Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يطفئ ترمب نجم زيلينسكي؟

يدرك الرئيس الأوكراني أسوأ السيناريوهات ويقول إنه سيكون من الصعب للغاية مواصلة المواجهة من دون دعم واشنطن

اعترف زيلينسكي صراحة بأن أنظار العالم واهتمامه تحولا بصورة كبيرة نحو ملفات الشرق الأوسط (أ ف ب)

ملخص

ثمة من يعزو انقلاب الرئيس الأميركي الذي لم يكن مفاجئاً تجاه نظيره الأوكراني إلى عجزه عن استمالة زيلينسكي إلى ما يطرحه من خطط أدخل عليها تعديلاته أكثر من مرة، رغبة من جانبه في سرعة التوصل إلى التسوية المنشودة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي المرتقبة في نوفمبر من العام الحالي، إضافة إلى أن ذلك عززته ما يصادفه من متاعب وعثرات بسبب عجزه عن التوصل إلى كامل النتيجة التي ينشدها في صراعه المسلح مع إيران، وما نجم عن ذلك من ارتفاع في أسعار الطاقة وارتباك في الداخل الأميركي.

أفول نجم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي المنتهية ولايته منذ مايو (أيار) عام 2024، وتحول الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعيداً من أوكرانيا ليسا حدثين منفصلين، بل هما وجهان لعملة واحدة، وانعكاس لنقطة التحول في ما قد نسميه "اللعبة الكبرى". وإذا كانت مشاعر ترمب كشفت عن توجهاته منذ سنوات ولايته الأولى التي تبدت خلالها ميوله الودودة تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإنها عادت وتأصلت ووجدت قبولاً متبادلاً لها لدى الرئيس بوتين على خلفية عداء كليهما للرئيس الأميركي السابق جو بايدن. ورغماً عن ذلك لم يكن ترمب ليكشف صراحة عن حقيقة مشاعره انطلاقاً من رغبته في تحقيق مراده وما يراوده من رغبة دفينة للفوز بجائزة "نوبل" للسلام، حتى جاءت مواجهته العلنية التي أفرغ خلالها ما يكنه من مشاعر تجاه الرئيس الأوكراني في البيت الأبيض في فبراير (شباط) عام 2025، وليعود التوتر ليخيم على علاقات الطرفين الذي عزاه الجانبان إلى خلاف في الرؤى تجاوزت معه علاقات الرئيسين الأسلوب الشخصي إلى سؤال جوهري: هل يقبل زيلينسكي تسوية تتضمن تنازلات إقليمية وضمانات أمنية محدودة؟ أم يصر على تشدده ورفضه لما يطرحه بوتين من شروط انطلاقاً مما سبق وتناولته "اندبندنت عربية" في أكثر من تقرير لها من موسكو؟

 

ترمب وحساباته الداخلية

ثمة من يعزو انقلاب الرئيس الأميركي الذي لم يكن مفاجئاً تجاه نظيره الأوكراني إلى عجزه عن استمالة زيلينسكي إلى ما يطرحه من خطط أدخل عليها تعديلاته أكثر من مرة، رغبة من جانبه في سرعة التوصل إلى التسوية المنشودة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي المرتقبة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، إضافة إلى أن ذلك عززته ما يصادفه من متاعب وعثرات بسبب عجزه عن التوصل إلى كامل النتيجة التي ينشدها في صراعه المسلح مع إيران، وما نجم عن ذلك من ارتفاع في أسعار الطاقة وارتباك في الداخل الأميركي، ما دفع ترمب إلى صب نيران غضبه على زيلينسكي الذي تحول إلى "شخصية مزعجة" بدعم من القيادات الأوروبية، تسهم في وقوفه حجر عثرة على طريق تحقيقه "مكاسب قصيرة الأجل" في الانتخابات الأميركية المرتقبة ما يجعله "عبئاً يروم التخلص منه في أسرع وقت".

ومن رحم كل هذه المشكلات والأسباب ولدت دعوته إلى "تغيير" القيادة الأوكرانية، في ما قاله حول أن زيلينسكي يجب أن يرحل. وها هو زيلينسكي "يزيد الطين بلة" بما أعلنه من نقد ورفض لما توصل إليه ترمب مع نظيره الروسي من اتفاق حول الإفراج عن مواطن أميركي سبق وتورط في القتال إضافة إلى القوات المسلحة الأوكرانية، ليعود برفقة ستيف ويتكوف المبعوث الشخصي للرئيس الأميركي إلى الولايات المتحدة، وهو ما علق عليه ترمب عبر منصة "تروث سوشيال" بقوله "كان يجب على الرئيس الأميركي السابق جو بايدن والديمقراطيين القيام بذلك منذ سنوات طويلة"، معتبراً ما فعله إنجازاً ونصراً كبيراً قبيل الانتخابات النصفية المرتقبة في الولايات المتحدة، انطلاقاً من سياسته "أميركا أولاً". وفي هذا الصدد أعرب دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين عن تقدير روسيا لما يبذله ترمب على صعيد الوساطة مع موسكو، مشيراً إلى أن أوكرانيا تظهر "آخر علامات سكرات موتها"، وأضاف أن كييف تقاوم، لكنها "لا تستطيع تغيير مجرى الأحداث".

وعلى رغم تأكيد مصادر كثيرة أن الدعم الأميركي لم يتوقف، بما في ذلك ما تقدمه الاستخبارات الأميركية إلى زيلينسكي من معلومات وإحداثيات لوجستية تسهم في ما تقوم به المسيرات الأوكرانية من هجمات في العمق الروسي تستهدف مصافي النفط ومعامل التكرير في العاصمة موسكو وكبريات المدن الروسية، فإن هناك من يقول بغير ذلك.

وكانت صحيفة "واشنطن بوست" ذكرت أن إدارة ترمب لم توافق بعد على توريد صواريخ اعتراضية إلى أوكرانيا، على رغم أن دولاً أخرى دفعت قيمة هذه المشتريات بالفعل، لكن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيت لم يوقع على ذلك، إضافة إلى ما أعلنته أوكرانيا حول أن نظام "ستارلينك" تعرض لتقييد في السرعة، والأهم من ذلك، أنه وعندما شنت روسيا هجمات صاروخية، لم تتلق أوكرانيا تحذيرات استخباراتية مسبقة من الولايات المتحدة كما كان يحدث في السابق، بل حذرت الولايات المتحدة أوكرانيا من أنها إذا واصلت قصف مصافي النفط الروسية، فقد تقوم بوقف ما تقدمه إليها من معلومات استخباراتية.

أفول نجم زيلينسكي

كان الرئيس ترمب من أبرز الشخصيات التي كثيراً ما أشارت إلى ما يتفشى من فساد في أوكرانيا منذ عاد إلى السلطة في مطلع عام 2024، من خلال ما لوح بما تورطت الإدارة الأميركية السابقة في تقديمه من مساعدات وأموال إلى أوكرانيا تزيد في مجموعها عن 300 مليار دولار من دون حسيب أو رقيب. ولم يكتف ترمب بذلك، بل راح يسخر من الرئيس زيلينسكي بوصفه "أكبر تاجر تلاعب بالإدارة الأميركية السابقة التي أغدقت عليه الدعم مع كل زيارة يقوم بها إلى واشنطن"، وعادت الهمهمات تتعالى في العاصمة الأوكرانية على وقع تساقط كثيرين من رفاق وأصدقاء زيلينسكي في قبضة هيئات ومؤسسات مكافحة الفساد، ومنهم مدير مكتبه أندريه يرماك، إضافة إلى رفيقه وشريكه منذ تأسيسهما فرقتهما المسرحية "كفارتال 95" تيمور مينديتش الذي نجح في الفرار تحت جنح الظلام إلى بولندا ومنها إلى إسرائيل التي يحمل جنسيتها، وكذلك النائب العام روسلان كرافتشينكو الذي سارع بالهرب إلى الخارج، وغيرهم كثيرون، وهو ما تناولته "اندبندنت عربية" في تقارير سابقة لها من موسكو.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إثارة الإشاعات والاتهامات

وأسهم كل ذلك في إثارة الإشاعات والاتهامات فضلاً عن الأزمة السياسية التي زادت من ضغوطها على الرئيس الأوكراني وكانت في صدارة أسباب تراجع شعبيته، وأسهمت في تشويه "الأيقونة الملهمة" التي صدَّرها الإعلام الغربي في بداية الصراع، وفي تراجعها أمام واقعية الحسابات السياسية الجديدة للقوى الكبرى، مما يضع مستقبله السياسي على المحك، على حد قول مراقبين كثر. وعلى رغم أن زيلينسكي ووفقاً لاستطلاع أجراه معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع في صيف عام 2026، يظل يحتفظ بمستوى الثقة يقدر بـ56 في المئة، فإن استطلاعات أخرى للرأي سجلت خفض مستوى الثقة به إلى ما يقارب 39 في المئة، فيما أتى ثالثاً بعد الجنرال فاليري زالوجني القائد العام السابق للقوات الأوكرانية والسفير الحالي لأوكرانيا في بريطانيا، وميخائيل فيدوروف وزير الدفاع السابق. وثمة من يقول إن هالة "القائد الأعلى" تتلاشى، والشعب الأوكراني بدأ في التفكير في شخصية عسكرية أكثر "صرامة" للإمساك بزمام الأمور في أوكرانيا. ويعزو مراقبون كثيرون مثل هذا التراجع الملحوظ في الآونة الأخيرة في شعبية زيلينسكي إلى عوامل رئيسة عدة، منها تغير الموقف الأميركي تجاهه وما يتعرض له من ضغوط سياسية داخلية، إضافة إلى تراجع مقاومة القوات الأوكرانية أمام زحف القوات الروسية وتقدمها الذي يتزايد يوماً بعد يوم، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية المتردية، وعدم رغبة كثيرين من أبناء أوكرانيا في الانضمام إلى القوات المسلحة، إضافة إلى انحسار تقدير واشنطن له بوصفه شريكاً تفاوضياً، وما يتعالى من دعوات إلى رحيله وانتخاب آخر قادر على إنهاء الصراع وتوقيع اتفاق إنهاء الصراع المسلح مع روسيا.

وذلك في وقت اعترف زيلينسكي صراحة بأن أنظار العالم واهتمامه تحولا بصورة كبير نحو ملفات الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن هذا التشتت الدولي ليس في صالح القضية الأوكرانية التي كانت تتصدر المشهد العالمي خلال السنوات الماضية، وأن تمسكه بالبقاء رئيساً بكل امتيازات السلطة، على رغم انتهاء مدته الدستورية منذ مايو عام 2024، يجر عليه وابلاً من سخط وغضب مواطنيه ممن يطالبون بإجراء الانتخابات الرئاسية، وهو ما سبق ووعد به تحت ضغط عدد من الدوائر الغربية، دونما تنفيذ لمثل هذه الوعود. وقد أكد زيلينسكي بوضوح في تصريحاته الحالية أنه "لن يستقيل تحت الضغط الأميركي"، معبراً عن شعوره بالخيانة من مواقف ترمب، وإن عاد، وتحت وقع تساقط رفاقه وفرار بعضهم إلى خارج البلاد من أعضاء النسق الأعلى للسلطة، ليعلن استعداده لخوض الانتخابات الرئاسية في حال اتُّفق على هدنة ووقف إطلاق النار، معتبراً أن الدفاع عن بلاده واجب عليه حتى النهاية، وهو أيضاً ما يكتنفه كثير من الشكوك. وإن كان هناك من يقول إنه اتضح في خضم حرب طويلة وشاملة، لا ينبغي توقع تغييرات كبيرة نحو الأفضل، ومع ذلك، فإن عديداً من التغييرات نحو الأسوأ تصبح طبيعية، بل وحتمية في كثير من الأحيان.

المزيد من تقارير