ملخص
تحولت احتجاجات بدأت في المدارس الفرنسية بسبب نقص الموارد وتهالك المرافق إلى حراك واسع تغذيه أزمة غلاء المعيشة وتراجع الرعاية الاجتماعية، وسط مواجهات عنيفة مع الشرطة وإصابات خطرة. ومع استغلال القوى السياسية للأزمة وظهور اضطرابات مماثلة في بلجيكا وإيطاليا، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الاحتجاجات أوروبياً.
رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استقالة وزير الداخلية لوران نونيز، في أعقاب عطلة نهاية أسبوع شهدت أعمال شغب واسعة النطاق، بحسب ما أعلن قصر الإليزيه.
وأوضح القصر أن ماكرون طلب من نونيز البقاء في منصبه للحفاظ على تسلسل القيادة داخل أجهزة الشرطة والأمن، كما كلفه إعداد آليات جديدة للتعامل مع أعمال النهب والتخريب.
وجاء ذلك بعد توقيف مئات الأشخاص وإضرام النيران في مبان عدة في أنحاء فرنسا يوم السبت الماضي، مع اتساع الاحتجاجات المرتبطة بأزمة غلاء المعيشة. ففي باريس، أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع على المحتجين، فيما شهدت مدن مرسيليا ورين وتولوز وأنجيه حوادث عنف أيضاً.
وتجددت الاشتباكات يوم الأحد في باريس ومرسيليا، إذ تدخلت قوات مكافحة الشغب لإحباط محاولات نهب المتاجر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعقد ماكرون اجتماعاً طارئاً مع كبار المسؤولين الحكوميين بعد ظهر الأحد، قبل أن يوجه خطاباً إلى الأمة في الساعة الثامنة مساء.
وتعد هذه الاضطرابات أحدث اختبار يواجهه ماكرون خلال رئاسته، في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه فرنسا داخلياً وخارجياً.
وبدأت الاحتجاجات في سبتمبر (أيلول)، بمبادرة من طلاب غاضبين من الأوضاع في مدارسهم الثانوية عقب عطلة الصيف، لكن رقعتها اتسعت وحدتها تصاعدت منذ ذلك الحين، مع انضمام مجموعات أوسع من المحتجين الغاضبين من الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة.
فيما يلي ما تحتاجون إلى معرفته عن هذا الحراك
أين بدأت الاحتجاجات؟
اندلعت الاحتجاجات للمرة الأولى في سبتمبر الماضي داخل مدرسة ثانوية في ضاحية كريتاي الواقعة جنوب شرقي باريس، احتجاجاً على النقص في أعداد العاملين.
ومن هناك، انتشرت الإضرابات الطلابية وعمليات إغلاق المدارس والتظاهرات إلى ضواح أخرى في باريس، قبل أن تمتد إلى مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك البلدات الصغيرة. واضطرت مئات المدارس إلى إغلاق أبوابها بسبب الأضرار التي لحقت بها أو الاعتداءات التي استهدفت العاملين فيها.
وأعرب طلاب المدارس الثانوية عن استيائهم من نقص الموارد، وتهالك المباني، وقلة أعداد الموظفين، ولا سيما في المناطق الأقل دخلاً. وعرضت وسائل إعلام فرنسية مقاطع مصورة تظهر فئراناً تنتشر داخل المدارس، وأسقفاً منهارة، وتسربات للمياه، وأثاثاً متهالكاً، وغيرها من مظاهر التردي في المؤسسات التعليمية.
كما اشتكى بعض الطلاب من أنهم يقضون موجات الحر الصيفية داخل فصول تفتقر إلى أجهزة التكييف، فيما يعانون البرد القارس شتاء. ويقولون إن اليوم الدراسي الذي يمتد غالباً من الثامنة صباحاً حتى السادسة مساء مرهق للغاية، كما يرون أن نظام القبول الجامعي معقد وغير عادل، وانضم بعض طلاب الجامعات أيضاً إلى هذه الاحتجاجات.
وتعكس هذه الاحتجاجات مخاوف أوسع من تراجع مستوى النظام التعليمي الفرنسي مقارنة بالدول الأخرى، ومن إخفاقه في تمكين أبناء الفئات المحرومة من تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية. وقد سجلت نتائج الطلاب في اختبارات القراءة والرياضيات تراجعاً حاداً، وفقاً لأحدث تقرير صادر عن "برنامج التقييم الدولي للطلاب" (PISA)، الذي يقيس أداء التلاميذ في مختلف أنحاء العالم.
لماذا تصاعدت الاحتجاجات يوم السبت؟
اكتسبت المظاهرات زخماً إضافياً يوم السبت الماضي مع انضمام مجموعات أخرى تحتج على ارتفاع تكاليف المعيشة، وما تعتبره تراجعاً في منظومة الرعاية الاجتماعية.
كما أيدت "الكونفدرالية العامة للشغل" (CGT)، وهي إحدى أكبر النقابات العمالية في فرنسا، هذه الاحتجاجات، مطالبة بخفض الأسعار وزيادة الأجور والرواتب التقاعدية.
ونزل عشرات الآلاف إلى الشوارع. ففي مرسيليا، اقتحم محتجون مبنى البلدية ورسموا على أحد جدرانه حرف "A"، رمز الفوضوية (Anarchy)، بينما استخدمت الشرطة في باريس الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، في حين رشق مثيرو الشغب قوات الأمن بالحجارة والألعاب النارية.
وفي ليون، أضرم محتجون النار في مكتب السياحة التابع للمدينة.
وقالت السلطات الفرنسية إن عدد المتظاهرين تجاوز 500 ألف شخص على مستوى البلاد، فيما سجل أكثر من 800 توقيف في باريس وحدها.
ودعا ماكرون إلى التهدئة، قائلاً: "نشعر جميعاً بالغضب والخجل" بعد أعمال "عنف غير مسبوقة" شهدتها البلاد. كما توعد مثيري الشغب بإجراءات صارمة "لتكون رادعة إذا اقتضى الأمر"، محذراً من أن السلطات "لن ترضخ لأولئك الذين يسعون إلى إشعال العنف وزعزعة الاستقرار في بلادنا".
تعامل الشرطة مع الطلاب يثير الغضب
أثارت طريقة تعامل الشرطة مع الاحتجاجات الطلابية انتقادات واسعة، إذ استخدمت قوات مكافحة الشغب الغاز المسيل للدموع بكثافة والهراوات لتفريق المتظاهرين.
وتسببت قنبلة غاز مسيل للدموع أطلقتها الشرطة في تحطم فك فتى يبلغ من العمر 14 سنة، وفقدانه عدداً من أسنانه. كما فقد فتى آخر يبلغ 15 سنة إحدى يديه في حادثة ارتبطت باستخدام قنبلة صوتية من الشرطة.
وأصيب عدد من المراهقين الآخرين بإصابات دائمة، ويقول منتقدون إن أسلحة الشرطة المستخدمة خلال الاحتجاجات كانت سبباً فيها.
في المقابل، تعرض عناصر الشرطة والعاملون في المدارس للاستهداف بألعاب نارية قوية ومقذوفات أخرى تسببت في إصابات، وتقول وزارة الداخلية إن مواد حمضية ألقيت في بعض الحوادث، وإن أشخاصاً يسعون إلى التخريب والنهب اندسوا بين المحتجين من طلاب المدارس الثانوية.
مرشحون للرئاسة يستغلون اللحظة
سارع المرشحون الساعون إلى خلافة ماكرون في الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) إلى استغلال الاحتجاجات كورقة سياسية، إذ يمنع الدستور الفرنسي الرئيس الحالي من الترشح لولاية ثالثة متتالية.
واتخذ مرشح أقصى اليسار جان لوك ميلانشون موقفاً داعماً بقوة للطلاب، منتقداً في الوقت نفسه أداء الشرطة. كما استضاف حزبه ناشطين من طلاب المدارس الثانوية على منصة أحد التجمعات الانتخابية، واقترح خفض سن التصويت إلى 16 سنة وإلغاء نظام القبول الانتقائي في الجامعات.
في المقابل، دعت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان إلى منح الشرطة صلاحيات أوسع للتعامل مع مثيري الشغب.
أما إدوار فيليب، رئيس الوزراء السابق من التيار المحافظ وأحد أبرز منافسي لوبان في السباق الرئاسي، فأدان من "يحطمون الممتلكات أو يضرمون النار أو يعتدون على الآخرين".
اضطرابات في دول أوروبية أخرى
ليس اللجوء إلى الشارع للتعبير عن المظالم أمراً جديداً في البلد الذي شهد الثورة الفرنسية عام 1789، فمنذ ذلك الحين عرفت فرنسا سلسلة من التحركات الكبرى، من احتجاجات الطلاب عام 1968، إلى اضطرابات الضواحي عام 2005، واحتجاجات "السترات الصفراء" بين عامي 2018 و2019، ثم المظاهرات الرافضة لرفع سن التقاعد عام 2023.
لكن الاضطرابات لم تقتصر على فرنسا.
ففي بلجيكا المجاورة، أغلقت بعض المدارس في مدينة لياج أبوابها بعد يوم من أعمال عنف شهدتها المدينة أعقبتها اعتقالات.
كما شهدت عدة مدن إيطالية احتجاجات طلابية الأسبوع الماضي، وإن كانت أقل اتساعاً من تلك التي شهدتها فرنسا، وتركزت على مجموعة أوسع من القضايا المحلية.
وفي السبت الماضي، تحولت مسيرة احتجاجية في ميلانو إلى أعمال شغب، بعدما اشتبك محتجون مع الشرطة ونهبوا متاجر وأضرموا النار في ممتلكات، وأدت الاضطرابات إلى إخلاء ساحة "بيازا ديل دومو" ومجمع التسوق الفاخر المجاور لها من الزوار في وقت كان يفترض أن يشهد ذروة الحركة التجارية.
وبدأت المسيرة ضد الحروب وغلاء المعيشة بصورة سلمية، قبل أن يقدم متظاهرون ملثمون على رشق شرطة مكافحة الشغب بالحجارة وقطع الرصف ومقذوفات أخرى، وإضرام النار في متاريس أقيمت باستخدام طاولات المقاهي والحانات، وأظهرت صور لاحقة مركبة تابعة لقوات الدرك وقد لحقت بها أضرار جسيمة.
وردت الشرطة باستخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود، وأفادت وكالة "لا برس" الإيطالية للأنباء بإصابة عنصرين في الأقل من الشرطة، فيما أوقف نحو 50 متظاهراً بينهم عدد كبير من القاصرين.
© The Independent