ملخص
تتحرك الحكومة البريطانية في ملف الهجرة على أربعة مسارات في وقت واحد، فتفتح باباً محدوداً لكفالة اللاجئين عبر الجمعيات الخيرية، وترفع سقف عرضها للاتحاد الأوروبي في برنامج تنقل الشباب إلى ما بين 75 و80 ألف شاب سنوياً، فيما تستعد وزيرة الداخلية شبانة محمود لعرض قرارها النهائي في شأن الإقامة الدائمة على البرلمان هذا الأسبوع. وفي المقابل، تواصل وزارة الداخلية ترحيل مهاجرين إلى فرنسا بموجب اتفاق "واحد يدخل واحد يخرج" على رغم انتهائه رسمياً في الأول من أكتوبر.
في الـ29 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعلنت وزارة الداخلية البريطانية فتح باب التقدم أمام الجمعيات الخيرية والمنظمات غير الربحية لتصبح "جهات كفالة رئيسة" ضمن مسارين جديدين لاستقدام اللاجئين، هما مسار "الكفالة المجتمعية المسماة" ومسار "دراسة اللاجئين". ووفق بيان الوزارة، يصل أول الوافدين عبر المسارين خلال خريف العام المقبل، على أن يفتح مسار ثالث مخصص لكفالة أصحاب العمل للاجئين في ربيع 2027.
ووفق وزارة الداخلية، صُممت المسارات الجديدة على غرار برنامج الكفالة الخاصة المعمول به في كندا منذ عقود، وتتولى عبرها جهات الكفالة الرئيسة التي تعتمدها الوزارة وتشرف عليها، دعم مجموعات محلية من قبيل الجمعيات الأهلية والكنائس والجامعات في استقبال اللاجئين. ويشترط في الجهة المتقدمة أن تكون جمعية خيرية مسجلة في بريطانيا أو منظمة غير ربحية، تتمتع بسمعة حسنة وتملك ضمانات وموارد كافية.
وأكدت الوزارة أن هذه المسارات ستكون محددة السقف ومضبوطة، ويرتبط عدد الوافدين عبرها بقدرة المجتمعات المحلية على الكفالة، موضحة أن أعداد الوافدين عبرها وعبر برنامج إعادة التوطين القائم ستكون بالمئات في البداية، ثم ترتفع إلى بضعة آلاف مع تراجع الهجرة غير الشرعية، غير أن الوزارة لم تكشف عن الرقم المحدد لسقف مسار الكفالة المجتمعية.
وقالت وزيرة أمن الحدود واللجوء آنا تورلي إن المجتمعات المحلية في أنحاء البلاد باتت قادرة على استقبال لاجئين فارين من الحرب والاضطهاد ومساعدتهم في بناء حياتهم من جديد. أما الرئيس التنفيذي لمنظمة "سيتيزنز يو كيه" ماثيو بولتون، فرأى أن البرنامج يضع قرار الاستقبال في أيدي المجتمعات المحلية.
في المقابل، قوبل الإعلان بهجوم من أقصى اليمين، إذ تعهد حزب "استعادة بريطانيا" بترحيل جميع الوافدين عبر هذه المسارات بأثر رجعي. ويأتي ذلك بعد أسابيع من إعادة وزيرة الداخلية شبانة محمود فتح برنامج إعادة التوطين الذي علقته الحكومة "العمالية" عام 2024 والذي تقول إنه يستهدف الفئات الأكثر ضعفاً كالنساء والفتيات في أفغانستان والفلسطينيين ذوي الحاجات الطبية الحرجة والناجين من التعذيب، ويمنح المقبولين فيه إقامة دائمة فورية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عرض الشباب
ولم يكُن الإعلان الخاص بالجمعيات الخيرية سوى واحد من أربعة تطورات تشهدها ملفات الهجرة في بريطانيا خلال أيام قليلة، إذ كشفت صحيفة "ذا صنداي تايمز" اليوم الأحد عن رفع الحكومة سقف عرضها للاتحاد الأوروبي في برنامج تنقل الشباب، فيما تستعد محمود لعرض قرارها النهائي في شأن قواعد الإقامة الدائمة على البرلمان، وتواصل وزارتها ترحيل طالبي لجوء إلى فرنسا بعد شهر من انتهاء الاتفاق الذي كان يجيز ذلك.
وبحسب "ذا صنداي تايمز"، قرر الوزراء السماح لما بين 75 و80 ألف شاب أوروبي سنوياً بالمجيء إلى بريطانيا لمدة تصل إلى ثلاثة أعوام ضمن برنامج تنقل الشباب، بعدما كان السقف البريطاني المقترح 50 ألفاً، في حين ضغط الاتحاد الأوروبي نحو رقم يقارب 100 ألف. ويتوقع أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق قبل القمة البريطانية- الأوروبية المقررة في الـ20 من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري.
ولا يحسم رفع السقف الخلافات كلها، إذ أفادت صحيفة "ذا غارديان" قبل أيام بأن مهلة التوصل إلى اتفاق قد تؤجل ستة أشهر حماية للقمة، بسبب تباينات في شأن الرسوم الجامعية والحصص ورسوم الخدمات الصحية. وأُبلغ سفراء الاتحاد في بروكسل بأن لندن لا تزال تريد أن يدفع الطلاب الأوروبيون الرسوم الدولية ويخضعوا للحصص ويسددوا رسم هيئة الخدمات الصحية الوطنية (أن أتش أس).
وانتقل النقاش من تفاصيل البرنامج إلى ما هو أوسع، إذ قال رئيس الوزراء آندي بيرنهام إن البلاد تحتاج إلى "نقاش صريح" في شأن تغير طبيعة الهجرة منذ "بريكست"، مستبعداً في الوقت نفسه الانضمام إلى منطقة اليورو أو فضاء "شنغن"، فيما وصف زعيم "ريفورم" نايجل فاراج تصريحاته بأنها "خيانة تامة" لبريطانيا ما بعد "بريكست". ويظل بيرنهام الذي تولى المنصب في يوليو (تموز) الماضي، ملتزماً برنامج سلفه كير ستارمر الانتخابي لعام 2024 الذي استبعد عودة حرية التنقل.
وفي الملف الثالث، تنتظر الأوساط السياسية قرار محمود النهائي في شأن قواعد الإقامة الدائمة التي كانت اقترحت فيها رفع مدة الانتظار من خمسة أعوام إلى 10، مع انتظار يصل إلى 15 عاماً لبعض المهاجرين من ذوي الأجور المنخفضة. ووفق ما فهمته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، يرجح أن يُستثنى عمال الرعاية الاجتماعية الموجودون في البلاد حالياً من الانتظار الأطول، بينما من الممكن أن يحتاج معظم العمال الآخرين إلى 10 أعوام، قابلة للتقليص لمن يساهم في مجتمعه المحلي أو يحقق دخلاً أعلى.
واستقطبت المشاورات الحكومية في شأن الإصلاحات 200 ألف رد، بينما امتنعت وزارة الداخلية عن التعليق قبل عرض القرارات على البرلمان خلال الأسبوع الجاري. وتقول الوزارة إن هذه التعديلات لا تحتاج إلى تشريع، مما يعني أنها تمرر عبر بيان تعديل لقواعد الهجرة لا عبر مشروع قانون.
وواجهت المقترحات اعتراضاً من داخل الحكومة نفسها، إذ وصفت وزيرة الإسكان أنجيلا راينر، قبل عودتها للحكومة، الخطة بأنها "غير بريطانية" لأنها تغير القواعد على أشخاص جاؤوا إلى البلاد بحسن نية. ويتجاوز عدد النواب المعارضين، بحسب التقديرات، المئة الذين وقعوا رسالة احتجاج علنية. وكانت محمود قالت أمام مؤتمر حزب العمال في ليفربول نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي إن الحكومة ستصل إلى موقف "يوازن الإنصاف".
أما من الجهة الأخرى، فاتهم متحدث باسم حزب المحافظين محمود بالرضوخ لضغوط راينر و"نوابها المؤيدين للحدود المفتوحة"، معتبراً أن ذلك إهانة لدافعي الضرائب البريطانيين.
الاتفاق مع فرنسا
في الملف الرابع، كشفت تقارير صحافية محلية عن أن وزارة الداخلية لا تزال ترحّل طالبي لجوء إلى فرنسا بعد أسابيع من انتهاء اتفاق "واحد يدخل واحد يخرج" مطلع أكتوبر الماضي، إذ إن الوزارة لا تزال تحتجز العشرات، واستأجرت طائرة إلى فرنسا الأربعاء الماضي لمجموعة يعتقد بأنها وصلت بالقوارب الصغيرة قبل انتهاء الاتفاق، فيما تقرر رحلة ثانية في الـ17 من نوفمبر الجاري.
وقالت مصادر في وزارة الداخلية إن ترحيل من بقي من المشمولين بالاتفاق مستمر بعد انتهائه. وبحسب بيانات حصلت عليها "ذا غارديان" بموجب قانون حرية المعلومات، ألغيت سبع رحلات ترحيل من أصل 23 بين يوليو وسبتمبر الماضيين.
ويواجه الاتفاق سؤال الجدوى من زاويتين، الأولى الكلفة إذ أبلغت محمود النواب في الـ15 من سبتمبر الماضي بأن ترحيل كل مهاجر كلف دافع الضرائب نحو 56 ألف جنيه إسترليني في المتوسط، فيما بلغت الكلفة الإجمالية للترحيل إلى فرنسا 78 مليون جنيه في الأقل، وفق إفادتها أمام لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان. والثانية العودة، إذ تفيد التقارير بأن سبعة في الأقل ممن رُحّلوا إلى فرنسا عادوا لبريطانيا منذ الأول من أكتوبر الماضي.
وكانت فرنسا رفضت تمديد الاتفاق على رغم طلبات بريطانية متكررة، فيما رأى وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز أن بلاده لا ينبغي أن تتحمل العبء وحدها، مفضلاً ترتيباً مستقبلياً بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا.