ملخص
تكشف تقارير حقوقية عن إصابة محتجزين أمميين بأمراض خطرة وحرمانهم من التواصل مع أسرهم والحصول على الرعاية الطبية، فيما سجلت ثلاث وفيات بين العاملين في المنظمات الدولية منذ عام 2023، وسط انتقادات لفاعلية الجهود الأممية في حمايتهم.
أعادت وفاة الموظف الأممي اليمني محمد إبراهيم الشامي داخل معتقلات ميليشيا الحوثي في صنعاء، ملف الانتهاكات في حق العاملين في المنظمات الدولية إلى الواجهة، وسط مطالبات أممية ويمنية بتحقيق مستقل لكشف ملابسات وفاته، ومخاوف متزايدة على مصير عشرات الموظفين الذين لا يزالون رهن الاحتجاز.
وكشفت أسرة الشامي، في بيان أصدرته اليوم الأحد، أنها تلقت نبأ وفاته في 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد نحو 29 شهراً من اعتقاله في السادس من يونيو (حزيران) 2024، مشيرة إلى أنها أُبلغت بأنه توفي قبل أشهر من دون إخطارها، رغم مطالباتها المتكررة بالكشف عن مصيره.
وكان الشامي يعمل لدى مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في اليمن، واعتُقل ضمن حملة استهدفت موظفين أمميين وعاملين في منظمات دولية ومحلية.
وفاة ثانية داخل المعتقلات
وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن صدمته وإدانته لوفاة الشامي، مؤكداً أنها ثاني حال وفاة لموظف أممي أثناء احتجازه لدى الحوثيين، بعد وفاة أحد موظفي برنامج الأغذية العالمي في فبراير (شباط) عام 2025.
تحديث ثان.. أسرة الموظف الأممي الشامي الذي توفي في معتقل للحوثي، تطالب بتحقيق عاجل ومستقل. نص بيان الأسرة.. بفجع عميق، وحزن يعصر القلوب، تلقت أسرتنا يوم الجمعة، 30 أكتوبر 2026، الخبر الفاجع والمؤلم بوفاة فقيدنا البار محمد إبراهيم محمد الشامي. الموظف في مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أثناء فترة احتجازه في صنعاء. وكما بلغنا ان محمد متوفي منذ عدة اشهر ولم يتم اعلامنا رغم مطالبنا المستمرة للافصاح عن مصيرة. لقد عاش محمد، وعاش أهله ومحبوه معه، في عتمة الإخفاء وحرقة الانقطاع لنحو 29 شهراً متواصلة منذ احتجازه في 6 يونيو 2024. طوال هذه الأشهر الطويلة، حُرمنا من أدنى حقوقنا الإنسانية في الاستماع إلى صوته، أو الاطمئنان على صحته، لتتوج هذه المعاناة القاسية بنبأ رحيله الفاجع. رحل والد محمد وفي قلبه حسرة غياب ابنه، بعد انتظار طويل دون أن تتحقق أمنيته الأخيرة برؤيته. وها هو محمد يرحل ولم يعلم بوفاة والده. هاهو محمد يرحل ولم يعلم ان ابنه الاصغر اصبح قادرا على المشي والكلام. وهاهي امنية والدته بلقائه تختفي بوفاة محمد. وها نحن اليوم حُرمنا التواصل مع محمد لمدة ٢٩ اشهر منذ اعتقاله وبوفاته حُرمنا التواصل معه للابد. عجزنا عن اجابة اولاده عن اختفاء والدهم وهانحن نعجز اليوم اليوم عن اجابة اولاده عن وفاة والدهم. ماهذة المأساة والكارثة الانسانية. اين العدل؟! إننا اليوم، وفي هذا الأحد 1 نوفمبر 2026، وأمام هذا المصاب الإنساني الأليم، نتوجه إلى السلطات في صنعاء بمطالبة إنسانية عادلة لا تحتمل التأجيل: فتح تحقيق عاجل، شفاف، ومستقل، للوقوف على كافة ملابسات الوفاة، وتزويدنا بتفسير رسمي وواضح يكشف أسبابها. إن حرمان الأسرة من أبنها حياً لأكثر من عامين ناهيك عن حرمانها من معرفة الحقيقة حول كيفية رحيله، هو وجع لا يقره عرف ولا ضمير إنساني. كما نبعث بنداء استغاثة مفتوح إلى الأمم المتحدة، وخاصة المفوضية السامية لحقوق الإنسان، والمنظمات الحقوقية والإنسانية كافة، والصحفيين، وكل أصحاب الضمائر الحية في اليمن والعالم: لا تتركوا صورة محمد تطويها الظلمات، تكثيف جهودكم ومتابعة هذه القضية بشكل عاجل هو حق أصيل لمحمد، وواجب أخلاقي فقضية محمد قد لاتكون الاولى وقد لا تكون الاخيرة. صادر عن: أسرة الفقيد محمد إبراهيم محمد الشامي الأحد، 1 نوفمبر 2026
— فارس الحميري | Fares Alhemyari (@FaresALhemyari) November 1, 2026
وأوضح المتحدث باسم الأمين العام ستيفان دوجاريك، في بيان صدر في الـ31 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن ملابسات الوفاة لا تزال مجهولة، وأن الحوثيين لم يقدموا منذ اعتقال الشامي معلومات عن حالته الصحية أو دليلاً على بقائه حياً، على رغم الطلبات الأممية المتكررة.
وطالب غوتيريش بتحقيق فوري ومحايد وشفاف وشامل، مشدداً على مسؤولية الجهات التي تحتجز الموظفين عن حمايتهم وضمان سلامتهم وتوفير الرعاية الطبية اللازمة لهم.
وكشفت الأمم المتحدة عن استمرار احتجاز 70 من موظفيها وخمسة موظفين سابقين لدى الحوثيين، إضافة إلى عاملين في المنظمات الإنسانية والمجتمع المدني، معربة عن قلقها على صحتهم الجسدية والنفسية، ومجددة مطالبتها بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.
من جانبه طالب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك بالكشف عن السجلات الطبية وسجلات الاحتجاز المتعلقة بالشامي، والحفاظ على الأدلة وإخضاع أسباب الوفاة لفحص مستقل، بما يضمن تحديد المسؤوليات والمحاسبة عن أي انتهاكات.
وأكد تورك حق أسرة الشامي في معرفة حقيقة ما حدث، معرباً عن قلقه في شأن سلامة بقية المحتجزين، ومن بينهم سبعة من العاملين في مكتبه، وداعياً إلى تمكين الأمم المتحدة من الوصول إليهم، وضمان معاملتهم بصورة إنسانية وتواصلهم مع أسرهم وحصولهم على الرعاية الطبية.
وحذر من تداعيات استمرار احتجاز العاملين الأمميين والإنسانيين على قدرة المنظمة على تقديم المساعدات للشعب اليمني.
أسر تنتظر منذ سنوات
وبحسب منظمة "ميون" لحقوق الإنسان، تلقت أسرة الشامي نبأ وفاته في الـ10 من أكتوبر الماضي، من دون توضيح ملابساتها أو تسليم جثمانه، بعدما ظلت طوال فترة احتجازه محرومة من معرفة مكانه أو التهم الموجهة إليه، فيما لم يتح له التواصل مع محام.
ونقلت المنظمة عن أحمد بيدر، أحد أقارب الشامي، أنه ترك ثلاثة أطفال، بينهم ابنة أنهت المرحلة الثانوية، وابن في المرحلة الابتدائية، فيما كان أصغر أبنائه يبلغ سنة ونصف السنة عند اعتقال والده.
ولم تكن وفاة الشامي الأولى بين العاملين في المنظمات الإنسانية المحتجزين لدى الحوثيين، إذ سبقتها وفاة موظف برنامج الأغذية العالمي أحمد باعلوي في فبراير عام 2025، بعد أسابيع من اعتقاله.
وتوفي مدير الأمن والسلامة في منظمة "إنقاذ الطفل" هشام الحكيمي خلال أكتوبر عام 2023، بعد نحو 45 يوماً من احتجازه، من دون أن تتمكن أسرته أو محاميه من التواصل معه، وفق ما وثقته منظمات حقوقية.
أمراض خطرة خلف القضبان
ووثقت منظمتا "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية"، في تقرير مشترك صدر في السادس من أكتوبر الماضي، تدهور الأوضاع الصحية لعدد من العاملين الأمميين والإنسانيين المحتجزين لدى الحوثيين، وسط قيود على الزيارات العائلية والحصول على الرعاية الطبية.
ومن بين الحالات التي تناولها التقرير سامي كلابي (41 سنة)، وهو موظف أممي اعتقل في يونيو 2024، ويعاني السرطان ويتلقى علاجاً كيماوياً في مستشفى عسكري، فيما تمنع السلطات الحوثية أسرته من زيارته وترفض الكشف عن مكان احتجازه.
ووثق التقرير حال لبيب شايف (57 سنة)، وهو مستشار اعتقل في الفترة نفسها، ويعاني السكري وأصيب بالتهاب الكبد الوبائي "بي" أثناء احتجازه، ولم يسمح لأسرته بزيارته سوى مرة واحدة في أغسطس (آب) عام 2025، وسط تدهور حالته الصحية وعدم حصوله على الرعاية الطبية الكافية.
وفي حال أخرى، نقلت المنظمتان عن أسرة الطبيب علي المضواحي، المستشار السابق لدى منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف"، إفادات في شأن تعرضه للحبس الانفرادي والتعذيب والضغوط النفسية خلال احتجازه.
وكشف التقرير عن إحالة ثمانية عاملين في المجالين الإنساني والحقوقي، بينهم موظفون أمميون، إلى النيابة الجزائية المتخصصة في صنعاء، بتهم تتعلق بالتجسس وإعانة العدو، وهي اتهامات قد تصل عقوبتها إلى الإعدام.
حملات اعتقال متواصلة
وتعود أحدث موجات الاعتقال الواسعة التي استهدفت موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى عام 2024، حين شنت ميليشيات الحوثي حملة طاولت عشرات العاملين في المؤسسات الدولية والمحلية، قبل أن تتوسع خلال الأشهر والأعوام التالية.
وبحسب "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية"، اعتقلت الجماعة منذ ذلك الحين أكثر من 100 موظف أممي وعامل في المنظمات الإنسانية والمجتمع المدني، واحتجزت عدداً منهم من دون توجيه اتهامات أو السماح لهم بالتواصل مع أسرهم ومحاميهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووجه الحوثيون إلى بعض المحتجزين اتهامات بالعمل ضمن شبكات تجسس لمصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي اتهامات رفضتها الأمم المتحدة، مؤكدة الطابع الإنساني لأنشطة موظفيها.
ودفعت الاعتقالات الأمم المتحدة إلى تعليق التنقلات الرسمية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وداخلها في يناير (كانون الثاني) عام 2025، قبل أن تقرر في فبراير من العام نفسه تعليق عملياتها وبرامجها في محافظة صعدة، بسبب المخاوف المتعلقة بسلامة موظفيها وغياب الضمانات الأمنية اللازمة.
مطالبات بكشف ملابسات الوفاة
وفي اليمن، حمل وزيرا حقوق الإنسان والإعلام جماعة الحوثيين المسؤولية عن وفاة الشامي خلال احتجازه، مطالبين بتحقيق دولي مستقل ومحاسبة المسؤولين وتسليم جثمانه إلى أسرته.
وانتقد وزير حقوق الإنسان اليمني قصور الجهود الأممية في متابعة أوضاع الموظفين المحتجزين والضغط للإفراج عنهم، عادَّاً أن وفاة الشامي تستدعي مراجعة جادة لآليات التعامل مع هذا الملف.
من جانبه عدَّ وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني أن القضية تضع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية، مؤكداً أن الإدانات وحدها لا تكفي لحماية المحتجزين.
ودعا الإرياني مجلس الأمن إلى اتخاذ إجراءات عملية للإفراج عن جميع الموظفين المحتجزين، وكشف مصير المخفيين قسرياً، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، إضافة إلى تصنيف جماعة الحوثيين منظمة إرهابية وفق الأطر القانونية المعمول بها.