ملخص
لم تعد الحكومة البريطانية تستبعد إدخال تعديلات على خطة وزيرة الداخلية شبانة محمود لإطالة الطريق إلى الإقامة الدائمة، بما في ذلك تطبيقها بأثر رجعي على من وصلوا منذ 2021. ويرفع المشروع عدد السنوات التأهل للإقامة الدائمة من خمس إلى 15عاما، فيما يعارضه نحو 100 نائب عمالي وفق التقارير.
حين سُئل المتحدث الصحفي باسم رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام إن كان ممكنا استبعاد أي تعديل على خطة وزيرة الداخلية شبانة محمود، بما في ذلك تطبيقها بأثر رجعي، لم يقدم نفيا ولا تأكيدا. اكتفى بالقول إن الحكومة "طرحت مقترحات للتشاور"، وإن وزيرة الداخلية تقود "عملا شاملا" لضمان الوصول إلى الترتيبات الصحيحة. وفي لغة داونينغ ستريت، تعني هذه الصيغة أن الباب الذي بدا مغلقا قبل أشهر صار مواربا.
جاء السؤال بعد ساعات من تصريحات لوزيرة الطاقة مياتا فانبوليه سُئلت فيها إن كانت تؤيد تمديد فترة التأهل للإقامة الدائمة، فتجنبت الإجابة المباشرة. وقالت إنها تؤيد إصلاحات تشترط على المقيمين المساهمة في البلاد قبل الحصول على الجنسية، وإن وزيرة الداخلية ستحدد الموقف النهائي بعد دراسة الردود على التشاور. سبق ذلك منشور لفانبوليه على مدونة دائرتها الانتخابية، حذفته لاحقا، قالت فيه إن تأخير الإقامة الدائمة يطيل "مسار بناء التماسك".
ولم يدافع المتحدث باسم بيرنهام عن الخطة في وجه الوزيرة، بل دافع عن الوزيرة نفسها. فقد قال إن فانبوليه أوضحت دعمها للإصلاحات ولعمل محمود، وإن الأسئلة التي وُجهت إليها تناولت عناصر "تخضع لنتائج التشاور"، ولا يُتوقع من الوزراء التعليق عليها. بهذه الصياغة لم يعد تمديد فترة التأهل وتطبيقه على المقيمين حاليا التزاما حكوميا، بل صار بندا معلقا على قرار لم يُتخذ بعد.
ويكتسب هذا التحول دلالته من المقارنة. فقبل أشهر، كان المتحدث باسم وزارة الداخلية يرد على اعتراضات النواب العماليين بأن موقف الحكومة "لم يتغير"، وبأنها ستضاعف مدة الطريق إلى الإقامة الدائمة من خمس سنوات إلى 10 لمعظم المهاجرين. وتمسكت الوزارة يومها بأن الإقامة الدائمة "تُكتسب ولا تُمنح تلقائيا"، وهو ما كررته هذا الأسبوع أيضا. لكن الفرق بين "موقفنا لم يتغير" و"نتائج التشاور" هي بالضبط المسافة التي يحتاجها بيرنهام إن قرر تسوية الخلاف.
لم تكن فانبوليه أول وزيرة تخرج على الخط الحكومي. فقد سبقتها وزيرة الإسكان أنجيلا راينر حين قالت إن مهاجرين كثرا باتوا يخشون على مستقبلهم، واصفة التعديلات بأنها "غير بريطانية" ومربكة لعمال رعاية جاؤوا لخدمة الفئات الأكثر هشاشة. غير أن راينر سعت هذا الأسبوع إلى التهوين من الخلاف. فقد سخرت في حديث لإذاعة "إل بي سي" من الروايات عن خصام بين وزيرات الحكومة، ودافعت عن سجل محمود في ملف الهجرة، مستشهدة بزيادة عمليات الترحيل وبـ48 ألف محاولة عبور بالقوارب الصغيرة تقول الحكومة إنها أحبطتها منذ 2024.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نقلت صحيفة "التايمز" عن أحد حلفاء محمود قوله إن بيرنهام وقف في صفها طوال الخلاف و"يتمسك بالخط". لكن الصحيفة نفسها أفادت بأن رئيس الوزراء يدرس إعفاء عمال الرعاية من تمديد فترة التأهل، وهي خطوة تعارضها وزارة الداخلية. ويحتج مسؤولو الوزارة بأن الإعفاء سيأتي بنتيجة عكسية، لأن عمال الرعاية الأجانب سيتركون وظائفهم فور حصولهم على الإقامة الدائمة.
تتجاوز الخطة الرقم المتداول في العناوين. فقد أعلنتها محمود أمام مجلس العموم في الـ20 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وقالت يومها إن الإقامة الدائمة تأتي اليوم بصورة شبه تلقائية بعد خمس سنوات من الإقامة. ويجعل المشروع 10 سنوات خط الأساس، مع إمكان تقليصها لمن يسهم في الاقتصاد والمجتمع. فالأطباء والممرضون في هيئة الخدمات الصحية الوطنية يمكنهم التأهل بعد خمس سنوات، وأصحاب الدخل المرتفع ورواد الأعمال بعد ثلاث فقط. أما أصحاب الأجور المتدنية، ومنهم 616 ألف عامل أجنبي ومعالوهم وصلوا بتأشيرة الصحة والرعاية بين 2022 و2024، فيبدأ خط الأساس عندهم من 15 عاما. ويواجه المعتمدون على الإعانات الاجتماعية انتظارا يصل إلى 20 عاما.
وتبني محمود حجتها على أرقام وزارتها. فبسبب المستويات غير المسبوقة للهجرة في السنوات الماضية، يُتوقع أن يحصل 1.6 مليون شخص على الإقامة الدائمة بين 2026 و2030، وأن تبلغ الذروة 450 ألفا عام 2028، أي نحو أربعة أضعاف المعدل السنوي في السنوات الأخيرة. وفي خطاب ألقته أمام معهد أبحاث السياسات العامة في الخامس من مارس (آذار) الماضي، حذرت محمود من "استنزاف بقيمة أكثر من 13 مليار دولار للمالية العامة إن لم تطبَّق القواعد الجديدة على من هم في البلاد. وقالت إن نحو 350 ألف عامل منخفض المهارة ومعاليهم سيتأهلون للإقامة الدائمة في السنوات الخمس المقبلة إن لم تتحرك الحكومة. وأشارت إلى أن الاحتيال كان متفشيا في تأشيرة الرعاية، حيث أُنشئت شركات وهمية لاستقدام أشخاص بوعود عمل زائفة.
لكن موضع الاعتراض الأساسي ليس المبدأ بل الأثر الرجعي. إذ يقدَّر أن نحو 1.35 مليون شخص يسلكون اليوم طرقا نحو الإقامة الدائمة قد يطالهم التمديد إن طُبق عليهم كما تريد الحكومة. ونبهت لجنة الشؤون الداخلية في مجلس العموم إلى أن هؤلاء اتخذوا قرار القدوم قبل إعلان التعديلات، وهم يتوقعون التأهل وفق مسار السنوات الخمس. وحذرت إفادات تلقتها اللجنة من أن تطبيق القواعد على المقيمين حاليا سيزعزع الثقة بثبات نظام الهجرة البريطاني. وانضمت النقابات إلى الاعتراض، فقالت الأمينة العامة لنقابة "يونيسون" أندريا إيغان إن وعد الإقامة بعد خمس سنوات لا يُنقض فحسب، بل يُستبدل به تهديد بـ15 عاما من الهشاشة والاستغلال.
ولم يولد الانفتاح الحكومي على التعديل هذا الأسبوع. ففي مؤتمر الحزب بليفربول في الـ28 من سبتمبر (أيلول) الماضي، قالت محمود إن الحكومة ستصل إلى موقف يوازن بين الإنصاف لمن جاؤوا بطريقة قانونية والإنصاف للمواطنين البريطانيين. وقرأ كثيرون العبارة بوصفها تمهيدا للتراجع عن الأثر الرجعي في ملف عمال الرعاية. وقبل ذلك، نسق النائب عن فولكستون توني فون رسالة وقعها أكثر من 100 نائب عمالي تدعو إلى مراجعة المقترحات. ثم كتب 80 نائبا إلى بيرنهام بعد دخوله داونينغ ستريت يطالبونه بتخفيف الإصلاحات، وقالوا إنهم لا يتذكرون أن أحدا طلب منهم على عتبات البيوت تصعيب استقرار العمال المهاجرين.
أما بيرنهام فقد بدأ ولايته من موقع مختلف. ففي مايو (أيار) الماضي، نقلت صحيفة "الغارديان" عن مقربين منه أنه لن يسعى إلى تخفيف إصلاحات محمود، وحين تولى الحكم أبقاها في منصبها لتمريرها. ويعني رفض مكتبه اليوم استبعاد التعديل أن حسابات رئيس الوزراء تغيرت، أو في الأقل أنه يريد أن يبقي الخيارات مفتوحة قبل أن تُعرض الخطة على البرلمان، وهو ما قد يحدث الشهر المقبل.
ولا تمنح استطلاعات الرأي أيا من الطرفين تفويضا كاملا. فقد وجد استطلاع أجرته مؤسسة "إبسوس" في نوفمبر 2025، أن 21 في المئة فقط يرون أن العمال منخفضي المهارة يجب أن ينتظروا أكثر من 10 سنوات، مقابل 35 في المئة يريدون إبقاء المدة عند خمس سنوات أو أقل. لكن الاستطلاع نفسه أظهر أن أربعة من كل 10 بريطانيين يريدون خفض أعداد المهاجرين "كثيرا". وفي الخلفية يقف حزب "ريفورم" بزعامة نايجل فاراج، الذي طرح إلغاء الإقامة الدائمة كليا والاستعاضة عنها بتأشيرة عمل تُجدد كل خمس سنوات.
وفي هذا الفراغ تحديدا يتحرك المحافظون. فقد قالت زعيمتهم كيمي بادينوك إن حزبها سيدعم أي محاولة من محمود لتشديد النظام، لكنها حذرت من أن الرضوخ للوزراء والنواب العماليين سيجلب "مشكلات أكثر بكثير"، ولوّحت باضطرابات على الطريقة الفرنسية. وذهب وزير الداخلية في حكومة الظل المحافظة كريس فيلب أبعد، فقال إنه بات واضحا على نحو متزايد أن محمود ليست من يدير سياسة الهجرة في الحكومة.
بوسع بيرنهام ومحمود التمسك بالخطة كاملة وتمريرها بأصوات المحافظين، لكن الحكومة التي تمرر أبرز إصلاحاتها بأصوات خصومها، تتعرض لتمرد أوسع في ملفات لاحقة. أما الخيار الثاني فهو إجراء تعديل محدود من نوع إعفاء عمال الرعاية، أو منح حماية انتقالية لمن وصلوا قبل إعلان الخطة، مع إبقاء خط الأساس الجديد للوافدين مستقبلا. يرضي هذا المسار أغلب المتمردين، ويتسق مع خطاب "الإنصاف" الذي تبنته محمود في ليفربول، وتمنحه عبارة "نتائج التشاور" غطاء إجرائيا جاهزا.
ثمة مسار ثالث يتمثل بكسب الوقت. فتعديلات قواعد الهجرة لا تمر عبر مشروع قانون، وقد التزمت محمود أمام لجنة الشؤون الداخلية في الـ15 من سبتمبر بنشر السياسة النهائية قبل نهاية العام من دون تحديد مهلة دنيا قبل سريانها. غير أن التأجيل له ثمن، فالمهاجرون الذين وصلوا عام 2022 يبدأون التأهل للإقامة الدائمة العام المقبل وفق مسار السنوات الخمس. وكل شهر تأخير يقلص الفئة التي صُمم الإصلاح أساسا من أجلها.