Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جوناثان باول... مفاوض الظل في "داونينغ ستريت"

سياسي بريطاني تحفل مسيرته بقناعة راسخة فحواها ضرورة الحوار مع الخصوم مهما بلغت العداوة

مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول (غيتي) 

ملخص

يقف مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء البريطاني جوناثان باول عند منعطف جديد في مسيرة طويلة تنقّل خلالها بين الصحافة والدبلوماسية وإدارة السلطة والوساطة في النزاعات المسلحة. عمل باول 10 أعوام مديراً لمكتب توني بلير وكبيراً لمفاوضي لندن في إيرلندا الشمالية، ثم عاد لـ"داونينغ ستريت" عام 2024 ليصبح أول سياسي يشغل هذا المنصب. ومع تراكم الملفات عليه، من حرب أوكرانيا إلى تسوية جزر "تشاغوس" والتوتر مع إسرائيل، تكثر الأسئلة عن قدرته على الاستمرار وعن حدود الدور الذي يؤديه.

في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، زار جوناثان باول إسرائيل بعيداً من الأضواء، وفق ما نقلته وكالة "رويترز". كان يحاول منع إغلاق القنصلية البريطانية العامة في القدس، بعدما أمرت الحكومة الإسرائيلية بإقفالها رداً على عقوبات فرضتها لندن على مستوطنين، لكن مسعاه لم ينجح. وبعد أيام نشرت صحيفة "ذا تلغراف" أن باول يفكر في الاستقالة بسبب الإرهاق، ونفى "داونينغ ستريت" ذلك.

وقبل هذا بأسابيع، ألقى باول في كييف في سبتمبر (أيلول) الماضي خطاباً علنياً، وهو أمر نادر في منصبه. وقال خلاله، بحسب "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي)، إن على أوروبا أن تستعد لتحمل مشقة حقيقية كي تواصل الضغط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتواصل دعم أوكرانيا. وتلخص هذه الأسابيع القليلة طبيعة الدور الذي يؤديه الرجل اليوم، وسيط يتحرك بعيداً من الكاميرات، ومستشار يحمل ملفات بالغة الحساسية، وشخصية لا يكاد يمر شهر من دون أن تثير جدلاً.

ولد جوناثان نيكولاس باول في الـ14 من أغسطس (آب) 1956، وهو أصغر أربعة أبناء للمارشال الجوي جون فريدريك باول وزوجته جيرالدين التي درست الآداب الكلاسيكية وتنحدر من عائلة أرستقراطية. الأب ابن مزارع من تلال ويلز كان شارك في حملات كير هاردي، أحد مؤسسي حزب العمال، والتحق بجامعة كامبريدج بمنحة في الغناء الكورالي، وهناك تعرف إلى زوجته، وفق صحيفة "اندبندنت".

ولأن والده كان ضابطاً في سلاح الجو الملكي، أمضى باول طفولته في سنغافورة وماليزيا. وصارت العائلة لاحقاً من أكثر العائلات تأثيراً في الحياة السياسية البريطانية. فشقيقه الأكبر تشارلز الذي يحمل اليوم لقب "البارون باول أوف بايزووتر"، كان السكرتير الخاص لرئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر في السياسة الخارجية ومستشارها. أما شقيقه كريس، فكان من كبار مديري الإعلان، وعملت وكالته لمصلحة حزب العمال الحاكم، في حين اتجه شقيقه رودريك إلى قطاع التكنولوجيا.

وتصفه "اندبندنت" بأنه كان دائماً في صف اليسار ومؤيداً لحزب العمال طوال حياته، وتذكر أنه أعلن نفسه "ماوياً" وهو في الـ14 من عمره. تعلم في مدرسة جوقة الكاتدرائية ثم في مدرسة "كينغز سكول" في كانتربري، وتمرد هناك على أنظمتها التقليدية. ثم درس التاريخ في "يونيفيرسيتي كوليدج" بـ"جامعة أكسفورد"، وانتقل بعدها إلى "جامعة بنسلفانيا" الأميركية بمنحة "ثورون" لينال شهادة ثانية في التاريخ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رحلة البداية

عمل باول خلال أعوام الدراسة في مهن متنوعة، من بينها مساعد ثانٍ للبستاني في السفارة البريطانية لدى واشنطن حين كان شقيقه تشارلز دبلوماسياً فيها، وطاهٍ للوجبات السريعة في أحد مطاعم سلسلة "ليتل شيف" في مقاطعة هامبشير.

