Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"المرأة الأخرى" تغار وتراقب وتكتب وتكسر التابوهات

هموم الكاتبة المغربية الشابة في رواية كريمة أحداد

لوحة للرسامة المغربية أولغا ليلى (صفحة الراسمة - فيسبوك)

ملخص

بعد روايتيها السابقتين "بنات الصبّار" (2018) و"حرم تركي" (2021)، تقدم الكاتبة المغربية الشابة كريمة أحداد روايتها الثالثة والأحدث "المرأة الأخرى" (دار المتوسط) التي تتناول فيها قضايا المرأة المغربية والوطن والحرية والزواج والجسد والغيرة حد الهوس. ويُشار إلى أن أحداد البالغة من العمر 33 سنة، في رصيدها مجموعتان قصصيتان أيضاً هما "نزيف آخر الحلم" و"جرح أسفل البطن". وكانت أحداد حلت ضيفة على برنامج الكتاب العالمي في بيروت، بالتعاون مع مؤسسة كركديه الفرنسية.

يستغرب القارئ العنوان الذي تختاره كريمة أحداد لروايتها "المرأة الأخرى"، ويحاول من الصفحة الأولى أن يفهم من هي هذه "المرأة الأخرى" التي تشغل الكاتبة وراويتها وبطلتها شهرزاد الراوي. لكن الأمور لا تلبث أن تنجلي بصورة غير متوقعة، ليفهم القارئ أن المرأة الأخرى إنما هي نجوى، حبيبة زوج شهرزاد السابقة التي أحبها لـ10 أعوام ثم تزوج شهرزاد من بعدها. والغريب في القصة أن الزوج الذي نسي نجوى وحبه لها، تحول إلى ضحية هوس زوجته شهرزاد بها. فصار الزوج ضحية الحبيبة القديمة والزوجة الحالية التي تـنـبـذه وتتحول إلى مراقبة حبيبته السابقة وتمضية الوقت في مراقبتها بدلاً من تمضيته معه.

تتحول بطلة كريمة أحداد وهي كاتبة شابة طموح إلى امراة مهووسة بحبيبة زوجها السابقة من دون سبب ظاهر، فالزوج لا يعطيها سبباً لتغار أو لتخشى بقاءه على علاقة معها، فلا هو يراها ولا يتابعها على وسائل التواصل الاجتماعي ولا حتى يتحدث بسيرتها. وتروح الزوجة الشابة تتلصص على الحبيبة السابقة، سواء في تحركاتها الحياتية، أو عبر خلقها حسابات وهمية على وسائل التواصل الاجتماعي لتتفرج على صورها وأخبارها وفيديوهاتها. ويصل الأمر بالزوجة حد خلق حساب وهمي لشاب إسباني، تلاحق الحبيبة السابقة عبره، وتترصد أخبارها منه، وتجعلها تقع في حبه وترسلها بالطائرة من أجله إلى إسبانيا في فخ نصبته لها.

تلجأ شهرزاد الزوجة إلى مئة حيلة وحيلة لتدخل حياة نجوى الحبيبة السابقة من أي باب. وتتحول الحبيبة السابقة، هذه "المرأة الأخرى" إلى هوسها، فتروح تشتري الأشياء نفسها والمساحيق نفسها والأكسسوارات نفسها. وتصل الأمور بالبطلة حد تحولها إلى صديقة أعز صديقة لنجوى ومن ثم استئجار شقة مواجهة لشقتها مباشرة لمراقبتها والتفرج عليها.

يراقب القارئ بطلته تنغمس في حياة هذه المراة الأخرى وتصبح مهووسة بها. ويراقب تدهور حال البطلة العقلية والنفسية والعاطفية، فالراوية نفسها تروح تصف تردي حالها الهوسية، فتقول مثلاً في بداية السرد "نجوى هي الحبيبة السابقة لزوجي. دامت علاقتهما قرابة عشر سنوات، ثم انفصلا أشهراً قليلة قبل أن أتعرف إليه وأقع في حبه. وقد صرتُ الآن أحلم بها كل ليلة"، ثم بعد نحو مئة صفحة، تكتب "أدركتُ وأنا أخرج من البيت وأشم رائحة الشتاء اللذيذة أنني مريضة رسمياً بالحبيبة السابقة لزوجي، وأن هذا المرض سيستمر طويلاً، وأنني لن أستطيع مقاومته"، لتكتب بعد صفحات "كنتُ متضايقة من فكرة أن أكون قد تسرعتُ في زواجي منه، ليس لأنني قلقة من احتمال أنه قد تزوج بي لينسى امرأة أخرى، لا، لأنني كنتُ أخشى أن زواجي منه كان من أجل التعرف إلى هذه المرأة الأخرى أكثر".

لكن الزوجة تخسر كثيراً ثمناً لهذا الهوس المرضي. تخسر زوجها الذي طلبت الطلاق منه، وتخسر جسمها الذي ترهل واكتسب كثيراً من الكيلوغرامات، وتخسر علاقتها بعائلتها التي ترفض جنونها هذا. ويصل الأمر بالراوية إلى أن تخسر حلمها بالكتابة وأن تهمله لأعوام، هي التي كان كل ما تريده من الحياة أن تصبح كاتبة جيدة وناجحة.

