Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 روائية مغربية تصطاد في الماء العكر للمثلية بحثا عن فضيحة

فاطمة أمزكار أهملت أحياء الصفيح وبؤسها الإنساني وتخطت الفن السردي

حي الصفيح الذي نشات فيه بطلة الرواية المغربية (ا ف ب)

يقول الأب لابنته في رواية "مذكرات مثلية" مشجعاً إياها على كتابة تجربتها الانحرافية: "أنتِ محمد شكري بصيغة المؤنث"، فتجيبه الابنة التي تتولى دور الراوية واسمها تيتيمة بالنفي قائلة: "محمد شكري أسطورة وأنا لا شيء، أنا سأموت ولن يتذكرني أحد". لكنها لا تنكر أنها تشبه شكري "في زندقته وولعه بالنساء...".

لم يغب عن الروائية المغربية الشابة فاطمة الزهراء أمزكار مؤلفة المذكرات هذه، أن رواية "الخبز الحافي" منعت للفور في المغرب مثلما منعت روايتها، وأنها صدرت بالفرنسية في باريس بترجمة الطاهر بنجلون، وسرعان ما حصدت الشهرة والرواج، ليس لكونها رواية صادمة في إباحيتها وكسرها المحظور فقط، بل لأنها عمل فريد ومتقن سردياً وسيرياً.

من أجل المنع

كانت الروائية الشابة تعلم علم اليقين أن روايتها ستُمنع جراء عنوانها القوي والجريء "مذكرات مثلية"، حتى قبل أن يقرأها الرقيب المغربي ويصدر حكمه، وأن قرار المنع سيسري على معظم البلدان العربية، وأن الرواية ستوزع بالسر وتباع من "تحت الطاولة" كما يقال. ولو يقيض للرواية أن تترجم إلى الفرنسية أو الإنجليزية مثلاً، فهي تحتاج إلى إعادة صياغة وإلى كثير من التشذيب و"الترميم" وإلى حذف التكرارات المرهقة، لا سيما في ما يتعلق بالعلاقات المثلية. وقد يستقبلها القراء الغربيون بترحاب لكونها آتية من عالم عربي ما زال يحرم المثلية ويحاكمها ويضطهدها. ولعل هذا ما أدركته الروائية المغربية وسعت إليه. الغرب تصالح تماماً مع المثلية وباتت عنصراً من عناصر تكوين المجتمع، وغضت المؤسسات الدينية عن صفتها الإثمية. وقبل أيام قرأت في صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية مقالاً عن كتاب عنوانه "كيف تصبحين سحاقية في عشر مراحل" للكاتبة لويز موريل، وضم المقال غلاف الكتاب الذي يحوي رسوماً فنية. وهو يعالج مسألة السحاق (لسبيانيسم) معالجة ثقافية، متعمقاً في تناول "طبيعة هذا الحب"، معتبراً أن الثورة النسوية تدين للمثلية الأنثوية. هذا الكتاب مثلاً يستحيل أن يصدر بالعربية حتى في أكثر البلدان تحرراً.

تبدو بنية الرواية التي تتسم بطابع المذكرات من دون أن تلتزم بها أو تحقق معاييرها، مفككة ومبعثرة، فلا خيط بنائياً يجمع بين مراحلها الزمنية والمكانية ويضبط حركتها أو نمو أحداثها وشخصياتها. تتداخل المرويات في ما يشبه الاستعادة المطردة ولعبة التقديم والتأخير، حتى ليضيع القارئ في وسط هذه اللعبة التي لا تعرف نظام التقطيع أو الفصل والوصل. تستعاد الأحداث والوقائع مرة تلو مرة، فيقع السرد في متاهة لا خلاص منها. ناهيك عن الأخطاء والركاكة في اللغة والأسلوب. علماً أن الرواية تحمل مادة حكائية مهمة تتمثل في بيئة حي الصفيح في ضواحي الدار البيضاء، أو المنطقة الفقيرة التي تسمى "الكاريان" والتي تضم شرائح بشرية معدمة تعيش حياة بائسة (أكواخ صفيح، حمامات عمومية، سرقات، خرافات، مخدرات...). ولو أن الروائية الشابة أولت هذه البيئة اهتماماً سردياً وجعلتها مركز السرد وفضاءه، وتخلت عن المبالغة الفاضحة والمجانية في العلاقات السحاقية، لكان في إمكان المذكرات أن تكون رواية هذا المكان (حي الصفيح) بوقائعه الرهيبة وشخصياته البائسة والطريفة وأجوائه شبه الغرائبية. عطفاً على المعجم الشعبي الذي استخدمته المؤلفة وأفردت لكلماته هوامش في أسفل الصفحات، معرّفة القارئ إلى تعابير مغربية شعبية وشعائر وعادات...

