ملخص
يقول الرميد إن "ولاية أي شخص، سواء كان رجلاً أم امرأة، تبقى ولاية محدودة ونسبية، بخاصة في نظام ملكي، يختص فيه الملك بسلطات دينية واستراتيجية، لذلك يترجح أن رئاسة الحكومة لا علاقة لها بالإخبار النبوي الشريف".
تواجه رئيسة الحكومة المغربية فاطمة المنصوري، منذ تعيينها قبل أيام مضت كأول امرأة في تاريخ البلاد تقود الوزارة، سيلاً من الانتقادات التي قفزت على ما هو سياسي وحزبي وتدبيري إلى ما هو ديني يتعلق بأهلية القيادة، ولغوي أيضاً يرتبط بضعف لغتها العربية.
وأطلقت أصوات دينية جدلاً حول مدى جواز تولي المرأة قيادة الجهاز التنفيذي، وهو ما أعاد للواجهة نقاشاً فقهياً قديماً في شأن الولاية العامة للمرأة، وحدود انطباق النصوص الدينية على مؤسسات الدولة الحديثة، بينما تبرز قراءات أخرى تميز بين "الإمامة العظمى" في الفقه التقليدي ورئاسة الحكومة في النظام الدستوري المعاصر.
وتعرضت رئيسة الحكومة المغربية أيضاً لانتقادات وصلت إلى حد التنمر بسبب "ضعف لغتها العربية" وطريقة نطقها لعدد من الكلمات، بمناسبة إلقائها البرنامج الحكومي، غير أنها ردت بأن المغاربة صوتوا على حزبها الذي تصدر نتائج الانتخابات من أجل تلبية مطالبهم وليس لتنميق الكلمات بالعربية.
تولي المرأة الولاية العامة
استند فقهاء ودعاة مغاربة إلى حديث نبوي شريف للدلالة على عدم جواز تولي المرأة الولاية العامة العليا، ومن شروطها الذكورة، وبالتالي عدم جواز قيادة المنصوري، باعتبارها امرأة، للحكومة الجديدة بالمغرب، وفقهم.
في هذا الصدد، أفتى الفقيه المغربي الشيخ قاسم اكحيلات بأن "الولاية العامة الكبرى، وهي التي يرجع إليها أمر الأمة أو الدولة، من حرب وسلم وسياسة وقضاء عام وتنفيذ الأحكام، كالإمامة والخلافة والوزارة والقضاء، لا تجوز للمرأة".
ووفق اكحيلات أيضاً فإن "الدول اليوم لا تصنعها امرأة وحدها، بل تقوم على مؤسسات وجيوش واقتصاد وإرث سابق، فقد ترث المرأة دولة قوية، ويرث الرجل دولة منهارة، فمن جعل نجاحاً مادياً جزئياً ناقضاً لخبر نبوي صحيح، فقد اختزل الفلاح في المال، وجعل الواقع المتغير حاكماً على النص الثابت".
من جهته، أفاد الداعية حمزة الخالدي بأن "جمهور الفقهاء والعلماء ذهبوا إلى منع تولي المرأة الولاية الكبرى، وأن مناط هذا المنع هو صيانة المرأة ورحمتها من أتون الصراعات والضغوط السياسية والجسيمة، وليس انتقاصاً من قدراتها أو عقلها".
ويستدرك الخالدي بقاعدة أصولية تفيد بأن "حكم ولي الأمر يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية، وأن ولي الأمر، بما يملكه من معطيات دقيقة ورؤية شاملة لمصلحة البلاد لا تتوفر لغيره، يقدر المصلحة الراجحة للوطن، ويصبح الواجب بالتالي هو الدعاء بالتوفيق والسداد لرئيسة الحكومة في هذه الأمانة الثقيلة".
دولة دستورية حديثة
في مقابل هذه الآراء الدينية التي ترى عدم جواز تولي امرأة، في حال المنصوري، للحكومة بالمغرب، انبرى إسلاميون آخرون يدافعون عن أهلية قيادة المرأة للحكومة، منهم القيادي الإسلامي وزير الدولة السابق مصطفى الرميد، الذي كتب مقالة قال فيها إن "الدول الحديثة لم تعد دولاً محكومة بأشخاص، بقدر ما أصبحت أمورها تدبر بمؤسسات، تتقاسم السلطة".
