ملخص
يقول أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محي الدين الشحيمي، في مقابلة صوتية مع "اندبندنت عربية"، إن فرنسا وأوروبا أمام اختبار سياسي ومجتمعي خطر جداً، فالأمور تتجه نحو أحداث متواترة ومتولدة من رحم الأحداث الجارية، والسؤال الأكبر هو هل تبقى الاحتجاجات محصورة في الشوارع، أم تتحول إلى أزمة سياسية تهز الحكومات، سواء في فرنسا أم في سائر الدول الأوروبية؟
لم تعد الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها فرنسا، وترددت أصداؤها في دول أوروبية أخرى، مجرد تحركات مطلبية عابرة، بل باتت تعكس أزمة أعمق تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية مع تراجع الثقة بالمؤسسات وتصاعد الاستقطاب السياسي.
يقول أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محي الدين الشحيمي، في مقابلة صوتية مع "اندبندنت عربية"، إن فرنسا وأوروبا أمام اختبار سياسي ومجتمعي خطر جداً، فالأمور تتجه نحو أحداث متواترة ومتولدة من رحم الأحداث الجارية، والسؤال الأكبر هو هل تبقى الاحتجاجات محصورة في الشوارع، أم تتحول إلى أزمة سياسية تهز الحكومات، سواء في فرنسا أم في سائر الدول الأوروبية؟
وتابع "لا شك في أن ما تشهده فرنسا، وما يترافق معه من احتجاجات في دول أوروبية أخرى، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد اضطرابات عابرة، فنحن أمام مشهد تتقاطع فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمالية، والمفهوم الجديد للأمن القومي، وتشابك الأزمات بين الشرق والغرب. ويترافق ذلك مع تراجع الثقة بالمؤسسات وتصاعد حدة الاستقطابات السياسية. كذلك هناك تنام في الشعور لدى شرائح من المواطنين بأن الأنظمة التقليدية لم تعد قادرة على تقديم حلول مقنعة وجدية".
ويتوقف عند التمييز بين الاحتجاج السلمي وأعمال التخريب والنهب والعنف التي تحصل بخاصة في فرنسا، وقال "ليس كل المتظاهرين مسؤولين عن الفوضى، كما أن هناك خطأ في اختزال جميع التحركات في جبهة سياسية واحدة، غير أن العنف، عندما يتكرر ويتوسع، يمنح القوى السياسية فرصة لإعادة توجيه النقاش من أسباب الأزمة إلى مسألة الأمن والنظام، ويضع الحكومات أمام اختبار صعب"، معتبراً أن هنا تبدأ المعركة السياسية الحقيقية بين مؤسسات الحكم الفرنسية ومختلف شرائح المدارس السياسية في فرنسا، سواء في اليسار أم اليمين أم مؤسسات السلطة المركزية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف "التيارات القومية المتشددة واليمينية تستطيع استثمار مشاهد الفوضى لتعزيز خطابها حول الأمن والهجرة والهوية الوطنية واستعادة سلطة الدولة، وكلما ظهر أن الحكومة عاجزة عن ضبط الشارع، ازدادت أهمية هذه القضايا في النقاش العام، لكن الاستفادة السياسية لا تعني الوصول الحتمي إلى السلطة. فاليمين مطالب بأن يقدم حلولاً فعلية لأزمات السكن والأسعار والأجور والخدمات، لا أن يكتفي برفع شعارات النظام، كما أن توحيد اليمين التقليدي واليمين المتشدد يصطدم باختلافات المصالح والبرامج والصراعات". وفي المقابل، يستطيع اليسار استثمار الغضب الاجتماعي لتسليط الضوء على التفاوت الاقتصادي وتراجع الخدمات العامة وصعوبة العيش، لكنه يواجه بدوره سؤالاً أساسياً، وهو كيف يمكن الدفاع عن المطالب الاجتماعية من دون تبرير العنف، على حد تعبيره.
أما عن المسارات التي تنتظر فرنسا وأوروبا، فهي أولاً الاحتواء، من خلال استعادة الأمن ومحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف، بالتوازي مع إصلاحات اجتماعية واقتصادية ملموسة تعيد الثقة بالمؤسسات، يقول الشحيمي، والمسار الثاني هو الاضطرابات المتقطعة، بحيث تتراجع الاحتجاجات في مرحلة، ثم تعود في مرحلة أخرى، وتتحول الاضطرابات والمواجهات إلى عامل استنزاف للحكومات والاقتصادات. وتابع "أما المسار الثالث، وهو الأكثر تأثيراً في السياسة، فيتمثل في انتقال الأزمة من الشارع إلى المؤسسات، عبر تصاعد الخلافات البرلمانية، وتراجع الثقة بالحكومات، وإعادة ترتيب التحالفات الحزبية، وفتح المجال أمام قوى سياسية جديدة، وفي فرنسا تحديداً، يكتسب هذا الاحتمال أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027 في ربيع العام المقبل، ويمكن أن تتحول الأزمة إلى عنصر أساس في الصراع على السلطة".
وختم "الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اشتعال الشوارع، بل في اتساع الفجوة بين المجتمع والدولة، حين يبدأ المواطنون بفقدان الثقة بقدرة المؤسسات على الاستجابة لمشكلاتهم، والخلاصة أن فرنسا وأوروبا تقفان أمام اختبار مزدوج، استعادة النظام من دون إغلاق المجال أمام الاحتجاج السلمي، واستعادة الثقة من دون التساهل مع العنف".