ملخص
قبل الحرب، كان قطاع غزة يعتمد في تأمين احتياجاته على نحو 1500 تاجر ومستورد فلسطيني تسمح لهم إسرائيل بإدخال البضائع عبر معابرها، لكن تل أبيب قلصت منذ سريان وقف إطلاق النار قائمة المستوردين المعتمدين إلى 8 تجار فقط مسموح لهم بتقديم طلبات "تنسيق" لإدخال السلع التجارية إلى القطاع. ومن داخل هذه الدائرة الضيقة خرجت الشرارة الفعلية التي أغلقت بوابة المعبر أمام بضائع القطاع الخاص، بحسب ما يكشفه رئيس جمعية النقل الخاص في غزة ناهض شحيبر.
من خيمتها المنصوبة في منطقة ميناء مدينة غزة، تخرج دعاء موسى إلى السوق لتلبية الحد الأدنى من حاجات أسرتها، لكن جولتها لهذا اليوم أمام البسطات والمحال سببت لها صدمة معيشية جديدة أعادت إليها كابوس الغلاء وشح الطعام الذي عايشته خلال الحرب.
فخلال 48 ساعة فقط من توقف دخول الشاحنات التجارية إلى قطاع غزة، شهدت أسعار البضائع ارتفاعاً ملحوظاً لم تعد جيوب النازحين تقوى على احتماله.
تقول دعاء: "سنوات الحرب والنزوح استنزفت مدخرات العائلات ومصادر دخلها، والآن نتلقى رواتب منقوصة ولا نملك مالاً لمواجهة قفزات الأسعار الغريبة في السوق".
طاولت زيادات الأسعار مواد أساسية على موائد الغزيين؛ فعلبة القهوة (250 غراماً) التي كانت تباع قبل أيام بـ6 دولارات صعدت دفعة واحدة إلى نحو 10 دولارات.
ووصل سعر الكيلوغرام الواحد من الطماطم إلى 6 دولارات، والبطاطس إلى 4 دولارات، أما اللحوم الحمراء المجمدة فقد قفز سعرها إلى 20 دولاراً، في حين اختفت سلع غذائية حيوية مثل البيض والفواكه من الأسواق تماماً.
أمام المحال التي تقف عندها دعاء، تبدو حركة الناس للوهلة الأولى وكأنها إقبال شرائي ضخم، لكن الاقتراب من تفاصيل البيع والشراء يكشف أن الأهالي يندفعون إلى الأسواق بدافع الهلع من تعمق النقص الغذائي وعودة أيام المجاعة.
تضيف دعاء: "هذا الزحام ليس لوفرة المال في أيدي الغزيين. ندخل المحال لنسأل عن أسعار ما تبقى من مواد أساسية، ثم نخرج بأكياس شبه فارغة لا تحوي سوى كميات ضئيلة للغاية، على قدر ما تبقى في جيوبنا من دولارات معدودة".
شلل الشريان الوحيد
على بعد 10 الكيلومترات جنوباً من خيمة دعاء، وتحديداً عند بوابة معبر كرم أبو سالم، يقف السبب المباشر لهذه الأزمة؛ فالمنفذ الذي يعد الشريان التجاري الوحيد لقطاع غزة شهد منذ 13 أكتوبر (تشرين الأول) توقفاً مفاجئاً لحركة شاحنات البضائع التابعة للقطاع الخاص والقادمة من الجانب الإسرائيلي لمدة 5 أيام متتالية.
خرجت فصول الأزمة إلى العلن يوم 14 أكتوبر، حين أعلنت وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية (كوغات) تعليق إدخال شاحنات السلع التجارية إلى غزة "حتى إشعار آخر".
الرواية الإسرائيلية الرسمية ألقت بالكرة في ملعب التجار الفلسطينيين وحركة "حماس"، إذ قال منسق الحكومة الإسرائيلية يورام هليفي: "تجار غزة هم من قرروا وقف تنسيق إدخال بضائعهم طوعاً، احتجاجاً على تهديدات ومطالبات مالية فرضتها عليهم الحركة".
وبحسب ما أبلغت به إسرائيل "مجلس السلام" والمبعوثين الدوليين، فإن "حماس" طالبت التجار بدفع رسم ثابت يقارب 3300 دولار (10 آلاف شيكل) عن كل شاحنة تجارية تدخل القطاع، وألزمتهم ببيع 30 في المئة من بضائعهم نقداً بدلاً من التحويلات البنكية.
في المقابل، نفت "حماس" والمكتب الإعلامي الحكومي في غزة فرض أي ضرائب أو رسوم على الأنشطة التجارية منذ ثلاث سنوات، لكن وزارة الاقتصاد في غزة لم تنفِ هذه الجباية، وبررتها بأنها "مبادرة مجتمعية اختيارية" لصالح "صندوق وطني" مخصص لإغاثة الأيتام والأرامل ومشاريع الإيواء.
في الواقع، لم تكن الأزمة خلافاً على جباية فرضتها "حماس"، وتكشف هذه المشكلة عن صراع يتداخل فيه الاقتصاد وسطوة "كارتل تجاري" مغلق، وحرب سيولة نقدية، ومأزق مالي لحكومة تعمل رغم حلها سياسياً، وتوظيف دولي لفرض ترتيبات قرار مجلس الأمن 2803.
رسوم "الخدمة المجتمعية"
منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، لم تعد التجارة مع غزة تسير وفق القواعد الجمركية المتعارف عليها دولياً؛ فبسبب القيود الإسرائيلية المشددة التي تشترط موافقات مسبقة لدخول كل شحنة، تحول إدخال أي شاحنة بضائع للقطاع الخاص إلى عملية شاقة تمر عبر ما يعرف محلياً باسم "التنسيقات".
طوال سنوات الحرب، اضطر تجار غزة لدفع مبالغ طائلة للسماسرة والوسطاء، لمجرد الحصول على موافقة لعبور شاحناتهم إلى داخل القطاع، وصلت في كثير من الأحيان إلى عشرات آلاف الدولارات عن الشاحنة الواحدة.
وتظهر بيانات الغرفة التجارية في غزة أن التجار دفعوا أكثر من 2.06 مليار دولار تحت مسمى "التنسيقات" منذ بداية الحرب وحتى أواخر يوليو (تموز) 2026، وهي أموال دفعت من جيوب المواطنين عبر أسعار السلع.
لكن الأزمة التي أوقفت معبر كرم أبو سالم منتصف أكتوبر لم تكن بسبب تلك التنسيقات الخارجية، إذ انفجرت داخل القطاع نفسه، حين واجه تجار وموردون مطالبات من جهات حكومية تابعة لحركة "حماس" بدفع مبلغ 3300 دولار عن كل شاحنة تجارية تدخل غزة، تحت مسمى "الخدمة المجتمعية".
وعن الطريقة التي تطلب بها هذه الأموال على الأرض، يروي أحد تجار الجملة، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أن عناصر من وزارة الاقتصاد التابعة لحكومة "حماس" ينفذون جولات تفتيش دورية على المستودعات والمحال التجارية، وفي بعض الأحيان يأتون برفقة مسلحين.
ويوضح التاجر أنهم يطلبون من التجار دفع أموال غير واضحة الطبيعة مقابل السماح بإدخال البضائع أو الإفراج عنها من المخازن، مؤكداً أن من يرفض الدفع يجد نفسه أمام عقوبات فورية تصل إلى حجز بضاعته أو مصادرة جزء منها أو حتى منعه من مواصلة نشاطه التجاري.
أمام هذه الضغوط، نقل عدد من التجار شكواهم مباشرة إلى الجانب الإسرائيلي، وتحديداً إلى المنسق الإسرائيلي المسؤول عن التجارة والاقتصاد في غزة، أفي متان.
واستند رئيس وحدة تنسيق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في المناطق، إلى هذه الشكاوى في رسالته الموجهة إلى المبعوثين الدوليين والأمم المتحدة، وقال فيها: "عناصر أمن تابعون لـ'حماس' أوقفوا نجل أحد التجار بعد رفضه الامتثال للمطالب المالية، وهو ما دفع تجاراً إلى تعليق عملياتهم خشية على سلامتهم".
في غزة، نفى المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة الرواية الإسرائيلية، وقال: "الجهات الحكومية في القطاع لا تفرض أي ضرائب أو رسوم على دخول الشاحنات التجارية، ودورها يقتصر على الجانب الخدماتي والإنساني، بينما تحاول إسرائيل تبرير سياسة التضييق والتجويع على غزة".
ورغم نفي الثوابتة فرض ضرائب إجبارية، فإنه لم ينفِ أصل مبلغ الـ3300 دولار، لكنه أوضح أنه يمثل "مبادرة مجتمعية اختيارية" غير ملزمة، يشارك فيها رجال أعمال وشركات لتمويل "صندوق وطني" ينفق على الأيتام والأرامل ومشاريع الإيواء والصرف الصحي.
ولاحتواء هذا الملف، عقدت الغرفة التجارية في غزة اجتماعاً عاجلاً مع وزارة الاقتصاد، ويقول رئيس اللجنة الاقتصادية في الغرفة، رياض السوافيري: "سجلنا خلال الاجتماع اعتراضنا ورفضنا القاطع لفرض أي رسوم أو ضرائب من أي جهة كانت".
ويضيف السوافيري: "وزارة الاقتصاد أكدت لنا عدم فرض رسوم أو ضرائب جديدة، وأبلغتنا أن المبلغ المتداول طرح باعتباره مبلغاً اختيارياً وليس إلزامياً، وأنه لم يجبر أي تاجر على دفعه".
في خلفية أزمة توقفت فيها شاحنات البضائع ولم يدخل أي طعام إلى غزة، لم يكن السبب تذمر مئات التجار من رسم "الخدمة المجتمعية"؛ إذ كان قرار تعليق العمل في تزويد غزة بالغذاء مرتبطاً بـ8 أشخاص فقط منحتهم إسرائيل حق احتكار كل ما يدخل من بضائع إلى القطاع.
التجار الثمانية
قبل الحرب، كان قطاع غزة يعتمد في تأمين احتياجاته على نحو 1500 تاجر ومستورد فلسطيني تسمح لهم إسرائيل بإدخال البضائع عبر معابرها، لكن تل أبيب قلصت منذ سريان وقف إطلاق النار قائمة المستوردين المعتمدين إلى 8 تجار فقط مسموح لهم بتقديم طلبات "تنسيق" لإدخال السلع التجارية إلى القطاع.
من داخل هذه الدائرة الضيقة خرجت الشرارة الفعلية التي أغلقت بوابة المعبر أمام بضائع القطاع الخاص، بحسب ما يكشفه رئيس جمعية النقل الخاص في غزة ناهض شحيبر.
يقول شحيبر: "الأزمة بدأت حين فرضت الجهات الحكومية والأمنية في غزة الإقامة الجبرية على أحد هؤلاء التجار الثمانية المعتمدين لدى إسرائيل، ويشار إلى اسمه بالحرفين (ر. ي)".
وجاء قرار احتجاز التاجر (ر. ي) عقب رفضه الامتثال لآلية البيع التي حددتها وزارة الاقتصاد في غزة لتصريف البضائع داخل الأسواق، والتي تلزمه بتحصيل 25 في المئة من قيمة مبيعاته نقداً، وتسديد النسبة المتبقية عبر التحويلات المالية.
بعد احتجاز التاجر، تدخل الجانب الإسرائيلي مباشرة على خط الأزمة، إذ يضيف شحيبر: "بعض التجار تواصلوا مع المنسق الاقتصادي الإسرائيلي أفي متان، وأبلغ أحدهم رسمياً بأن إدخال البضائع إلى القطاع لن يستأنف ما دامت الإقامة الجبرية المفروضة على التاجر (ر. ي) قائمة".
ولم تكن واقعة التاجر (ر. ي) الحادثة الأمنية الوحيدة التي أحاطت بملف التجار خلال أيام الأزمة، إذ أشار المنسق الإسرائيلي هليفي في رسالته للمبعوثين الدوليين إلى أن عناصر أمن تابعين لحركة "حماس" أوقفوا نجل أحد التجار لرفضه الدفع، مما دفع تجاراً إلى تعليق عملهم.
في المقابل، قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن الإجراءات المتخذة بحق بعض التجار، من دون أن يسميهم، جاءت تطبيقاً للقانون الفلسطيني لمكافحة احتكار السلع والتلاعب بالأسعار واستغلال احتياجات المواطنين.
يقول الثوابتة: "الإجراءات بحق بعض التجار تستند إلى شبهات ومخالفات، بينها شبهات الكسب غير المشروع، وهذه مخالفة تستوجب المساءلة القانونية وتخضع للأصول والإجراءات القانونية والقضائية المعمول بها".
القاسم المشترك الذي فجر الصدام بين وزارة الاقتصاد والتاجر المحتجز والمنسق الإسرائيلي هو طريقة الدفع؛ فلماذا يرفض كبار التجار بيع ربع أو ثلث بضائعهم بالكاش؟ ولماذا تحولت السيولة النقدية إلى ساحة حرب في غزة؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"كاش" أو تحويلات
منذ أكتوبر 2023، تمنع إسرائيل إدخال أي أوراق نقدية إلى بنوك غزة وترفض استبدال العملات التالفة، ما جعل الأسواق تعاني شحاً شديداً في السيولة وانتشار أوراق نقدية مهترئة بالكاد تصلح للتداول. وأمام هذه الأزمة، لجأ سكان غزة إلى استخدام التطبيقات البنكية في معاملاتهم اليومية.
بحسب القائم بأعمال الغرفة التجارية رياض السوافيري، فإنه يوجد في غزة ما يقارب نصف مليار شيكل (نحو 160 مليون دولار) نقداً لا يتم تداولها بين السكان، ما خنق حركة البيع والشراء.
يمتنع كبار التجار والموردون الثمانية عن قبول الأوراق النقدية من تجار التجزئة والمواطنين، ويشترطون بيع بضائعهم بنسبة 100 في المئة عبر التحويلات والتطبيقات البنكية.
يعود هذا الرفض إلى حاجة المستوردين لأرصدة رقمية في البنوك لتسديد أثمان البضائع للشركات الموردة في الخارج، إذ ترفض البنوك الإسرائيلية استقبال النقد الورقي القادم من غزة.
ويحذر الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر من أن امتناع كبار التجار عن قبول النقد الورقي وإغلاق منافذ الشراء أمامه يتسببان في تعميق أزمة التجويع، لأن غالبية المواطنين يعتمدون على ما بحوزتهم من سيولة نقدية لشراء الغذاء والدواء.
ويضيف أبو قمر: "رفض التجار للكاش يفتح أبواب السرقة والاستغلال مجدداً، فبعض التجار يعمدون بطرق غير مباشرة إلى سحب النقد الورقي من السوق بعمولات عالية جداً على غرار ظاهرة التكييش، ما يحول النقود الورقية في أيدي الناس إلى ورق خامل لا قيمة له".
لهذا السبب، تدخلت وزارة الاقتصاد في غزة وحاولت إلزام التجار الموردين ببيع ما بين 25 و30 في المئة من بضائعهم نقداً، وهو إجراء قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إنه جرى "بمبادرة من الغرفة التجارية وبالتوافق معها لمعالجة النقص الحاد في السيولة وتسهيل البيع والشراء".
هذا التدخل الحكومي قرأته إسرائيل على أنه محاولة من "حماس" للسيطرة على الأموال، إذ يقول المنسق الإسرائيلي يورام هليفي للمبعوثين الدوليين إن الحركة تفرض نسبة البيع النقدي من أجل الالتفاف على التحويلات المصرفية الرسمية والسيطرة على السيولة.
ويعلق الاقتصادي أحمد أبو قمر على هذا الصراع قائلاً: "تجميد تداول العملات الورقية وحصر البيع في التطبيقات يخدم بالدرجة الأولى مخططات إسرائيل الساعية إلى فرض السيطرة المطلقة على العملية المصرفية في غزة، عبر مراقبة الحسابات البنكية والتحكم بها وتجميدها في أي وقت".
وتفرض هذه المواجهة سؤالاً سياسياً أكبر: كيف تمارس حكومة "حماس" كل هذه الإجراءات الأمنية والمالية وتبحث عن السيولة، رغم التوافق السياسي على إنهاء حكمها وتسليم إدارة القطاع للجنة تكنوقراط؟
مفارقة
في الحقيقة، تعيش حركة "حماس" أزمة مالية خانقة تدفعها إلى الصدام مع التجار بحثاً عن السيولة، بعد ثلاث سنوات من الحرب التي دمرت البنية الاقتصادية للقطاع وجففت منابع الجباية.
ويعكس إقرار إسماعيل الثوابتة بتوقف تحصيل الضرائب والرسوم التجارية طوال السنوات الثلاث الماضية غياب المورد المالي الرئيس الذي كانت تعتمد عليه الحركة لإدارة القطاع وتمويل نفقاتها.
إلى جانب هذا البعد المالي، كشفت أزمة الشاحنات عن مفارقة سياسية وإدارية يعيشها قطاع غزة على الأرض، تتمثل في استمرار حكومة "حماس" في ممارسة سلطتها التنفيذية والأمنية كاملة، رغم إعلانها الرسمي في يوليو (تموز) الماضي حل "لجنة الطوارئ الحكومية" واستقالة رئيسها تمهيداً لتسليم الحكم إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
وبررت الحكومة في غزة استمرار أجهزتها في الإمساك بزمام الأمور بتأخر دخول اللجنة الجديدة، إذ أكد الثوابتة أن "الظروف مهيأة لدخول لجنة التكنوقراط إلى غزة، وجميع الموظفين وعناصر وزارة الداخلية سيواصلون عملهم لضمان عدم وجود فراغ أمني أو إداري" لحين مباشرة اللجنة مهامها في القطاع.
في المقابل، تقرأ إسرائيل هذا الواقع المزدوج باعتباره محاولة من "حماس" للإبقاء على سيطرتها الفعلية والأمنية في غزة دون تحمل أعباء الحكم رسمياً، وهو ما دفع تل أبيب إلى تدويل أزمة الشاحنات فوراً ونقلها إلى طاولة "مجلس السلام".
"مجلس السلام" يعقب
عقّب ممثل غزة في "مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف على الرسالة الإسرائيلية قائلاً: "ترهيب التجار والتدخل في مسار الإمدادات ممارسات غير مقبولة، ويجب أن تتوقف فوراً لأنها تفاقم معاناة المدنيين".
وأضاف: "هذه المستجدات تؤكد الحاجة العاجلة للإسراع في نشر اللجنة الوطنية لإدارة غزة بدعم من قوة الاستقرار الدولية، لحماية الإمدادات المدنية والنشاط التجاري، وتطبيق الخطة الشاملة التي أيدها قرار مجلس الأمن رقم 2803 دون تأخير".
وللدفاع عن موقفها أمام الوسطاء واللجنة الوطنية لإدارة غزة، كشفت الجهات الحكومية في غزة بالأرقام حجم التنصل الإسرائيلي من التزامات المعابر.
يقول الثوابتة: "لم تلتزم إسرائيل بالتفاهمات المعلنة في مسار شرم الشيخ بإدخال 600 شاحنة يومياً من المساعدات والبضائع، حيث سمحت بدخول 35 في المئة فقط من العدد المتفق عليه، بواقع 70 ألف شاحنة على مدار 330 يوماً منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار".
المواطن المتضرر
بينما تتصاعد الأزمة، يقف المواطن الغزي وحده في مواجهة السوق. ويقر بذلك رئيس اللجنة الاقتصادية في الغرفة التجارية رياض السوافيري، إذ يقول: "إلغاء التنسيقات انعكس على الأسواق بارتفاع الأسعار، وبعض التجار استغلوا التطورات وخزنوا سلعاً، الأمر الذي يزيد الضغوط على المستهلكين كلما تراجع المعروض".
تعقب الباحثة الاقتصادية وئام وهبة: "الشاحنات توقفت بسبب خلافات على الرسوم والضرائب، ولم تتوقف يوماً ضمن تحرك لحماية المستهلك من الغلاء. إن اجتماع القيود الإسرائيلية على المعابر مع محدودية المنافسة وضعف الرقابة يجعل سوق غزة عرضة لاضطرابات سريعة عند أي توقف في حركة الشاحنات".
إعادة تشغيل معبر كرم أبو سالم
بعد 5 أيام من الأزمة، أعيد تشغيل معبر كرم أبو سالم. وعقب سلسلة اجتماعات ضمت جهات حكومية في غزة وممثلين عن الغرف التجارية والقطاعات الاقتصادية، توصلت الأطراف إلى حل.
ويقول نائب رئيس جمعية النقل الخاص في غزة جهاد اسليم: "المباحثات أسفرت عن تسوية جميع القضايا والرسوم المالية الخاصة بالتجار، ما مهد الطريق لإعادة تشغيل المعبر بصورة طبيعية، مع وجود ضمانات فلسطينية وإسرائيلية لمنع تكرار الإغلاق أو تعطيل حركة البضائع مستقبلاً".
وأعلنت إسرائيل أمس الإثنين أنها ستستأنف السماح بدخول شحنات البضائع التجارية إلى غزة.
وقالت وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية إنها اتخذت هذا القرار بعد أن أفاد التجار بأن سلطات "حماس" سحبت مطالبها بدفع 10 آلاف شيكل عن كل شاحنة.
وأضافت الوحدة، التي تشرف على الشؤون الإنسانية في غزة، أن "استئناف التنسيق يأتي وفقاً لالتزام إسرائيل بالأحكام الإنسانية لاتفاق وقف إطلاق النار".
وأوضحت أن روايات التجار لم يتسن التحقق منها على نحو مستقل، وأن الشحنات ستستأنف تدريجاً، مع إعطاء الأولوية للسلع الأساسية قبل حلول الشتاء.
وستُشدد الرقابة لضمان تقديم المدفوعات واستلامها فقط من خلال تحويلات مصرفية موثقة، مع استبعاد أي تاجر من هذا الترتيب إذا ثبت أنه دفع لحركة "حماس".