ملخص
اعتماد خطة وطنية شاملة تُنفذ على مرحلتين، تتمثل الأولى في إجراء مسح شامل للمناطق المتضررة، وتحديد أولويات التدخل، فيما تتضمن الثانية تنفيذ عمليات الإزالة والتطهير وفق برامج زمنية محددة.
على مدى 14 عاماً عاش السوريون ويلات حرب قاسية ألحقت ضرراً بالغاً بالبشر والحجر ولا تزال آثارها ماثلة إلى اليوم، من خلال الدمار الواسع الذي طاول المدن والحرائق التي التهمت الغابات والأراضي الزراعية، وعمليات قطع الأشجار التي زادت من حجم الكارثة البيئية.
غير أن الخطر لا يقتصر على ما خلفته الحرب من دمار ظاهر، بل يمتد إلى تهديد آخر أكثر خفاءً يتسلل تحت الأرض ويتربص بحياة السكان.
قصة البيت الملغوم
على رغم مُضي عامين على سقوط نظام الأسد لا تزال الألغام والذخائر غير المنفجرة على امتداد الجغرافيا تؤرق أصحاب البيوت والأراضي العائدين إليها حديثاً، ومهمة إزالتها تعد من أكبر التحديات وأخطرها مما يعوق عودة النازحين والمهاجرين قسراً، لا سيما أن نحو 15 مليون سوري يعيشون داخل مناطق معرضة لخطر مخلفات الحرب، بحسب تقارير أممية ومنظمات حقوقية تتبع للأمم المتحدة.
داخل ريف إدلب الجنوبي أرض الألغام والذخائر على مدى أعوام طويلة، عاد الشاب مصطفى أبو ممدوح (30 سنة) إلى بيته برفقة ثلاثة من أخوته.
لم تكن صدمة العودة مقتصرة على مشاهد المنازل التي جُردت من أسقفها ومحتوياتها بفعل ما يُعرف بـ"التعفيش"، وهو مصطلح متداول يصف عمليات النهب المنظم لممتلكات السكان التي شهدتها مناطق سورية خلال فترات الحرب، بل امتدت إلى مشهد أكثر إيلاماً تمثل في العثور على مئات أشجار الزيتون والجوز والتين المقطوعة بالكامل، ليتحطم معه الحلم بمنزل يحضنهم بعد غربتهم الطويلة.
يروي الشاب حكايته مع خمسة ألغام واجهته متحدثاً عن كيفية تعامله معها بمغامرة كادت تزهق روحه "لقد استأجرنا بيتاً لعائلتي وعائلات إخوتي، ريثما نرمم بيوتنا المتقاربة من بعضها داخل أرضنا الزراعية، وما إن بدأنا العمل على تنظيف أكوام التراب من منازلنا حتى عثرنا على أول لغم متروك بالأرض وفوقه عبوة ماء، ثم اكتشفنا لغماً آخر تعلوه قطعة حجر صغيرة متصلة بخيط، وتوالت المفاجآت مع استمرار التنظيف إلى أن عثرنا داخل أحد المنازل على عبوة ناسفة على صورة صاروخ، وكانت الأخطر بين جميع المتفجرات التي صادفناها".
حكاية هذا الشاب لم تنته عند اكتشاف عبوات ناسفة كادت بخطأ صغير تودي بحياته أو حياة إخوته بل بطريقة التخلص منها، فانتظار الفرق الهندسية بحسب رأيه ومع اتساع الأراضي الملوثة بالألغام تحتاج إلى وقت طويل، مما يترك تأثيراً في عملية الترميم ويبطئ من عودة العائلات.
"القرار صعب جداً لكن ليس باليد حيلة، وضعت روحي على كفي مجازفاً بها"، يتابع حديثه عن بيته المليء بالألغام والذي تحول بفعل موقعه الجغرافي خلال فترة الحرب إلى مركز تدريب قرب خطوط التماس، مشيراً إلى أنه تمكن من إزالة الألغام المعدة للانفجار، مستنداً إلى خبرته السابقة في مجال تفكيك الألغام.
الخريطة وثلاثة أعوام
في الأثناء أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح عن إطلاق قريب لأول خريطة لتوزع الألغام داخل البلاد بهدف تحديد مناطق انتشارها، وفي تصريح صحافي تحدث عن عمل وزارته المتواصل على تبادل الخبرات والاستفادة من التقنيات المتطورة في مجال إزالة الألغام بالتعاون مع ألمانيا وأوكرانيا، كاشفاً عن التحضير لإيفاد فريق سوري إلى أوكرانيا بعد زيارة قام بها فريق أوكراني إلى سوريا خلال الفترة الماضية.
وتأتي هذه الخريطة بهدف تحقيق نتائج ملموسة تسهم في حماية المدنيين، وتمكين الأهالي من استثمار أراضيهم الزراعية والمساعدة في إعادة إعمار المناطق المتضررة، وتسببت الذخائر غير المنفجرة والألغام بمصرع وجرح نحو 13 ألف شخص منذ عام 2011، بحسب بيانات المرصد الدولي للألغام الأرضية.
خطة شاملة
وفي معرض رده على تساؤل يتعلق بالخطة الزمنية للتخلص من عبء الألغام ومخلفات الحرب، قال وزير الطوارئ رائد الصالح ضمن تصريح خاص لـ"اندبندنت عربية" نُشر خلال قت سابق إن مئات الكوادر الوطنية والمتطوعين يعملون في هذا المجال، موزعين على فرق متخصصة في المسح الفني وغير الفني وفرق إزالة الألغام إلى جانب فرق التوعية المجتمعية، مضيفاً أن عمليات التأهيل والتدريب مستمرة لإعداد كوادر جديدة بالتعاون مع الشركاء المحليين والدوليين.
وفي ما يتعلق بالجدول الزمني كشف الصالح عن اعتماد خطة وطنية شاملة تُنفذ على مرحلتين، تتمثل الأولى في إجراء مسح شامل للمناطق المتضررة وتحديد أولويات التدخل مع التركيز على المناطق الأكثر تلوثاً بالألغام والذخائر والأكثر استقبالاً لعودة السكان، وتتضمن المرحلة الثانية تنفيذ عمليات الإزالة والتطهير وفق برامج زمنية محددة، تأخذ في الحسبان حجم التلوث والإمكانات المتاحة.
يردف قائلاً "نحن ملتزمون بالعمل المتواصل والمنهجي حتى التخلص الكامل من هذا العبء الإنساني، مع تأكيد أن نجاح الجهود الوطنية في هذا المجال يتطلب استمرار الدعم وتعزيز التعاون مع جميع الشركاء المحليين والدوليين".
في غضون ذلك، تواجه فرق تفكيك الألغام تحديات أمام اتساع رقعة الألغام والذخائر غير المنفجرة على امتداد الجغرافيا السورية، كذلك وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مصرع 47 شخصاً بينهم 40 من عناصر فرق الهندسة التابعة لوزارة الدفاع منذ سقوط نظام الأسد وحتى أبريل (نيسان) الماضي، وفق إحصائية نشرتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
وأحصت الشبكة في تقريرها مصرع لا يقل عن 3521 مدنياً نتيجة انفجار الألغام الأرضية من بينهم 931 طفلاً، ومصرع 362 سيدة وسبعة من كوادر الدفاع المدني إلى جانب ثمانية من الكوادر الطبية وتسعة من الكوادر الإعلامية من مارس (آذار) 2011 إلى نهاية عام 2024 وقت سقوط النظام السابق.
وأزهقت الألغام خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أرواح خمسة عسكريين وجُرح سبعة آخرون بجروح متفاوتة بينها حالات خطرة جراء انفجار ألغام وذخائر حرب داخل عدة محافظات (حمص ودير الزور والرقة وحلب) وفق ما ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، وذلك ضمن حوادث متفرقة لإزالة الألغام وتفكيك الذخائر غير المنفجرة.
وأضاف المرصد في بيان نُشر أخيراً "لا تزال الألغام والذخائر تحصد الأرواح وتُسقط جرحى بما في ذلك بين العناصر المكلفين بإزالتها في ظل الحاجة إلى مسح المناطق الملوثة، وتحديد مواقع الخطر وتأمينها، وتكثيف عمليات الإزالة بما يحد من الخسائر البشرية ويحمي المدنيين والعاملين في هذه المهام".
وعن الخريطة الجديدة للألغام أعلن رئيس دائرة الإزالة في المركز الوطني للأعمال المتعلقة بالألغام رائد حسون في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية "سانا"، استكمال رسم الخريطة الوطنية للتلوث وإعطاء الأولوية للحفاظ على أرواح المدنيين، وتأمين عودة النازحين إلى مناطقهم ثم استصلاح الأراضي الزراعية ودعم التنمية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لوحة "انتبه ألغام"
في المقابل وعلى امتداد نحو 15 عاماً من الحرب السورية، اتسعت رقعة المواجهات وتشابكت مناطق النفوذ، مما دفع أطراف النزاع إلى تكثيف زرع الألغام حول مواقع القيادة ومراكز القوة وعلى امتداد الحدود المتنازع عليها وخطوط التماس، بهدف حماية مواقعها وتعزيز تحصيناتها، وفي هذا السياق يحذر المهندس والجيولوجي عبدالقادر الحسن من تزايد الأخطار التي تهدد حياة السوريين، مشيراً إلى أن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية لا تزال مهجورة بعدما غادرها أصحابها خلال فترة الحرب، ومع عودتهم إلى مناطقهم تبرز الحاجة إلى فرق هندسية متخصصة لتمشيط الأراضي والتأكد من خلوها من الألغام والذخائر غير المنفجرة، وهي خطوة يرى الحسن أنها على رغم أهميتها لا تكفي وحدها لمواجهة حجم التهديدات القائمة.
وأشار في حديثه إلى أن الأمر يبدو أكثر تعقيداً في ظل غياب خرائط لدى أطراف النزاع تحصي أعداد هذه الألغام ومناطق انتشارها بصورة مفصلة، إذ "في بلدة السفيرة بريف حلب توجد قرية تنتشر فيها الألغام على نطاق واسع، مما اضطر الأهالي إلى رسم مسارات محددة وآمنة نسبياً يسلكها الأطفال للوصول إلى مدارسهم، كذلك وضع المزارعون خرائط لمسارات تنقلاتهم تتيح لهم الوصول إلى أراضيهم وتجنب المناطق الملغومة".
واللافت، وفق الجيولوجي، تعدد أطراف النزاع التي عمدت إلى زرع حقول الألغام من دون ترك أي مؤشرات واضحة تساعد على تحديد مواقعها أو معرفة كيفية التعامل معها ونزعها، فضلاً عن عدم قيام هذه الأطراف بالإعلان عن أخطار وجودها أو وضع إشارات تحذيرية تدل عليها، مما يزيد من تعقيد المشكلة ويضاعف أخطارها.