ووفق الرميد "ولاية أي شخص، سواء كان رجلاً أم امرأة، تبقى ولاية محدودة ونسبية، بخاصة في نظام ملكي، يختص فيه الملك بسلطات دينية واستراتيجية، لذلك يترجح أن رئاسة الحكومة لا علاقة لها بالإخبار النبوي الشريف".
من جانبه، ميز الشيخ الصادق أحمد العثماني بين الإمامة العظمى في الفقه السياسي القديم، وبين رئاسة الحكومة في الدولة الدستورية الحديثة، إذ تتوزع السلطات والاختصاصات بين مؤسسات عديدة.
وخلص العثماني إلى أن "الاختيار الدستوري المغربي تأسس على اعتبار الكفاءة وحدها، في تولي الشأن العام على المستويات كافة، بغض النظر عن جنس المسؤول، كما تأسس على الوسطية التي تمتع المرأة والرجل بالمساواة في تولي الشأن العام".
ثنائية المرأة والدين
في هذا السياق، يعلق منتصر حمادة، الباحث في الفكر الإسلامي، على الموضوع بالقول إن "هذا الجدل منتظر، آخذاً في الاعتبار حساسية القضايا المرتبطة بثنائية المرأة والدين، ومنها موضوع ولاية المرأة، أو إمامة المرأة، أو تولي المرأة مسؤولية تدبير الشأن العام".
ولفت حمادة إلى أن "هذا الجدل اندلع على رغم أن التجربة التاريخية في الحالة المغربية تؤكد تولي المرأة مناصب قيادية ووازنة من قبل، ومنذ قرون خلت، وليس منذ أعوام فقط، من قبيل زينب النفزاوية، والسيدة الحرة، وسحابة الرحمانية، ومسعودة الوزكيتية، ضمن أسماء أخرى".
واستطرد الباحث بأن "إثارة هذا النقاش لا يهم كثيراً من المغاربة، وإنما يهم فئات مجتمعية بالتحديد، بصرف النظر عن أنها أقلية، بخاصة المتأثرة بالخطاب الإسلامي الحركي، لأن الأمر مختلف مع الفئة غير المتأثرة بالخطاب الإسلامي نفسه، لكنها تصنف في خانة التيار المحافظ".
وخلص منتصر إلى أن "هذه الفئات المجتمعية نفسها لم تنتبه إلى قيادات نسائية تولت مسؤوليات حكومية أو مناصب سياسية وازنة، من قبيل حالات في باكستان وتركيا وغيرها، وإن كانت التجربة التاريخية المغربية الثرية في غنى عن إثارة هذه النماذج".
انتصار للنساء
من جهتها، قالت بشرى عبدو، ناشطة نسائية ورئيسة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، إن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري خلال سبتمبر (أيلول) الماضي كأول رئيسة حكومة في تاريخ المغرب يمثل حدثاً سياسياً بارزاً أطلق نقاشاً فقهياً ودستورياً واسعاً حول تولي المرأة قيادة الجهاز التنفيذي.
وقسمت عبدو السجال الجاري في هذا الموضوع إلى تيارين رئيسين، الأول موقف الحركة النسوية والجمعيات الحقوقية، موردة أن جمعيتها النسائية، مثلاً، ترى في تعيين امرأة رئيسة للحكومة "محطة تاريخية واعترافاً فعلياً بالكفاءة السياسية للمرأة المغربية التي تدرجت في مناصب المسؤولية المحلية والوزارية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وشددت الناشطة على أن "إثارة الجدل الديني حول منصب سياسي مدني يعكس مقاومة ثقافية لتمكين المرأة في مراكز صنع القرار العليا"، موضحة أن "تقييم رئيسة الحكومة يجب أن يبنى على حصيلة عملها، وقدرتها على معالجة قضايا التشغيل والتعليم والقدرة الشرائية، بدل حصر النقاش في جنسها أو مظهرها".
أما التيار الثاني، وفق عبدو، فهو التفسيرات الفقهية والآراء الشرعية المتداولة حول هذا التعيين، التي انقسمت إلى وجهتي نظر، واحدة تقليدية وأخرى وسطية، فقد قدم فقهاء وسياسيون قراءة دستورية تفك الارتباط بين هذا المنصب والنقاش الفقهي القديم.
وخلصت رئيسة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة إلى أن "هذا السجال يعكس حيوية النقاش المجتمعي في المغرب، إذ يسعى النموذج المغربي باستمرار إلى الموازنة بين الحفاظ على هويته الدينية والالتزام بمسار التحديث والمساواة.
