ملخص
تشهد بريطانيا منذ عام صعوداً لافتاً لخطاب يربط الهوية الوطنية بالمسيحية. بدأ في مسيرات الناشط اليميني تومي روبنسون، ثم انتقل إلى برامج حزبي "ريفورم" و"ريستور بريتن"، ووصل في سبتمبر الماضي إلى حصار ملثمين لميناء دوفر وهم يهتفون "المسيح ملك". لكن أحدث استطلاع لمركز "ثيوس" يكشف عن أن الفئة الأقرب إلى هذا التيار لا تتجاوز 11 في المئة من البالغين، وأن 13 في المئة فقط منها يرتادون الكنيسة أسبوعياً. والتوتر القائم هو بين حركة تتمدد في الشارع وفي السياسة، وكنيسة تنكر عليها شرعيتها الدينية.
صباح الخامس من سبتمبر (أيلول) الماضي، وصلت قافلة من الشاحنات تقل رجالاً بثياب سوداء إلى ميناء دوفر، أكثر موانئ العبور ازدحاماً في بريطانيا. نزل منها المئات ليقيموا حواجز على الطرق المؤدية إلى الميناء في صفوف منتظمة، وجوههم مغطاة بأقنعة ورؤوس بعضهم معلقة عليها صلبان. امتد الطابور المروري الناتج من الحصار نحو أربعة أميال، وتعطلت حركة الشحن والمسافرين. وارتفعت فوق الحشد هتافات "أوقفوا القوارب" و"المسيح ملك". وفي اليوم التالي تكرر المشهد في بورتسموث حين حاول محتجون اعتراض حافلات تنقل مهاجرين وصلوا للتو عبر القنال الإنجليزي.
الجهة المنظمة حركة ناشئة اسمها "باتريوت بلاتفورم" (منصة الوطنيين)، ويقودها دانيال توماس المعروف بـ"داني تومو"، البالغ من العمر 37 سنة، ويعرض على متابعيه اشتراكاً شهرياً بقيمة 6.6 دولار للانضمام إلى ما يسميه "مجتمع الوطنيين"، وتصفه وسائل إعلام ومنظمة "هوب نوت هيت" بأنه الذراع اليمنى لتومي روبنسون. وقال توماس إن "هدفه بناء "جيش وطني مسيحي" يضغط على الحكومة، وما جرى في دوفر تمرين تجريبي".
وجاء الرد الرسمي سريعاً، فاستدعت وزيرة الداخلية شبانة محمود كبار ضباط الشرطة في جنوب إنجلترا إلى مقر الوزارة، وطالبتهم بالاستفادة الكاملة من الصلاحيات الجديدة التي تتيح حظر تغطية الوجه في الاحتجاجات مدة تصل إلى 24 ساعة. ورأت أن اللباس الأسود والأقنعة يبعثان في السكان شعوراً بالخوف ويعبران عن "نية خبيثة واضحة".
من جهته وصف زعيم "ريفورم" نايجل فاراج ظهور الملثمين بأنه "مقزز"، وقال إن الأقنعة مرفوضة في أية فعالية سياسية أيّاً كانت آراء أصحابها. أما منظمة "هيومانيستس يو كيه" العلمانية، فأوضحت أن زعيم الحركة يقرّ باستلهام تكتيكاتها من مجموعات شبه عسكرية في إيرلندا الشمالية، وأنها تمول عبر منصة أميركية مسيحية لجمع التبرعات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مغالطة رائجة
ويكشف الحدث عن بنية هذا التيار أكثر مما يكشف عن حجمه، ففي الـ11 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، نشر مركز "ثيوس" المسيحي للأبحاث تقريراً عنوانه "ما بعد القومية المسيحية"، يستند إلى استطلاع شمل 1765 بالغاً في أبريل (نيسان) الماضي، وقسم المجتمع البريطاني إلى خمس فئات وفق موقفها من العلاقة بين المسيحية والهوية البريطانية. ووجد أن ثمانية في المئة يوافقون بشدة على أن المرء يجب أن يكون مسيحياً ليكون بريطانياً حقيقياً، وأن تسعة في المئة يوافقون بدرجة أقل، فيما لا يرى سوى واحد في المئة أن المسيحية هي العامل الأهم في بريطانيا.
والأدق خلال التقرير ما يقوله عن الفئة الأقرب إلى القومية المسيحية التي سماها "دعاة دمج الهوية"، فهذه الفئة أصغر الفئات الخمس بنسبة 11 في المئة، ويعرّف 81 في المئة من أفرادها أنفسهم مسيحيين، لكن 13 في المئة فقط منهم يذهبون إلى الكنيسة كل أسبوع. ويرى 90 في المئة منهم أن الدفاع عن الإرث المسيحي لبريطانيا جزء أساس من كون المرء مسيحياً، مقابل 18 في المئة لدى الفئة التي يحركها الإيمان نفسه. ولا يوافق منهم على أن القيم المسيحية تقتضي استقبال طالبي اللجوء ودعمهم سوى 19 في المئة، ولا يؤيد المساواة بين الأديان في الحياة العامة سوى 30 في المئة. والخلاصة التي يقدمها التقرير أن هذا التيار يغذيه العداء للإسلام وللهجرة بالدرجة الأولى، وأن ارتفاع الالتزام الديني يقترن بعداء أقل للمهاجرين وللتنوع الديني.
يصحح هذا المعطى مغالطة رائجة في أوساط اليمين، مفادها بأن بريطانيا تعيش نهضة مسيحية يركب التيار القومي موجتها، إذ استندت هذه الرواية طوال عام إلى تقرير "النهضة الهادئة" الصادر عن جمعية "الكتاب المقدس". وكان التقرير أفاد بأن 12 في المئة من البريطانيين يرتادون الكنيسة مرة في الشهر عام 2024، مقابل ثمانية في المئة عام 2018. لكن الجمعية سحبته من موقعها أواخر مارس (آذار) الماضي، بعدما أقرت مؤسسة "يوغوف" بأن العينة التي بني عليها كانت معيبة. وقالت الجمعية الوطنية العلمانية إن فكرة "بريطانيا المسيحية" يضخمها بعض رموز اليمين، مدعومين بادعاءات كاذبة عن صحوة دينية.
جذور المسار
تعود جذور المسار القريب لخريف 2025، ففي مسيرة "توحيد المملكة" التي نظمها روبنسون خلال سبتمبر من ذلك العام، قدرت شرطة العاصمة عدد المشاركين بما بين 110 آلاف و150 ألفاً، ورفع بعضهم صلباناً خشبية ولافتات عليها صور المسيح. وكان روبنسون، المعروف بنشاطه المعادي للإسلام، أعلن اعتناقه المسيحية، قائلاً إنه "وجد المسيح في السجن". وفي ديسمبر (كانون الأول) نظم قداس تراتيل بعنوان "أعيدوا المسيح لعيد الميلاد"، لكنه لم يجتذب سوى ما بين ألف و1500 شخص. ثم دعا إلى مسيرة جديدة في مايو (أيار) الماضي تحت شعار "أربع أمم. مملكة واحدة. في ظل الله". وقدرت الشرطة عدد المشاركين فيها بنحو 60 ألفاً، أي أقل من مسيرة الخريف.
ولم يبقَ الخطاب حبيس الشارع، ففي فبراير (شباط) الماضي كتب المتحدث باسم "ريفورم" للشؤون الداخلية ضياء يوسف في صحيفة "ذا تايمز" أن الحزب سيعمل على "استعادة الإرث المسيحي لبريطانيا" عبر منهج دراسي قائم على المسيحية وإدراج جميع الكنائس تلقائياً في قوائم المباني المحمية، والغاية المعلنة من الإجراء الأخير منع تحويل الكنائس إلى مساجد.
وخلال الشهر نفسه أطلق النائب روبرت لو حزب "ريستور بريتن" (استعادة بريطانيا) على يمين "ريفورم"، وكتب يوم الإطلاق أن بريطانيا بلد مسيحي وستبقى كذلك في ظل حكومة يقودها حزبه. ويعرّف موقع الحزب البريطانيين شعباً تحدده الأصول البريطانية الأصلية والإيمان المسيحي، ويتعهد بإلغاء ما يسميه "أسلمة بريطانيا" وحظر الذبح الحلال والكوشر. وأعلن الملياردير الأميركي إيلون ماسك دعمه للحزب مراراً الذي بات لديه 32 مستشاراً محلياً حتى يوليو (تموز) الماضي، فيما بقي لو نائبه الوحيد في البرلمان.
وامتدت العدوى إلى التيار الرئيس، فخلال عيد الفصح أعلنت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك أن "بريطانيا بلد مسيحي"، واقترحت توجيه مزيد من المال العام إلى ترميم الكنائس. أما رئيس الوزراء كير ستارمر، فاختار في رسالته للمناسبة صيغة مختلفة، إذ قال إن الحكومة ملتزمة العمل عبر الأديان والاختلافات في وقت يسعى بعضهم إلى التفرقة.
نموذج مستورد
يرى أكاديميون أن النموذج مستورد في جانب منه، فأستاذة اللاهوت والدراسات الدينية في "كينغز كوليدج لندن" ليندا وودهيد تقول إن الموجة الجديدة وافدة من الولايات المتحدة، حيث تشابكت الرموز المسيحية مع سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وإن اليمين البريطاني يجرب الوصفة نفسها.
الأسقف المستقل سيريون ديوار الذي يصفه منتقدوه بـ"أسقف اليمين المتطرف"، يرفض المصطلح أصلاً ويعده خاصاً بالولايات المتحدة وتقاليدها في المسيحية السياسية. وحذر أستاذ اللاهوت الأخلاقي في "جامعة أكسفورد" لوك بريذرتون أساقفة كنيسة إنجلترا في يناير (كانون الثاني) الماضي من استخدام التعبير، قائلاً إنه بلا أية دلالة لاهوتية، وإنه يعيد إنتاج منطق الصديق والعدو الذي يتغذى منه الاستقطاب.
من جهته يوضح قائد مشروع "ثيوس" البحثي نك سبنسر أن الدوافع التي رصدها فريقه في المسيرات ليست كتلة واحدة، بل إنها خليط يمتد من كراهية صريحة للمسلمين وكره للأجانب، إلى إحياء ديني حقيقي ومظالم سياسية مشروعة.
أما الرأي العام، فيرسل إشارات متعارضة. فوفق نتائج"ثيوس" التي نشرت في مايو الماضي، يوافق أربعة من كل 10 بريطانيين على أن القانون يجب أن يقوم على القيم المسيحية، ويريد 37 في المئة أن تعلن الحكومة رسمياً أن بريطانيا بلد مسيحي. في المقابل، يرفض 84 في المئة فكرة أن من لا يحملون القيم المسيحية لا ينتمون إلى بريطانيا، ويرى 72 في المئة أن ديانة رئيس الحكومة ليست أمراً مهماً. ويأتي ذلك في بلد أظهر تعداد 2021 أن أقل من نصف سكانه يعرّفون أنفسهم مسيحيين، للمرة الأولى في تاريخه.
وتقف الكنيسة الرسمية في قلب المعضلة، فقالت النائبة العمالية مارشا دي كوردوفا التي تتحدث باسم كنيسة إنجلترا في البرلمان البريطاني، إن القوميين المسيحيين "ليسوا وطنيين ولا مسيحيين"، وإن الكنيسة شكلت فريق عمل يرشد الأبرشيات في شأن رفع الأعلام والوطنية. لكن فاراج يتهم قيادة الكنيسة بالانفصال عن قاعدتها. ويلخص سبنسر المأزق بأن الكنيسة إن احتضنت الناشطين اليمينيين حديثي التدين ستتعرض لهجوم عنيف، وإن أغلقت الباب في وجوههم فستكون تلك كارثة على رسالتها التبشيرية.
المعضلة أن اتباع مسار أمني بحت لمواجهة "القومية المسيحية" قد يغذي رواية "حرية التعبير المحاصرة" التي بنى عليها روبنسون مسيراته، وإذا تبنت الأحزاب التقليدية لغة الإرث المسيحي لسحب البساط من "ريفورم" و"ريستور"، كما فعلت بادينوك، فذلك يمنح الخطاب شرعية بدلاً من أن يحتويه. والمفارقة هي أن هذه القومية تكبر في الشارع فيما تفرغ الكنائس، فتزداد الهوية المسيحية حضوراً كلما ضعف الإيمان الذي يفترض أنها تدافع عنه.