المرأة وقضاياها وجسدها

قد تبدو الرواية في الخط السردي الذي قدمناه هادئة بسيطة، لكن كريمة أحداد تستغل قصة بطلتها شهرزاد الراوي لتخبر قصص نساء كثيرات من محيط البطلة، ولتقدم نماذج متعددة للمرأة المغربية. فنقع على الأم القاسية وعلى الزوجة الضعيفة وعلى الابنة العاجزة عن التحرر وعن المرأة العزباء المتهمة بشرفها. مئة قصة وقصة، مئة نموذج ونموذج تعريها كريمة أحداد وتضعها أمام القارئ الذي يتعرف من خلالها إلى علاقة المرأة بالمرأة وعلاقة المرأة بالرجل وعلاقة المرأة بجسدها وبنظرة المجتمع إليه.

وربما يكون أكثر ما يصدم القارئ هو علاقة الأم ببناتها، هذه العلاقة العصيبة المخيفة الشاقة، فتقول البطلة شهرزاد عن أمها "أحبتنا أمي كثيراً، لكنها كرهتنا في الوقت نفسه. كرهتنا، في الواقع، أكثر مما أحبتنا، وتمنت لنا الموت كثيراً، ودعت الله أن يأخذنا لترتاح، ولامتنا على رحيل والدي، وعاقبتنا على وجودنا في هذه الحياة، كأننا أنجبنا أنفسنا بأنفسنا. حملت أمي طيلة أكثر من عشرين سنة رغبة عميقة في قتلنا، وخوفاً كبيراً، في الوقت نفسه، من أن يصيبنا مكروه".

وترسخ كريمة أحداد في سردها الجملة القائلة إن "العدوة الأولى للمرأة هي المرأة"، علماً أن هذه المقولة قالت بها كاتبات كثيرات سبقن أحداد في مسيرة إخبار قصص النساء ومن بينهن طبعاً علوية صبح وحنان الشيخ وجمانة حداد وقبلهن نوال السعداوي وغيرهن. ومن هذا المنطلق، تظهر بقوة ثيمة الخوف في رواية "المرأة الأخرى"، الخوف من الحبيبة الأخرى وقبله من الأم وقبله من النظام الديني والاجتماعي الذكوري البطريركي المتحيز للرجل، فتقول الراوية "الخوف هو وقود السلطة ومحركها الأساس. أنا وأختاي نخاف من أمي، والشعب يخاف من الملك، والمؤمنون يخافون من الآلهة. إنه ليس خوفاً لحظياً، بل ممتداً عبر الزمن من الأزل إلى الأبد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإضافة إلى ثيمة الخوف، تظهر ثيمة جميلة في هذه الرواية هي ثيمة السحر والجن والعفاريت التي تحف عموماً عالم النساء. تكشف أحداد في نوع من الـ voyeurisme الهادئ والجميل عن قصص النساء مع السحر والجن، وتفضح المخاوف وأعمال السحر ومكنونات المرأة التي تتوجس من كل شيء وتتهم النساء الأخريات بالقيام بأعمال الشعوذة والكتيبة، عندما يحصل ما لا ترجوه. لكنها تكشف من ناحية أخرى، عن شيء من هذا العالم المجهول المثير للفضول والاهتمام الذي تعرفه البطلة ويحيق بحياتها منذ طفولتها ومنذ أعوام تربيتها الأولى، بسبب قصص النساء المحيطات بها، فتقول مثلاً "شربتُ من فنجان القهوة بصمت. كنتُ أتساءل لماذا أؤمن بالجن والشياطين والخرافات؟! ولماذا أحب ذلك؟!".

الكتابة هم وتحرر

يبدو للقارئ أن الكتابة موضوعة في صلب سرد كريمة أحداد منذ البداية، أولاً من خلال اسم البطلة "شهرزاد الراوي"، ثانياً من خلال وظيفة البطلة وأصدقائها جميعهم في حقل الأدب، وثالثاً من خلال طموح الراوية بكتابة رواية جيدة، وتقديمها طوال السرد آراء في الأدب المعاصر والكتاب الذين تلتقيهم وحرفة الكتابة، فتقول البطلة مثلاً "كنتُ أكتب نصوصاً ساذجة عن الحب والأمل، وأحلم بتغيير العالم. كنتُ غاضبة لأن العالم لم يتغير، لأن المرأة الأولى التي كان ينبغي أن أتعلم منها الأنوثة كانت صلبة وخشنة وقاسية".

تحمل بطلة "المرأة الأخرى" هموم الكتابة والرغبة في تغيير العالم من خلال كتابتها، والأهم من ذلك أن الراوية تتحدث عن المرأة الكاتبة في المغرب وعلاقة القراء فيها وعلاقة النقاد فيها. هؤلاء النقاد الذين يرون شكلها أولاً وجمالها من دون أن يتوقفوا فعلاً عند نصوصها وأفكارها. ومن اللافت أن الكاتبة تستطيع أن تحمّل نصها أفكارها عن الأدب والكتابة والرواية بأسلوب ذكي وسلس من خلال حادثات سردية تحصل مع البطلة أو من خلال آراء تقدمها البطلة في سيناريوهات معينة، فتقول مثلاً لمديرها في العمل "دور الأدب ليس أن يُعجب الناس"، عندما يتهمها بأنها تقول الحقيقة في كتاباتها وأن هذا ما لن يعجب القراء والناس.

"المرأة الأخرى" رواية جميلة جذلة قوية سلسة القراءة، متوهجة بمعانيها وقصصها وأحداثها، عميقة بالنماذج التي تقدمها من المجتمع. وقد تبدو الرواية كبيرة للوهلة الأولى بصفحاتها التي تربو على الـ460 صفحة، لكن سهولة السرد وجماليته تجعل القراءة ممتعة شيقة، بخاصة بفضل لعبة الغيرة والهوس والتعقب التي تمارسها البطلة والتي تثير الضحك مرة والصدمة مرات.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة