عبر كاميرا صادقة نزيهة وموضوعية الحياة اليومية كما يعيشها ابن الإسكيمو نانوك مع زوجته نايلا وولديهما وكلبهما كوموسن، على سواحل بحر "هوبويل" إلى الشرق من خليج الهدسون، فلقد تابعت الكاميرا حياة نانوك وأسرته، ورصدت عمليات بيع جلد الثعالب الذي يعيشون منها، وشاهدت كيف يبني نانوك كوخه المسمى "إيغلو"، وكيف يصطاد الفقمة، وكيف يجابه عاصفة الثلج، ثم رصدته خصوصاً في بعض المواقف الطريفة التي وضعته على احتكاك مع بعض ظواهر الحياة الحديثة، مثلاً حين يكتشف وجود الغراموفون (الحاكي) للمرة الأولى، وما إلى ذلك. 

 

واللافت أن فلاهرتي سمح لنانوك "بطله" في أحيان كثيرة أن ينظر إلى الكاميرا، وكأنه يشير بطريقة تستبق بعض إنجازات برتولد بريخت المدهشة في مجال مسرح التغريب، أي أن هذا الشخص الذي تلتقطه الكاميرا ليس شخصاً مخدوعاً يصوّر من دون علمه، بل شخص يعرف تماماً أن الكاميرا موجودة، وثمة وجود من خلالها لجمهور سيقيَّض له بعد ذلك أن يشاهد الشريط. 

إذاً، كل شيء هنا واضح، حيث لا أحد يخدع أحداً، ولنذكر في هذا الصدد أن السينمائي التسجيلي الفرنسي الكبير جان روش، الذي كان يعد في شكل أو آخر، امتداداً لفلاهرتي، كتب يوماً يقول عن فيلم "نانوك الشمال" بعنوان "أقرب ما تكون الكاميرا من الإنسان"، إن "هذا الفيلم من صنع مخرج تسجيلي مثالي هو روبرت فلاهرتي، ذلك الرائد الذي نعرف أنه لم يتلق العلم في أية مدرسة، باستثناء مدرسة حطابي أقاصي الشمال الأميركي، لكنه حين بهرت العبارة أضواء خليج الهدسون، اخترع السينما عبر عيني نانوك المبهورتين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العيش على حدة

من أجل تصوير هذا الفيلم الذي لا علاقة له البتة بتلك "النظرة الاستشراقية" التي كثيراً ما ألقيت من فناني ومفكري "العالم المتحضر" على "الشعوب المتخلفة"، وكي تأتي الصورة واقعية حية مليئة بالحنان، عاش فلاهرتي طوال عامين في تلك القرية من قرى الإسكيمو (قرية إينو كجواك)، وهناك قرر أن أفضل شيء يمكن فعله، بدلاً من الضياع في متاهات حياة عشرات الأشخاص والمجتمع، أن يركز كاميرته على شخص واحد. 

واختار نانوك، رب الأسرة الطريف والمحب للحياة والمزاح، والذي عُرف كيف ينقل في نظراته دهشته أمام كل ما يراه وما يحدث له، وللتعبير عن نظرة نانوك، وجد فلاهرتي نفسه، في طريقه، يكتشف اللقطة المكبرة، وحركة الكاميرا إلى الأمام والوراء وإلى أعلى وأسفل، واستعان بأهل القرية كمساعدين له وعلّمهم الصنعة، وصور بخاصة مرح نانوك وضحكته حين كان يرى، يوماً بعد يوم، صورته كبيرة على الشاشة التي أقامها فلاهرتي في غرفة التحميض والطبع. 

كل هذا أدركه الجمهور باكراً، وأدرك كم أن في إمكان السينما أن تكون لصيقة بالإنسان، وهذا ما صنع لروبرت فلاهرتي سمعته كواحد من المؤسسين الحقيقيين لفن السينما، مع الإشارة هنا إلى أن ثمة فيلماً آخر بالعنوان والموضوع نفسهما، كان فلاهرتي قد حققه قبل هذا الفيلم، لكن سالبه احترق خلال نقله واعتقد الكل أنه فقد إلى الأبد، إلى أن اكتشفت نسخة موجبة منه، ويقول الناقد الفرنسي مارسيل مارتان إنه شاهد عرضاً لها في الخمسينيات في إحدى الجامعات الأميركية، وهي الجامعة التي تمتلك النسخة المفقودة في أرشيفها.

سيرة رائد فضولي

بقي أن نذكر أن فلاهرتي ولد عام 1884 في ميشيغان لأسرة يعمل ربها في المناجم، وعرف منذ طفولته بفضوله الكبير الذي قاده عام 1913 إلى امتلاك كاميرا هواة راح يصور بها فصولاً من الحياة التي يرصدها حوله، وفصولاً من حياة قبائل الإسكيمو المقيمة في الجوار، أما عمله الاحترافي فبدأ عام 1920، وبعد عامين كان فيلم "نانوك" في نسختيه، وبعده حقق كثيراً من الأفلام التي تعد اليوم علامات في تاريخ السينما، ومعظمها عن أصقاع العالم البعيدة: "موانا" (1925)، و"تابو" (شراكة مع الألماني مورناو - 1931)، و"بريطانيا الصناعية"، و"إنسان جزيرة آران"، ثم "لويزيانا ستوري"، أحد أهم أفلامه، وقد رحل عام 1951 مكللاً بالمجد، ككبير من كبار سينما الإنسان.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة