ملخص
انتشرت خلال الفترة الأخيرة سلسلة من الدراسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل أصوات الحيوانات وفك رموز معانيها، ونظراً إلى اكتشاف "التركيب اللغوي" لدى بعض الحيوانات، وهو سمة كانت تُعد حكراً على البشر، اتضح أن الهياكل النحوية التي كان يُنظر إليها سابقاً على أنها فريدة في اللغة البشرية، موجودة أيضاً بصورة جزئية في عالم الحيوان.
كثيراً ما حلمنا كبشر بفهم ما تحاول الحيوانات إخبارنا به، ولا سيما أن عالم الحيوان يزخر بأصوات وحركات وسلوكيات يبدو أنها تحمل في طياتها معلومات مهمة، ومع ذلك وعلى رغم العيش جنباً إلى جنب مع الحيوانات لآلاف الأعوام، ما زلنا نواجه صعوبة في فهم ماهية ما تنقله هذه الحيوانات بدقة وما تشعر به وكيف تدرك العالم من حولها.
لكن كل هذا المشهد قد يغيره الذكاء الاصطناعي بطرق لم نكُن يوماً نتخيلها، فمن خلال تحليل كميات هائلة من أصوات الحيوانات وحركاتها وتعبيراتها الوجهية وتفاعلاتها الاجتماعية، بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي بالكشف عن أنماط قد يغفل عنها الباحثون البشر.
ولا يقتصر الهدف هنا على ترجمة نباح ما إلى جملة بلغة بشرية، أو تحويل أغنية حوت إلى كلام مفهوم لنا، بل يكمن الهدف في تحديد ما إذا كانت الحيوانات تنقل معلومات حول محيطها وعلاقاتها ومشاعرها وحاجاتها ونواياها، وما إذا كانت الآلات قادرة على مساعدتنا في تفسير تلك الإشارات.
استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل أصوات الحيوانات
انتشرت خلال الفترة الأخيرة سلسلة من الدراسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل أصوات الحيوانات وفك رموز معانيها، ونظراً إلى اكتشاف "التركيب اللغوي" لدى بعض الحيوانات، وهو سمة كانت تُعد حكراً على البشر، اتضح أن الهياكل النحوية التي كان يُنظر إليها سابقاً على أنها فريدة في اللغة البشرية، موجودة أيضاً بصورة جزئية في عالم الحيوان.
ومع تزايد سرعة ودقة تقنيات الذكاء الاصطناعي في إجراء هذه التحليلات، تتصاعد التوقعات بأننا قد ننتقل يوماً ما من مجرد "فهم" أصوات الحيوانات إلى مرحلة تمكّن البشر من "التحاور" معها، ولعل أبرز دراسات في هذا المجال هي تلك التي قام بها فريق بحثي بقيادة البروفيسورة ميليسا بيرثيت من "جامعة رين" في فرنسا عبر مراقبة مجموعة من قردة "البونوبو" في الغابات المطيرة بجمهورية الكونغو الديمقراطية لمدة ستة أشهر، حيث أكدت النتائج أن هذه القردة تدمج أصواتاً مختلفة لتشكل ما يشبه الجمل.
فعلى سبيل المثال، عند بناء عش بصورة جماعية، كانت هذه القردة تدمج صرخة قصيرة تعني "لنقم بهذا الأمر" مع صوت منخفض النبرة يعني "أنظر إليّ"، لتوصيل رسالة مفادها "لنقم بهذا الأمر معاً"، وعبّرت أيضاً عن رغبتها في الحفاظ على علاقات اجتماعية سلمية من خلال إضافة صفارة تعني "لنكُن معاً" بعد إشارة صوتية تعني "أريد القيام بهذا".
وتظهر هذه الدراسة أن الحيوانات قادرة أيضاً على دمج الأصوات وفقاً لقواعد نحوية، وسجل الفريق البحثي الفرنسي 700 صوت صادر عن 30 من قردة "البونوبو" البالغة، ووجدوا أنها تدمج مجموعة محدودة من الوحدات الصوتية بأربع طرق مختلفة.
ظاهرة مماثلة لدى الشمبانزي
ولوحظت ظاهرة مماثلة لدى الشمبانزي، إذ أجرى فريق بحثي من "مركز ليون لبحوث الأعصاب" في فرنسا تجربة عرضوا فيها ثعباناً مزيفاً على مجموعة من حيوانات الشمبانزي في بيئتها الطبيعية، فكانت النتيجة أن قامت حيوانات الشمبانزي بدمج "نداء إنذار" مع "نداء استنفار" لجذب الآخرين، لحشد أفراد مجموعتها والاستجابة بصورة جماعية للتهديد.
وفي دراسة أخرى، لوحظ أن الشمبانزي عندما تجمع بين صوت يعني "الراحة" وآخر يتسم بطابع تنفسي يعني "اللعب"، فإنها تتجه لتسلق الأشجار من أجل الراحة معاً، ولم يكُن أيّ من هذين الصوتين بمفرده كافياً لتحفيز هذا السلوك، ولكن عند استخدامهما معاً، تشكل معنى جديد تماماً، مما يبرهن على أن الشمبانزي مثل البشر قادرة على دمج الأصوات لابتكار معانٍ جديدة تشبه في تركيبها الجمل.
البحوث حول الحيتان
وفي ما يخص البحوث حول الحيتان، اكتشف العلماء خصائص تشبه اللغة البشرية، إذ قام باحثون من "مشروع سيتي" (مبادرة ترجمة لغات الحيتانيات)، وهي منظمة غير ربحية تتخذ من نيويورك مقراً لها، ببناء قاعدة بيانات من خلال تتبع طويل الأمد لأصوات وسلوكيات حيتان العنبر في مياه دومينيكا بمنطقة الكاريبي، وباستخدام الذكاء الاصطناعي، حلل الفريق أصوات "النقر" التي تصدرها الحيتان والتي تُعرف باسم "كودا" وتأكدوا من وجود "نظام صوتي" فريد يعتمد على تباينات في الإيقاع والسرعة.
ويعمل علماء مشروع "سيتي" على تطوير نموذج يعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي لمحاكاة أصوات حيتان العنبر، ووجد الفريق في أصوات "الكودا" أنماطاً صوتية تشبه حروف العلة "a" و"i" في اللغة الإنجليزية، ورصدوا كذلك أنماطاً تتنوع بين الصعود والهبوط، أو الصعود ثم الهبوط، من خلال تغيرات في التردد.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي ترجمة تواصل الحيوانات؟
يقول العلماء إنه يمكن الاستعانة بـ"تعلم الآلة"، وهو أحد أنواع الذكاء الاصطناعي القادر على تحليل البيانات من دون الحاجة إلى اتباع تعليمات محددة مسبقاً، ومن الناحية النظرية، يمكن استخدام هذه التقنية لمعالجة تسجيلات لتواصل الحيوانات وبناء نماذج لغوية استناداً إليها.
ويُعد "تعلم الآلة" أداة قوية، إذ يمكن تدريبه على تحديد الأنماط ضمن مجموعات بيانات ضخمة للغاية، مما يتيح لنا معالجة كميات كبيرة من البيانات واكتساب معرفة جوهرية حول كيفية تغير المعلومات الواردة في أصوات الحيوانات بمرور الوقت.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبعيداً من الفوائد البديهية مثل معرفة ما يفكر فيه قطك تجاهك حقاً، هناك طرق عدة يمكن أن يكون فيها فهم تواصل الحيوانات بصورة أفضل مفيداً للبشر والحيوانات على حد سواء، فعلى سبيل المثال يعمل مشروع "إيرث سبيشيز بروجكت"، وهو منظمة غير ربحية، على فك شيفرة لغات الكائنات غير البشرية، وركز المشروع حتى الآن على الثدييات البحرية (مثل الحيتان والدلافين) والرئيسيات، لكن القائمين عليه يؤكدون أن نطاقه سيمتد مستقبلاً ليشمل حيوانات أخرى، بما في ذلك فصيلة الغرابيات.
حيوانات يمكن التواصل معها
تتصدر الدلافين قائمة المرشحين للتواصل مع البشر، فهي تصدر أصواتاً متنوعة مثل الصفارات والنقرات والنبضات الصوتية المتسارعة، وعكف الباحثون على دراسة بعض المجموعات البرية منها لعقود، وتعمل مبادرتا "دولفين جيما" و"مشروع الدلافين البرية" على الكشف عن أنماط هذه الأصوات واستكشاف إمكان تحقيق تواصل ثنائي الاتجاه.
وتصدر الفيلة أصواتاً منخفضة التردد، يمكن لبعضها الانتقال لمسافات طويلة، ويمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تمييز النداءات المرتبطة بها أو بحالات الخطر التي تمر بها، أو بتفاعلاتها الاجتماعية، ويكمن التحدي في تحديد أي من هذه الإشارات يحمل معلومات محددة، وما إذا كان بإمكان البشر محاكاتها أو الاستجابة لها بطرق تدركها الفيلة وتفهمها.
وقد تكون الحيوانات الأليفة من أوائل الحيوانات التي تتواصل مع البشر من خلال أدوات تفسير مدعومة بالذكاء الاصطناعي، إذ يمكن دراسة أصواتها إضافة إلى وضعيات أجسامها وتعبيراتها الوجهية وأنماط سلوكها اليومية واستجاباتها لتصرفات البشر، ويمكن لهذه الأدوات أن تساعد المربين في التعرف إلى حالات الضيق أو الإثارة أو الرغبة في الحصول على الاهتمام.
فوائد تواصل البشر مع الحيوانات
حين يتمكن الذكاء الاصطناعي من مساعدتنا في فهم لغة الحيوانات، يصبح الباحثون أكثر قدرة على رصد علامات الضيق، أو التغيرات في السلوك الاجتماعي، أو الاستجابات للتهديدات البيئية.
وسيكتسب الأطباء البيطريون والمتخصصون في رعاية الحيوانات وسائل إضافية للكشف عن الألم والتوتر وعدم الارتياح، مع ضرورة التحقق من دقة هذه الوسائل سريرياً، فيما قد يفتح فهم طرق تواصل الحيوانات آفاقاً جديدة حول الذكاء والتنظيم الاجتماعي والتعلم الصوتي وتطور التواصل ذاته.
كذلك، سيتمكن أصحاب الحيوانات الأليفة من فهم حاجات حيواناتهم بصورة أدق وأكثر موثوقية، شرط أن تتيح هذه الأنظمة التمييز بين التفسيرات القائمة على أدلة ومجرد التخمينات.