من السجن إلى السجن

تبدأ الرواية باقتياد الراوية – البطلة تيتيمة وحبيبتها الأولى رنيم إلى المخفر بعدما ضبطهما الشرطي تتحابان على الشاطئ، وتنتهي أيضاً باقتياد تيتيمة نفسها وحبيبتها الأخيرة سناء إلى السجن، بعدما ضبطتهما الشرطة تتعشقان في شقة استأجرتاها لقضاء بضع ليال. في المرة الأولى نجحت الراوية في "برطلة" الشرطي بالمال فأخلى سبيلهما، أما في المرة الثانية فدخلت مع عشيقتها السجن الذي ستمكثان فيه وقتاً لم يعلن عن مدته. لكن العشيقة سناء، وهي أصلاً شرطية، تقول لحبيبتها الراوية: "لا تقلقي في السجن سنمارس فعلنا بحرية، وستجدين مادة خاماً للكتابة وستنهين سيرتك الروائية "مذكرات مثلية". في السجن سيكون لنا موعد مع الحرية".

شاءت الروائية المغربية فاطمة الزهراء أمزكار بكل بساطة أن تشير إلى أن حياة المرأة المثلية محاصرة في زنزانة كبيرة (المجتمع) يحدها سجنان (السلطة)، وبينهما تقوم أحوال الاضطهاد والذم والقهر. لكن الراوية التي تعلن حربها ضد المجتمع في كل تجلياته (الذكورية، الأبوية، الأمومية، الأخلاقية، الاجتماعية، الدينية...)، وتتمكن من تحقيق حريتها بجرأة وجسارة، كاسرة كل المحرمات أو التابوات، تجد نفسها عاجزة واقعياً عن تخطي السلطة الأمنية أو السياسية التي رمتها في السجن، فتتخطاها رمزياً عبر الكتابة. وأصلاً فإن الراوية أو البطلة تيتيمة التي بلغت شأوها في اقتراف الموبقات من تحشيش وسكر وجنس وصعلكة ورفض، تظل متمسكة بالكتابة بصفتها خشبة خلاصها، كما بالقراءة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واللافت هنا أن والدها اليساري الذي يحب لينين وستالين يشجعها على المضي في الكتابة من دون أن يمنعها من عيش حياتها غير الطبيعية. لكنه يذكرها مرة بأن "الحداثة والتحرر لا يرتبطان بالجنس وشرب الخمر. الحداثة فكر". أما هي التي تحب أباها وتكرهه، فلا تأخذ كثيراً بنصائحه، وتتذكر دوماً أنه لم ينادها "يا ابنتي" سوى مرات ثلاث في حياتها كلها. أما أمها التي توافق على وصف أبيها لها بالغباء، فتكرهها كل الكره. فهي حاولت أن تجهضها بعد حملها بها، تبعاً للظروف المادية الخانقة التي كانت تعيشها مع زوجها، وبعدما عدلت عن إجهاضها سعت إلى بيعها لعائلة مغربية تعيش في إيطاليا. لكن جدتها لأمها هي التي اعترضت وأنقذت الفتاة الرضيعة وأخذتها لتصبح هي أمها. فعاشت طفولتها ومراهقتها في كنف جدتها وجدها وخاليها وخالتها، في حال بؤس، في حي أشد بؤساً. ولطالما رددت الفتاة التي نشأت في كوخ جدتها، أنها عوض أن ترضع ثدي أمها النضر رضعت ثدي جدتها المجعد. "عقدة" الثدي، هذه رافقتها طوال حياتها وظل يعتمل بها الحنين إلى ثدي أمها، على رغم كرهها إياها ومواجهتها بقوة. هل وجدت تيتيمة في أثداء حبيباتها ما يماثل ثدي الأم المفقود؟

الكتابة والجنس

أمران إذاً يشغلان الراوية – البطلة: أولاً، الحب الأنثوي وما ينجم عنه من علاقات حسية أو جسدية ورغائب وهيامات وآلام ناجمة عن طبيعة هذا الحب ومشكلاته، وما يحيط به من مواجهات مع السلطات المتعددة (الاجتماعية، العائلية، الدينية، الأمنية...). ثانياً، الكتابة وما تفترض من التزام وتحرر وسلوك وقراءات. وبينهما تمضي حياة أو شبه حياة، بائسة حيناً، جميلة حيناً، متحررة ومزاجية وأبيقورية، مهشمة ومتصدعة، متوترة ومستسلمة. تختبر تيتيمة بجسدها المثلي، الزواج رغماً عنها ورضوخاً لإرادة الجدة، وتجرّب كذلك الأمومة (ابنها سهيل الذي يبدو غالباً شبه منسي)، ثم تعاني عواقب الزواج برجل تقليدي محافظ تضطر إلى تطليقه متنازلة عن المؤخر.

أسقطت البطلة المقولة التي طالما رددتها جدتها أمامها "الزواج علاج للمثلية"، وتأكدت أن جسدها خلق ليكون أنثوياً. وأوصت مرة أمها، أن يُحمل نعشها على أكتاف النساء في الجنازة، عندما تموت، وأنها لا تريد رجلاً في جنازتها حتى لو كان والدها. وبصفتها مثقفة وقارئة وكاتبة لا تكف عن طرح السؤال حول مثليتها: لماذا خلقت مثلية؟ هل مثليتي فطرية أم مكتسبة؟ وهذا السؤال ما زال مطروحاً في الأوساط الطبية والعلمية والنفسانية في العالم من غير أن يلقى جواباً شافياً ونهائياً. وعندما تسال نفسها أيضاً: ماذا ربحت من مثليتك؟ تجيب: "جعلتها مادة تصلح للكتابة". أما بصفتها قارئة، تحمل شهادة في الأدب وأخرى في تدبير المكتبات، فمن الكتّاب الذين تقرأ لهم: نجيب محفوظ، ماركيز ("ذاكرة غانياتي الحزينات")، إميل سيوران، ألبير كامو، سيمون دو بوفوار، نوال السعداوي (أهداها والدها رواية "سقوط الإمام")، فاطمة المرنيسي، مي زيادة...

أنها أيضاً مناضلة تدعو إلى التحرر من كل السلطات، تظاهرت في الربيع العربي المغربي، واجهت الشرطة وألقي القبض عليها. مؤمنة وملحدة ومشككة، لكنها لا تنكر وجود الخالق وعلى طريقتها. وهي في الوقت نفسه "نواسية، زنديقة وقحة" (كما تقول)، تدخل حانات الرجال، تشرب في الشارع، تشتم، تتصعلك في الليل. وفية في حبها وترى أن "الحب أساس المثلية وليس الجنس"، ولا تنام مع أي امرأة تصادفها. لكنها تقع أيضاً في حب سارة ودنيا.

لم توفق الروائية المغربية في بناء شخصية بطلتها تيتيمة ولا في رسم ملامحها النفسية وتبرير سلوكها وعلاقاتها المضطربة بنيوياً. شاءتها بطلة – مضادة أو "أنتي هيرو"، لكنها ضاعت في متاهة مثليتها، ورمتها في مناخ ملتبس ولا هوية له. فلا هو مناخ محمد شكري المهمش والغارق في واقعيته النافرة، ولا هو مناخ فتاة منحرفة تعيش حياة حقيقية ومضبوطة بانحرافها. لقد بالغت الروائية كل المبالغة في مثلية بطلتها وتحررها وتصعلكها، وأخفقت في ترسيخ مواصفاتها كامرأة كاتبة ومثقفة ومعلمة تواجه الطلاب. جعلت بطلتها تجمع بين كل هذه المتناقضات والانفصامات والتمزقات من غير أن تتمكن من إيجاد قاعدة لها أو خلفية مقنعة ولو بعض الإقناع. بدا كل هم الروائية المغربية أن تُحدث فضيحة، بغية أن تحقق روايتها شهرة ورواجاً ولو على حساب الفن الروائي نفسه.

المزيد من ثقافة