Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بقايا ملابس وخوذ أمن الأسد بين الرعب والهشاشة

فنان يحول بزات عسكرية إلى أعمال فنية تروي مشاهد مؤلمة لا تزال عالقة في ذاكرة السوريين

ترك جنود الأسد خلفهم مساحة من الفراغ مصحوبة بالدهشة حيال سقوط الرعب الذي كان يتملك المدنيين طوال عقود من الزمن (اندبندنت عربية).

ملخص

يروي أحد المدنيين السوريين من سكان ريف دمشق العاصمة، كيف شاهد بزات لرتب عسكرية خاصة بضباط ملقاة وسقط مقالب القمامة، موضحاً أنها لرتب تحمل رمز النسر والنجوم، التي كانت لعقود طويلة شاهدة على أداء التحيات العسكرية لها من قبل أبناء السلك ذاتهم، بينما كانت مصدر رعب وبطش على رقاب المدنيين.

لا يزال الشارع السوري يطرح تساؤلاً منذ ليلة سقوط حكم نظام بشار الأسد المدوية، كيف لجيش نظامي بكامل عتاده وتعداده يتبخر؟! وبمنتهى السهولة تحرز قوات المعارضة وتحكم سيطرتها خلال أيام على مدن مهمة من الشمال إلى الجنوب وسط تخبط القوات الحكومية وتهاوي قبضتها الأمنية بطريقة لا يمكن تخيلها.

ومع هذا المشهد غطت ملابس العسكريين سلال القمامة في الشوارع بمجرد سماع خبر سقوط الأسد وفر المقاتلون من الساحات ومقارهم وثكناتهم من دون أن يلتفتوا إلى الوراء، لقد تركوا خلفهم مساحة من الفراغ مصحوبة بالدهشة حيال سقوط الرعب الذي كان يتملكهم طوال عقود من الزمن.

يروي أحد المدنيين السوريين من سكان ريف دمشق العاصمة، كيف شاهد بزات لرتب عسكرية خاصة بضباط ملقاة وسقط مقالب القمامة، موضحاً أنها لرتب تحمل رمز النسر والنجوم، التي كانت لعقود طويلة شاهدة على أداء التحيات العسكرية لها من قبل أبناء السلك ذاتهم، بينما كانت مصدر رعب وبطش على رقاب المدنيين، يضيف "بعد التحرير شاهدت رجلاً يضع إحدى قبعات رجال الشرطة على هيكل خشبي، وهذا الهيكل مصمم ليكون (فزاعة) في حديقته، لم تعد تساوي هذه الملابس أي قيمة. من المضحك أنها لا تعرف أن تؤدي إلا مهمة واحدة كتلك التي يضعها المزارعون، إذ تحولت إلى فزاعة تبث الخوف في النفوس، لكن الفرق أنها كانت تبث الخوف في قلوب المدنيين بينما اليوم في قلوب الطيور والعصافير الصغيرة".

وفي غضون ذلك، حول الفنان السوري متعدد التخصصات مؤسس منظمة "كوكلتشر" في برلين، خالد بركة، الملابس الملقاة أرضاً في ليلة الهرب إلى عمل فني يحاكي ما حدث، فقد عثر على ملابس وخوذ للشرطة ومعدات مكافحة الشغب في سجن داخل المقر السابق لمكافحة المخدرات في جرمانا، وعمد إلى تعليقها بالهواء الطلق لتبدو وكأن أشخاصاً يلبسونها، هذا العمل الفني حظي باهتمام الشارع السوري الذي بات يلتفت إلى كلية الفنون الجميلة في دمشق حيث موقع عرض العمل.

تهاوي الهشاشة

وإن كانت خوذة الشرطي توحي برأس، والحذاء يوحي بقدم فإن المسافة بينهما تستدعي جسداً يكمله المشاهد من ذاكرة الخوف والرعب، وتحته تعلق خوذة فوق بقية المعدات كدرع وحذاءان عسكريان، فترى رجلاً بلا رأس ولا وجه ولا جسد ومع ذلك نتعرف إليه جميعنا في سوريا. والشخوص غير موجودة لكننا ما زلنا قادرين على رؤيتها، وربما على الشعور بشيء مما كنا نشعر به أمامها وسمي عمله الفني بـ"تشريح الهشاشة".

"أنجزته في أعقاب السقوط المفاجئ لنظام الأسد، وأنا ما زلت أحاول استيعاب ما حدث، على مدى عقود، لقد جعل النظام من بقائه يبدو أمراً لا يمكن تغييره ثم تهاوى خلال أيام"، هكذا يصف الفنان بركة مشهد سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 ويرى أنه مهما طال انتظار تلك اللحظة كانت السرعة التي حدثت بها مربكة كالحلم استيقظنا من ذلك الكابوس، وربما سنحتاج إلى وقت طويل للتأكد من أننا استيقظنا فعلاً، وتابع "أردت أن ألتقط شيئاً من تلك اللحظة، من التفاوت الهائل بين الصورة التي عشنا تحتها وما انكشف عند سقوطها، كانت الملابس حين العثور عليها من الصعب حتى تخيل الاقتراب منها قد أصبحت متروكة، أستطيع حملها وتحريكها وإعادة ترتيبها، هذا التحول في علاقتي بها كان بداية العمل".

 

يبدو من عنوان العرض اختيار الفنان كلمة "التشريح"، إذ أراد بها تفكيك هذه الهيئة، والنظر في تركيبها من الداخل بعد مضي زمن يتلقاها الناس ككتلة واحدة يصعب الاقتراب منها، أما "الهشاشة" فلا تعني أن الخوف كان مبالغاً فيه لمن عاش الاعتقال أو فقد شخصاً في السجون، وقال "إنه كان يخاف وهماً، ومنظومة الاعتقال والتعذيب والإخفاء كانت حقيقة موثقة، وما تداعى هو صورة السلطة عن نفسها، ويقصد بالهشاشة أنها تخص ادعاء السلطة أنها (أبدية)، وأن قدرتها على إخضاع الأجساد دليل على متانتها، انكشفت هشاشة هذا الادعاء في ما بقي الأذى الذي ألحقته بالناس قائماً".

الفنان السوري خالد بركة في حديثه إلى "اندبندنت عربية" وفي معرض شرحه عن عرض ملابس أمن الأسد بعد سقوطه يؤكد أنه لا يتعامل مع المعدات بوصفها "غنائم انتصار" سيكون من السهل عرضها، بل "أدوات أشخاص انتهوا، ويمنحنا ذلك راحة لكنه يجعل العمل يقفل على الماضي، ولهذا يتحفظ قليلاً على كلمة (بقايا)"، ويتابع "غياب أصحاب الزي من المشهد لا يعني أن المسؤولية غابت أو أن العلاقات التي جعلت القمع ممكناً تفككت تلقائياً، هو عمل للتذكير بأن كل الأنظمة القمعية تختبئ خلف أقنعة القوة عندما تخيفها أصوات شعوبها".

الخوف المتغلغل

الصدمة كانت تتكرر لكل زائر جديد أو مشاهد عابر لتلك الملابس، لا سيما أن العمل عرض خارج صالة العرض قرب الشارع، ولذلك رآه أيضاً أشخاص لم يأتوا لمشاهدة معرض كان المارة يتوقفون ثم يعاودون النظر لأنهم لم يكونوا متأكدين مما يرونه، وهنا تستوقفني هذه النظرة الثانية تحديداً، العين تعرفت إلى هيئة مألوفة، ثم وجدت فيها شيئاً لا يستقيم.

الزوار تحدثوا عن الخوف الذي كان يشعرون به أمام مشاهد رجال الشرطة والاستخبارات والجنود، وهنا يقول صاحب العمل "حين أتحدث عن السقوط كاستيقاظ من كابوس، أتحدث عن شعور تلك اللحظة لا عن اختفاء الخوف من حياتنا، يصعب أن نقضي عقوداً نتعلم الحذر ثم نتوقف عنه بمجرد أن نعرف أن الظروف تغيرت".

الاختزال بالجرح

ويشرح الفنان المتعدد التخصصات حول بناء العمل، إذ يمر الزائر بين فراغ الشخوص للوصول إلى المعرض، ويصبح جسده جزءاً من العلاقة المكانية التي تقيمها هذه المعدات، وهذه الحركة في رأيه عنصراً أساساً في العمل لكسر جدار الخوف، ويضيف "من عاش الاعتقال قد يقف أمامه من موقع مختلف عمن عرف الأجهزة عبر الحواجز أو قصص عائلته، وقد يأتي شخص آخر بأسئلة لم أتوقعها، فاختزال المشاهد السوري في جرحه وحده يصادر جانباً كبيراً منه، فلديه أيضاً عين وفضول وخيال وليس مطلوباً منه أن يستحضر ألمه كلما وقف أمام عمل فني".

 

وكانت سوريا عاشت قرابة عقد ونصف العقد من الصراع الداخلي، بدأ بحراك شعبي سلمي منذ عام 2011 لإسقاط نظام الأسد، استخدم فيه عنف مفرط في فض الحراك الشعبي، وتعبئة السجون بالمتظاهرين وقمع الآراء وحرية الصحافة والتعبير، مما أدى إلى انفجار داخلي وتحول النزاع إلى عسكري وتأليف قوات معارضة تركز نشاطها في الشمال السوري.

حماية الحاكم

في الأثناء تتنوع الملابس العسكرية حسب تخصصاتها، فمنها ما يتبع لوزارة الدفاع أو الداخلية، وتتعدد ملابس الجيش حسب المنطقة الجغرافية والاختصاص سواء قوات برية أو جوية أو بحرية، ولكن غالباً الجيش يعتمد البدلة الـ(المموهة) وهي الأكثر انتشاراً، بينما اللون الزيتي لرجال الشرطة وفرق مكافحة الشغب ووحدات حفظ النظام، أما اللباس الأسود فلوحدات مكافحة الإرهاب، واللون الأبيض والأسود لرجال المرور.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويلفت النظر الفنان خالد بركة إلى جملة كانت تتردد "أنا من الأمن"، عبارة كانت تختصر السلطة، وكم كانت تعفي قائلها من الشرح، ولعل الزي كان يجعل هذه الجملة مرئية قبل أن تقال.

ويضيف "حين تصبح وظيفة الأمن حماية الحاكم من المجتمع يعامل المواطن بوصفه احتمال تهديد دائم، عندها يمكن أن تنقلب دلالة الأشياء، حين تمنح أجهزة واسعة الصلاحيات قدرة على التدخل في حياة الناس بينما تضيق إمكانات الاعتراض عليها ومحاسبتها، تصبح العلاقة مختلفة جذرياً عن علاقة المواطن بمؤسسة للحماية، فالزي الذي يفترض أن يعلن خدمة عامة يصبح إعلاناً عن تفاوت في القدرة ووظيفة مختلفة".

ويعود الفنان بركة إلى فكرة الزي والحاجز، إذ يعتقد أن هذا التفاوت يمكن أن نراه بوضوح عند الوقوف أمام الحاجز، فعليك تقديم اسمك وأوراقك، ومن أي مدينة أنت، وإلى أين تذهب، وأن تفسر سبب وجودك في المكان، في المقابل قد لا تعرف اسم من يسألك، ولا من تستطيع مراجعته إن احتجزك. ويختم حديثه "أنت مطالب بأن تكشف تفاصيل حياتك لشخص تحميه وظيفته من أبسط أسئلتك، من الصعب أن تشعر بالأمان في علاقة كهذه".

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات