ملخص
على رغم استمرار صعود العقود الآجلة للخام، أسهم تحسن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز أخيراً في تخفيف الضغوط على الإمدادات الفعلية، مما انعكس على أسعار الشحنات المتداولة في السوق الفورية.
يرى متخصصون في أسواق النفط أن استمرار ارتفاع الأسعار بات مرتبطاً بأمن الملاحة البحرية وقدرة المنتجين على إيصال إمداداتهم إلى الأسواق، أكثر من ارتباطه بمستويات الإنتاج وحدها، محذرين من أن تعافي التدفقات النفطية، لا سيما من منطقة الخليج، لن يكون كافياً لاحتواء الأسعار ما دامت كلفة الشحن والتأمين مرتفعة وأخطار اضطراب الإمدادات قائمة.
وأكد متخصصون تحدثوا إلى "اندبندنت عربية" أن الأسواق دخلت مرحلة تتزايد فيها أهمية طرق نقل النفط إلى جانب حجم المعروض، إذ باتت المخاوف الأمنية تنعكس مباشرة على أجور الناقلات وتوافرها، بينما تتباين توقعات المؤسسات المالية بين استمرار علاوة الأخطار واحتمال تراجع الأسعار مع استعادة استقرار الإمدادات.
وتأتي هذه التقديرات بعدما اقترب خام "برنت" من 117 دولاراً للبرميل بنهاية تعاملات أمس الجمعة، مدفوعاً بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط والمخاوف من تجدد اضطرابات الإمدادات.
وأغلق "برنت" تسليم ديسمبر (كانون الأول) عند 116.72 دولار للبرميل مرتفعاً 3.14 في المئة، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط 3.8 في المئة إلى 103.3 دولار.
وعلى مدار الأسبوع حقق "برنت" مكاسب بلغت نحو 6.2 في المئة، مسجلاً أعلى إغلاق منذ الـ29 من أبريل (نيسان) الماضي، فيما ارتفع الخام الأميركي بنسبة 2.3 في المئة، في إشارة إلى استمرار الضغوط الصعودية على أسواق الطاقة.
ومنذ مطلع أكتوبر الجاري حتى الآن، ارتفع "برنت" بنحو 14 في المئة مقارنة بمستواه البالغ 102.3 دولار في بداية الشهر ذاته، في وقت عادت المخاوف الجيوسياسية لتطغى على مؤشرات تعافي بعض صادرات الشرق الأوسط.
وارتفع سعر خام "برنت" بأكثر من 85 في المئة منذ بداية العام، مدفوعاً بتداعيات الحرب الأميركية على إيران التي تقترب من إكمال شهرها الثامن، فيما سجلت أسعار المنتجات النفطية المكررة، خصوصاً الديزل، ارتفاعات أكبر.
وعلى رغم استمرار صعود العقود الآجلة للخام، أسهم تحسن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز أخيراً في تخفيف الضغوط على الإمدادات الفعلية، مما انعكس على أسعار الشحنات المتداولة في السوق الفورية.
الملاحة تحدد اتجاه الأسعار
قال المتخصص النفطي الكويتي كامل الحرمي إن عودة أسعار النفط إلى مستويات أكثر استقراراً تتطلب انتظام التدفقات عبر مضيق هرمز واستعادة الثقة في حركة الملاحة، موضحاً أن تراجع التوترات السياسية لا يعني بالضرورة زوال الأخطار التي تواجه صادرات المنطقة.
وأشار الحرمي إلى أن الأسواق لا تزال تراقب سرعة عودة حركة الناقلات وكلفة التأمين البحري إلى جانب تطورات الطلب الآسيوي، خصوصاً في الصين والهند، باعتبارها عوامل رئيسة في تحديد اتجاه الأسعار خلال المرحلة المقبلة.
وتعكس هذه القراءة تحولاً في طبيعة الأخطار التي تسعرها الأسواق، إذ لم تعد المشكلة مقتصرة على احتمال توقف الإنتاج، بل تشمل قدرة الشحنات على الوصول إلى وجهاتها في المواعيد المعتادة، وما يرتبط بذلك من كلفة إضافية.
ويعزز هذه المخاوف استمرار الهجمات على السفن التجارية في المنطقة، إذ أظهرت بيانات نقلتها وكالة "رويترز" تسجيل 28 هجوماً مؤكداً أو مبلغاً عنه خلال أكتوبر الجاري في مضيق هرمز والمياه المحيطة، مما يسلط الضوء على الأخطار التي تواجه حركة الناقلات على رغم استمرار عمليات التحميل والتصدير.
كلفة الشحن تضاعف الضغوط
من جانبه، قال المتخصص في شؤون النفط والطاقة عامر الشوبكي إن ارتفاع أجور الشحن البحري بنحو سبعة أضعاف، وفق تقديرات أشار إليها، يعكس حجم الاضطراب الذي أصاب منظومة نقل الطاقة، تزامناً مع زيادة كبيرة في أقساط التأمين على السفن العاملة بالمناطق عالية الأخطار.
وأوضح الشوبكي أن كلفة التأمين قد تصل في بعض الحالات إلى 10 في المئة من قيمة السفينة، مما يضيف أعباء استثنائية على تجارة النفط ويحد من قدرة الأسواق على الاستفادة الكاملة من أي تحسن في الإنتاج.
ولا تتوقف تداعيات هذه الزيادات عند الخام بل تمتد إلى المنتجات المكررة، إذ تؤدي كلفة النقل المرتفعة إلى زيادة كلفة وصول الوقود للمستهلكين، حتى عندما تتوافر كميات إضافية في الأسواق. وتتجلى أهمية هذا العامل في أن زيادة إنتاج النفط لا تعني بالضرورة تراجع الأسعار، إذا ظلت طاقة النقل البحري محدودة أو اضطر المشترون إلى استخدام مسارات أطول وأكثر كلفة.
علاوة الأخطار
على مستوى المؤسسات المالية، يرى رئيس أبحاث النفط لدى "غولدمان ساكس" دان ستروفن أن قوة الأسعار لا تعكس نقص المعروض وحده، بل ترتبط أيضاً بعمليات شراء احترازية من المستهلكين وتحوط المستثمرين ضد احتمالات تجدد اضطرابات الإمدادات.
وأوضح ستروفن أن انخفاض المخزونات يدفع المشترين إلى تأمين حاجاتهم مبكراً، بينما يزيد توجه المستثمرين إلى النفط للتحوط من تقلبات الأسهم والسندات الطلب المالي على الخام، مشيراً إلى أن صادرات المنتجات المكررة من الخليج، ومنها الديزل والبنزين، لا تزال عند نحو 40 في المئة من متوسط مستوياتها خلال عام 2025.
وقدر ستروفن علاوة الأخطار التي تتضمنها أسعار خام "برنت" حالياً بنحو 27 دولاراً للبرميل، مشيراً إلى أن تصاعد الهجمات على السفن أو تعرض منشآت النفط لأضرار إضافية قد يؤدي إلى اضطرابات حادة في الصادرات ويدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.
وفي المقابل، فإن انحسار الأخطار الأمنية قد يزيل جزءاً كبيراً من هذه العلاوة، مما يفسر اتساع احتمالات الصعود والهبوط على رغم تعافي بعض الإمدادات.
وعلى رغم هذه الأخطار، يتمسك بنك "غولدمان ساكس" بتوقعاته لتراجع "برنت" إلى 90 دولاراً في ديسمبر المقبل، ثم تسجيل متوسط يبلغ 80 دولاراً خلال عام 2027، مستنداً إلى فرضية استمرار تعافي الإمدادات من الشرق الأوسط، مع إقراره بأن أخطار الأسعار تميل إلى الجانب الصعودي إذا تجدد التصعيد.
وتكشف هذه التقديرات عن أن الأسعار الحالية تتضمن علاوة ترتبط باحتمالات الاضطراب المستقبلي، لا بحجم النقص القائم في الإمدادات فحسب، وهو ما يفسر استمرار ارتفاع الخام على رغم تحسن بعض التدفقات.
توقعات متباينة
في المقابل، رفع "مورغان ستانلي" توقعاته لمتوسط سعر "برنت" إلى 105 دولارات للبرميل في الربع الرابع من العام الحالي، وإلى 100 دولار في الربع الأول من عام 2027، معتبراً أن كلفة الشحن المرتفعة وقيود النقل البحري تعزز الأسعار حتى مع تعافي جزء كبير من صادرات المنطقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويعكس التباين بين توقعات المصرفين اختلافاً في تقدير سرعة استعادة كفاءة حركة النفط العالمية، فبينما يرجح "غولدمان ساكس" انخفاض الأسعار مع تحسن الإمدادات، يمنح "مورغان ستانلي" وزناً أكبر لاستمرار الاختناقات اللوجيستية وأثرها في كلفة وصول الخام.
اتساع التأثير الاقتصادي لصدمة النفط
وفي قراءة حديثة لتداعيات صعود النفط على الأسواق المالية، أشار محلل الأسواق جيونغ تاي هوانغ، في تحليل نشره عبر منصة "لينكدإن"، إلى أن مخاوف اضطراب الإمدادات والملاحة البحرية في الشرق الأوسط لم تعد تقتصر آثارها على سوق الطاقة، بل امتدت إلى توقعات التضخم وعوائد سندات الخزانة الأميركية، تزامناً مع تعرض الأسهم لضغوط بيعية.
وأشار إلى أن هذه التحركات تعكس اتساع التأثير الاقتصادي لصدمة النفط، إذ قد يؤدي استمرار ارتفاع الأسعار إلى زيادة الضغوط التضخمية وتعقيد مسار السياسة النقدية، بما يفاقم تقلبات أسواق المال العالمية.
اختبار "أوبك+"
تضع هذه التطورات تحالف "أوبك+" الذي تقوده السعودية وروسيا أمام معادلة تتجاوز القرارات التقليدية في شأن مستويات الإنتاج، إذ باتت فاعلية أي زيادة في المعروض مرتبطة بقدرة المنتجين على تصدير الكميات الإضافية، ووصولها إلى الأسواق المستهلكة بكلفة مقبولة.
استعادة الإمدادات قد تخفف الضغوط على الأسعار لكن استمرار اضطرابات الملاحة قد يبقي علاوة الأخطار مرتفعة، وفي المقابل فإن عودة حركة الناقلات إلى مستويات أكثر استقراراً من شأنها تخفيف كلفة الشحن وإعادة العوامل الأساس، وفي مقدمها المخزونات والطلب العالمي، إلى صدارة التسعير.
وتبرز في هذا السياق أهمية مرونة مسارات التصدير وقدرة المنتجين على استخدام بدائل لوجيستية تضمن استمرار وصول الخام إلى الأسواق.
ثلاثة عوامل تحسم المسار
تتجه الأنظار خلال الفترة المقبلة إلى ثلاثة متغيرات رئيسة، تشمل تطورات أمن الملاحة في مضيق هرمز، واتجاه كلفة الشحن والتأمين، وسرعة تعافي الإمدادات والمخزونات العالمية، إذ إن استمرار الهجمات أو اتساع نطاق اضطرابات النقل قد يدعم بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة، بينما يتيح تحسن الظروف الأمنية واستعادة كفاءة سلاسل الإمداد تراجع علاوة الأخطار تدريجاً.
وبذلك، لم يعد السؤال الرئيس في سوق النفط يتعلق بحجم البراميل التي يستطيع المنتجون ضخها فحسب، بل بمدى قدرتهم على ضمان وصولها إلى المستهلكين، في سوق أصبحت فيها سلامة طرق التجارة عنصراً حاسماً في تحديد الأسعار.