بدأ باول حياته المهنية بين عامي 1978 و1979 صحافياً متدرباً في "بي بي سي" وقناة "غرانادا". ويقول، بحسب مجلة "سبكتيتور"، إنه تقدم إلى وزارة الخارجية لأسباب من بينها أن والديه لم يعتبرا الصحافة "مهنة حقيقية".

والتحق بالخارجية عام 1979، وعمل في لشبونة وستوكهولم وفيينا وواشنطن، وكان مسؤولاً عن ملف المفاوضات مع الصين في شأن إعادة هونغ كونغ، وشارك في مفاوضات "اثنين زائد أربعة" التي مهدت لتوحيد ألمانيا، وشارك أيضاً في محادثات الحد من التسلح مع دول الكتلة السوفياتية السابقة في إطار مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا.

وجاءت النقلة الكبرى في مسيرته عام 1991، حين صار المسؤول السياسي في السفارة البريطانية لدى واشنطن.، فرافق حملة بيل كلينتون الانتخابية عام 1992، وتوقع فوزه وصح توقعه. ثم نظّم زيارة لغوردون براون وتوني بلير إلى العاصمة الأميركية ليدرسا الطريقة التي فاز بها كلينتون، وكانت تلك الزيارة بداية علاقته المهنية مع بلير.

 

ظل بلير

انتُخب بلير زعيماً لحزب العمال عام 1994، وبعد ذلك بوقت قصير عرض على باول أن يصبح مدير مكتبه. رفض باول في البداية، ثم استقال من السلك الدبلوماسي عام 1995 وقبل المنصب. وبعد فوز حزب العمال الساحق في انتخابات 1997، صار مديراً لمكتب رئيس الوزراء في "داونينغ ستريت". وكان هذا منصباً مستحدثاً يمنح صاحبه حق إصدار الأوامر لموظفي الخدمة المدنية، وهي سلطة لم يحظَ بها معيَّن سياسي قبله.

كان باول المستشار الكبير الوحيد الذي بقي مع بلير منذ انتخابه زعيماً للحزب حتى مغادرته "داونينغ ستريت" عام 2007. وتولى تنسيق العمل السياسي وغير السياسي في مكتب رئاسة الوزراء، وجلس في مجالس الحرب التي عُقدت في شأن العراق عام 1998، ثم في شأن كوسوفو وأفغانستان وحرب العراق عام 2003، وفق "معهد الحكومة". ونقلت "ذا تلغراف" عن مسؤول كبير في الخدمة المدنية وصفه له بأنه "أقرب ما يكون إلى نسخة ثانية من بلير".

وضعته حرب العراق تحت المجهر، ولا سيما خلال "تحقيق هاتون" في وفاة عالم الأسلحة ديفيد كيلي الذي كان خبيراً في وزارة الدفاع ووُجد ميتاً عام 2003، بعدما كُشف عن أنه المصدر الذي اعتمد عليه تقرير لـ"بي بي سي" شكك في الملف الحكومي عن أسلحة العراق. ولاحظت صحيفة "إيفنينغ ستاندرد" يومها وضوح الشهادة التي أدلى بها باول أمام التحقيق.

إضافة إلى إدارته مكتب رئاسة الوزراء، كان باول كبير مفاوضي الحكومة البريطانية في ملف إيرلندا الشمالية بين عامي 1997 و2007. وكان يعبر البحر الإيرلندي كل أسبوع، فيلتقي زعيمي حزب "شين فين" القومي جيري آدامز ومارتن ماكغينيس في منازل آمنة، ثم يجتمع مع قادة الوحدويين، ويصف بناء الثقة بين الطرفين بأنه كان "أصعب ما في الأمر".

وكان باول من المهندسين الرئيسين لـ"اتفاق الجمعة العظيمة" الموقع عام 1998، المعروف أيضاً بـ"اتفاق بلفاست" الذي أنهى معظم أعمال العنف في الصراع الذي عُرف باسم "الاضطرابات"، وأنشأ في إيرلندا الشمالية حكومة محلية يتقاسم فيها القوميون والوحدويون السلطة. ثم أمضى باول نحو عقد في متابعة تطبيقه، حتى عادت الحكومة المحلية عام 2007 بشراكة بين زعيم "الحزب الديمقراطي الوحدوي" إيان بيسلي ومارتن ماكغينيس.

ويقول باول، بحسب صحيفة "شيرويل" الطلابية في أكسفورد، إن هذا العمل "أهم ما فعلته في حياتي على الإطلاق". وفي السادس من أبريل (نيسان) عام 2023، وفي الذكرى الـ25 للاتفاق، منحته "كلية ترينيتي" في دبلن دكتوراه فخرية في القانون، وذكرت أنه كان بإجماع الآراء من العناصر الأساسية في صنع التسوية. وكانت "جامعة كوينز" في بلفاست عيّنته عام 2017 أستاذاً فخرياً في "معهد السيناتور جورج ميتشل للسلام والأمن والعدالة العالمية".

 

المفاوض والمستشار

غادر باول "داونينغ ستريت" مع بلير عام 2007، وانضم إلى مصرف "مورغان ستانلي" مديراً تنفيذياً أول في قسم الخدمات المصرفية الاستثمارية، وبقي فيه حتى 2009. وعمل في الوقت نفسه مفاوضاً ومستشاراً في شؤون النزاعات لدى "مركز الحوار الإنساني" بجنيف.

وعام 2011 أسس مع الدبلوماسي البريطاني مارتن غريفيث منظمة "إنتر ميديت" الخيرية، المتخصصة في الوساطة في النزاعات المسلحة الأكثر تعقيداً في العالم. وأثناء هذه المرحلة، شارك في المفاوضات بين الحكومة الإسبانية ومنظمة "إيتا" الانفصالية في إقليم الباسك، وهو مسار بدأ عام 2006 وانتهى بـ"إعلان آييتي" في سان سيباستيان عام 2011. كذلك، قدم المشورة إلى الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس خلال مفاوضاته مع القوات المسلحة الثورية (فارك) بين عامي 2011 و2018.

ومنذ عام 2013 دخل باول في عملية السلام بين تركيا و"حزب العمال الكردستاني"، وعمل كذلك على مفاوضات السلام في موزمبيق. وعام 2014 عيّنه رئيس الوزراء المحافظ ديفيد كاميرون مبعوثاً بريطانياً خاصاً إلى ليبيا، فحاول حتى عام 2016 فتح قنوات حوار بين الأطراف المتحاربة.

لا يتوقف الجدل حول باول عند تشاغوس والعراق، بل يمتد إلى سوريا. فقد تحدثت تقارير صحفية عن أن منظمة "إنتر ميديت" أدت أدوار وساطة أساسية مع الحكومة التي أقامتها المعارضة في إدلب قبل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وأنها تشغل مكتبا داخل القصر الرئاسي في دمشق. ونقلت صحيفة "ذا ناشيونال" أنه "يُعتقد" بأن باول كان على تواصل غير معلن مع "هيئة تحرير الشام" عبر المنظمة قبل أن تصل إلى السلطة. وذكرت الصحيفة أيضا أن تقارير تحدثت عام 2021 عن لقاء جمعه بأحمد الشرع، الذي كان يُعرف يومها بأبو محمد الجولاني، وأن "الهيئة" نفت ذلك.

وفي مايو (أيار) 2025 قال السفير الأميركي السابق لدى دمشق روبرت فورد، في جلسة أمام "مجلس بالتيمور للشؤون الخارجية"، إن منظمة بريطانية متخصصة في حل النزاعات دعته عام 2023 إلى مبادرة غايتها نقل الشرع من "الإرهاب إلى السياسة". وعرفت "اندبندنت عربية" بأن تلك المنظمة هي "إنتر ميديت". في المقابل، نفى مصدر في الرئاسة السورية رواية فورد، وقال إن اللقاءات اقتصرت على نقاشات عامة في شأن تجربة الحكم في إدلب، جرت مع مئات الوفود الأجنبية.

 

عصارة التجربة

جمع باول خبرته في ثلاثة كتب، الأول "كراهية عظيمة، مساحة ضيقة" عام 2008، ويروي فيه من الداخل قصة عملية السلام في إيرلندا الشمالية، والثاني "مكيافيلي الجديد" عام 2010، ويتناول خلاله ممارسة السلطة في العالم الحديث، والثالث "الحديث مع الإرهابيين" عام 2014، ويدافع فيه عن ضرورة التفاوض مع الجماعات المسلحة إذا أرادت الدول إنهاء النزاعات.

عاد باول للعمل الحكومي عام 2024، حين عيّنه رئيس الوزراء كير ستارمر مبعوثاً خاصاً للمفاوضات مع موريشيوس في شأن السيادة على جزر تشاغوس. ووُقّع الاتفاق في مايو (أيار) 2025، وتنازلت بموجبه بريطانيا عن السيادة على الأرخبيل لموريشيوس، مع الاحتفاظ بعقد إيجار مدته 99 عاماً لـ"قاعدة دييغو غارسيا العسكرية".