سيادة لغوية
وانتقل النقاش والسجال من أهلية المرأة لتولي رئاسة الحكومة إلى تقييم القدرات اللغوية للمنصوري في لغة الضاد، خصوصاً بعد أن ظهرت يوم تقديم البرنامج الحكومي مرتكبة، أمام مجلس النواب، بأخطاء كثيرة في تهجي الكلمات من ورقة كانت تتلو منها البرنامج.
وهنا يقول في السياق فؤاد بوعلي، رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، إن الصورة التي ظهرت بها رئيسة الحكومة المعينة حديثاً أمام البرلمان تحيي السؤال المركزي حول إحساس المسؤول الحكومي المغربي بدور اللغة العربية في انتمائه وسيادة الوطن اللغوية.
ويشرح بوعلي "منذ مدة ونحن نعيش انتهاكاً للسيادة اللغوية من خلال الجرأة على العربية بصفتها اللغة الرسمية الأولى في الدستور، من خلال الأخطاء في التركيب والصوت، وهذا الانتهاك توازيه جرأة على تهميشها في السياسة الوطنية".
واسترسل المتحدث بأن "البرنامج الحكومي أغفل الإشارة، ولو من باب الشكل، إلى النهوض بالعربية وتنميتها، على رغم وجود أحزاب في الحكومة، مثل الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، بنت حملتها الانتخابية على برنامج تعاقدت فيه مع الناخبين على التمكين للعربية وفرضها في التواصل المؤسساتي".
"تهميش العربية"؟
ولفت بوعلي إلى أن "أخطاء رئيسة الحكومة ليست مجرد صعوبة في تهجي وقراءة العربية، بل هي جزء من سياسة تتعمد تهميش العربية"، متابعاً أن "درجة أي مسؤول العلمية كانت أو الأكاديمية، أو حتى أميته بأبجديات اللغة، قد لا تؤثر كثيراً في درجة وعيه بالمطلوب منه حضارياً واستراتيجياً".
وأكمل المتحدث بأن "المطلوب أن يستوعب المسؤول بأن استعمال اللغة الرسمية ليس اختياراً تواصلياً أو قراراً ذاتياً، وإنما جزء من سيادة الدولة التي يمثلها، وأي تهاون في الأمر أو استهانة بقدرتها على تأمين التميز الوظيفي والسياسي يعني ضرباً في استقلاليتها ومنعتها خارجياً، وهدماً لمقومات الانتماء داخلياً".
رد المنصوري
في المقابل لم تظل رئيسة الحكومة المغربية فاطمة المنصوري مكتوفة الأيدي أمام هذه الاتهامات التي نقلتها إلى قبة البرلمان النائبة المعارضة ريم شباط، خصوصاً ما يتعلق بضعف اللغة العربية وطريقة قراءتها للبرنامج الحكومي بحذف "الهمزات" من غالبية الكلمات مثل "الوعاء" و"الحلفاء".
وردت المنصوري، خلال جلسة مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس النواب، بالقول إن "المغاربة صوتوا عليها وعلى حزبها المتصدر لنتائج الانتخابات (الأصالة والمعاصرة) ليس لقول الهمزة في الكلام أو عدم نطقها، بل صوتوا عليها لتلبية مطالبهم".
وقلبت المنصوري الكفة لصالحها، موضحة بأن "أهل مدينة مراكش، التي تنحدر منها، يقولون مثلاً شيما ولا ينطقون شيماء، وهي اللكنة المراكشية التي اشتهر بها أهل هذه المدينة التي شغلت فيها المنصوري عمدة لمدة ولايتين".
وأكملت بأن المغاربة وثقوا في حزبها الذي تصدر الانتخابات، كما وثق فيها الملك عبر الفصل 47 من الدستور الذي يورد أن الملك يختار رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لنتائج الاقتراع.
ورأى متابعون ونشطاء أن لغة المنصوري العربية وطريقة تهجيها للكلمات تحسنتا لدى قراءة البرنامج الحكومي في المرة الثانية أمام مجلس المستشارين، وأن هذا يعكس رغبتها في تطوير قدراتها في اللغة العربية.
ويرى آخرون أن رئيسة الحكومة الجديدة لا تدعي أنها ضليعة في لغة الضاد، بالنظر إلى تكوينها الفرنسي الأساسي، إذ تجيد لغة موليير، وأن الكفاءة وتحمل المسؤولية لا يرتبطان بالضرورة بشرط إتقان اللغة العربية.