وفي الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أعلن ستارمر تعيين باول مستشاراً للأمن القومي خلفاً للسير تيم بارو الذي شغل المنصب منذ سبتمبر 2022. وتسلم باول مهماته في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2024 بعدما ابتعد من "إنتر ميديت". وفاجأ التعيين المراقبين، بحسب "ذا تلغراف" و"المعهد الملكي للخدمات المتحدة"، لأن الحكومة كانت تخطط لتعيين ضابط عسكري رفيع هو الجنرال السير غوين جنكينز.

ويشمل المنصب تقديم المشورة إلى رئيس الوزراء والحكومة في قضايا الأمن القومي، وحضور اجتماعات مجلس الأمن القومي، والإشراف على تنفيذ "إستراتيجية الأمن القومي 2025" في الوزارات المختلفة. ثم صار باول في قلب السياسة الخارجية البريطانية، فدعم "تحالف الراغبين" لمساندة أوكرانيا، وعمل على ترميم العلاقة بين كييف وواشنطن، كذلك حضر المحادثات الأميركية- الإيرانية، وشارك في مساعي وقف إطلاق النار في غزة.

ووفق "بي بي سي" وصحيفة "ذا أوبزرفر"، كان باول ينوي ترك منصبه خلال خريف 2026، لكنه وافق على البقاء حين خلف آندي بيرنهام ستارمر في رئاسة الوزراء، حرصاً على استمرارية السياسة الخارجية.

 

انتقادات واعتراضات 

لم يخلُ مسار باول من الانتقادات، فتعيينه نفسه أثار اعتراض من رأوا أن المنصب ينبغي أن يبقى في يد موظف حكومي محترف. وأفادت "ذا تلغراف" و"سبكتيتور" بأنه مُنع من المثول أمام لجنة الأمن القومي البرلمانية بحجة أنه مستشار خاص. وكان "اتفاق تشاغوس" بدوره موضع جدل، وتعرض دور باول فيه لانتقادات سياسية متواصلة.

كذلك أثار موقفه الثابت من ضرورة التفاوض مع جماعات مثل "طالبان" و"حماس"، بل حتى "داعش"، انتقادات متكررة. في المقابل، يستند باول في هذا إلى تجربة إيرلندا الشمالية، حيث لم يتحقق السلام إلا بعد سنوات من الحوار مع قيادات ارتبطت بالعنف المسلح.

وامتد الجدل إلى حياته الخاصة، إذ تزوج عام 1979 الأميركية كارين درين، وأنجب منها ابنين قبل انفصالهما عام 1997. ثم تزوج عام 2007 الصحافية والكاتبة سارة هيلم، محررة الشؤون الأوروبية السابقة في "اندبندنت" التي يعيش معها منذ التسعينيات وله منها ابنتان. وكتبت هيلم عام 2011 مسرحية "الولاء"، وهي عمل يستند إلى سيرتها، عن زواج يهتز بسبب إخلاص الزوج لبلير خلال الفترة التي سبقت حرب العراق، وهي الحرب التي عارضتها.

وفي أكتوبر الجاري، نظرت شرطة العاصمة في منشور لهيلم على وسائل التواصل الاجتماعي أبدت فيه تعاطفاً مع كتّاب يدعمون جماعة "فلسطين أكشن" المحظورة، وخلصت إلى أنه لا يبلغ عتبة الجريمة، فيما أعلن "داونينغ ستريت" أن آراءها لا تمثل الحكومة.

من الممكن أن يبقى باول في منصبه نظراً إلى حاجة الحكومة الجديدة إلى الاستمرارية في ملفات أوكرانيا وإيران والشرق الأوسط. وربما يرحل في هدوء تحت ضغط الإرهاق الذي تحدثت عنه "ذا تلغراف"، فيعود للوساطة التي صنعت سمعته الدولية. وأيّاً كان المسار، فإن باول أمضى عمره يقنع الآخرين بأن الحوار مع الخصوم ممكن مهما بلغت العداوة، والسؤال الذي سيتركه خلفه لا يتعلق به وحده، بل بالمنصب نفسه، فهل صُمم مكتب مستشار الأمن القومي على مقاس مفاوض سياسي، أم يعود بعد رحيله لأيدي الجنرالات وكبار الموظفين؟

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير