Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"7 أكتوبر": الربح والخسارة

استثمرت إسرائيل في أحداثه بصورة لا أخلاقية وبشعة وجعلت منه مبرراً لجرائم غير مسبوقة وحرب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين

يرى البعض أن الثمن كان أفدح بكثير من أن يوصف (أ ف ب)

ملخص

دفع الفلسطينيون فاتورة ضخمة للغاية، ستظل قابعة في ذاكرة الأمة العربية والشعوب المتعاطفة مع حقوقهم، خصوصاً أن المقاومة المشروعة ليست عملاً أحمق أو حدثاً عابراً بغير وعي، بل لها حساباتها والتزاماتها التي تجعلنا نفكر بعقلانية وتأمل، لنوازن بين الربح والخسارة في أدق ظروف حياتنا، وأصعب لحظات عصرنا، وستبقى القضية الفلسطينية، ولاشك، حية في ضمير شعوب الأرض وأحرار العالم.

نحن اليوم أمام سؤال حائر تتقاذفه الأفواه، وتختلف حوله الجماهير العربية والأجنبية على السواء، فمن قائل إن ما جرى في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 كلّف الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً، فالكفاح المسلح مشروع في كل الأعراف والقوانين المحلية والدولية، ما دام السعي إليه من أجل استرداد الحقوق واستعادة الحريات، ويرى أصحاب هذا الرأي أن ما فعله الفلسطينيون كان رد فعل متوقع، نتيجة سياسات القهر العنصري والاستيطان التوسعي والعدوان الإجرامي الذي تمارسه قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، لكنهم أيضاً سرعان ما يتداركون ذلك قائلين إن الثمن كان فادحاً، والضحايا كثر، على رغم أن ذلك يتناسب مع عدالة القضية واستعادة الحق، والتنبيه إلى أكثر قضايا العصر أهمية ووضوحاً، فإسرائيل بممارساتها وتصرفاتها تمثل نمطاً خاصاً للاستعمار الاستيطاني، بكل جرائمه ومفرداته.

ويرى بعض غلاة الفلسطينيين والمؤيدين لهم أن مشروعية النضال ضد الاحتلال تبرر تماماً ما أقدم عليه ذلك الشعب المحتلة أرضه، المقهورة إرادته، الذي عرف منذ أعوام طويلة ألواناً من العدوان، وأنواعاً من الاستبداد، لا نكاد نجد لها نظيراً في قواميس العلاقات الدولية أو الشرعية المعاصرة.

وترى شريحة كبيرة أخرى، من أنصار القضية الفلسطينية، أن أحداث السابع من أكتوبر 2023 كانت ناقوس خطر يدق أسماع الدنيا، كي يعلم الجميع أن الشعب الفلسطيني لن يختفي ولن يموت، ذلك أن قضيته عادلة، مثلما أن حق تقرير المصير لحصول ذلك الشعب المناضل على وطنه السليب، أمر لا مراء فيه، ولا جدال حوله، وهذا جانب من وجهة نظر أولئك الذين يؤيدون ما جرى، إذ تتحمل إسرائيل مسؤولية ذلك كله، لجرائمها المشهودة على مرأى ومسمع من المجتمع البشري كله، بل إن القضية الفلسطينية قبل تلك الأحداث كادت تدخل منعطفاً بارداً في أرشيف قضايا العصر ومشكلاته المزمنة، لذلك جاءت صحوة "السابع من أكتوبر"، وكانت بمثابة عودة القضية الفلسطينية لساحة العلاقات الدولية المعاصرة، بدلاً من الانزواء بين محاور المشكلات القائمة.

هذه رؤية قد نتفق أو نختلف حولها، لكن شريحة كبيرة من أنصار القضية الفلسطينية ينحازون لهذا التفسير، ويتحمسون له بانفعال عاطفي، لا نشكك في صدقه، ولا نرفض اعتباره جزءاً لا يتجزأ من سيكولوجية أنصار هذه القضية العادلة والمدافعين عنها، إذ يستشهدون بأن ما جرى في "السابع من أكتوبر"، والعدوان الإسرائيلي الوحشي المجرم على شعب غزة، والقوى المسعورة التي نهشت أجساد أطفال فلسطين وشيوخها ونسائها، ستظل كلها ذكريات حية لا تزول ولا تختفي أبداً، ولقد انتفض الشعب الفلسطيني من قبل مرات عدة، انتفاضات شعبية عارمة، وظل صوت أصحاب القضية بعيداً من أسماع أصحاب القرار بمسافة شاهقة، وتقاذفت أمواج العالم تظاهرات غير مسبوقة، خصوصاً من الشباب الغربي وأصحاب الرؤية والرأي فيه.

وعلى الجانب الآخر، لا تتحمس نخبة من شراح القضية والمرتبطين بتاريخها لهذا التفسير، ولا يرتاحون إليه، بل يرون في المقابل أن الثمن كان أفدح بكثير من أن يوصف، وأن مقتل عشرات الألوف، من النساء والأطفال وكبار السن، هو تأكيد لحجم الجريمة التي أقدمت عليها إسرائيل، وظلت تستخدمها كمبرر للعدوان، وكخلفية لجرائمها البشعة، حتى إن بعضهم يتصور أو يتوهم أن "السابع من أكتوبر" كان مدفوعاً بتحليلات استخباراتية معادية مدسوسة على الفلسطينيين، حتى يقترب رد الفعل لما حدث إقليمياً برد الفعل الدولي قبل ذلك بأكثر من 20 عاماً، في حادثة مروّعة، وهي ما جرى في الـ 11 من سبتمبر (أيلول) 2001، وكانت له نتائجه الضخمة على أمم وشعوب عدة، وظل تأثير تلك الحادثة قابعاً في اللاوعي الإنساني، يطفو على السطح من حين لآخر، ليوقظ مشاعر متضاربة حول آثاره وما ترتب عليه.

كذلك فإن الشعب الفلسطيني يحتفظ في ذاكرته الوطنية بأحداث "السابع من أكتوبر" ونتائجها، وقد يلوم بعضهم السنوار ورفاقه، بينما يرى بعضهم الآخر أن تصرفهم يقع تحت مظلة حرية الشعوب، وحقها في الكفاح المسلح من أجل التحرير، لكن يبقى السؤال: هل يساوي الأمر كله تلك النتائج الفادحة، والخسائر الضخمة التي أدت في النهاية إلى أن يتحول إقليم غزة إلى منازل مدمرة، ومبان منهارة، حتى إن كثيراً من الخبراء يرون أنها قد أصبحت غير مؤهلة للحياة أو إمكان المعيشة؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهكذا فهما وجهتا نظر تتصارعان، بين مؤيد ومعارض، على نحو لم نشهد له مثيلاً من قبل، ومع الطائفة الأولى التي تبرر ما حدث بأنه في النهاية، على رغم الدماء والأشلاء والقلوب المحطمة والأطفال اليتامى، قد أعطى القضية زخماً دولياً، خصوصاً بين الشباب في الغرب، حيث رأينا خروج التظاهرات والاحتجاجات من مدن كبرى عدة، تعبّر عن دعمها للنضال الفلسطيني، وتشجب بشدة العدوان الإسرائيلي والمذابح الدموية التي يمارسها جيش الاحتلال في وحشية وفظاعة، ونحن لا ننكر تلك الإيجابية الناجمة عن إيقاظ القضية والتصدي لمخططات تصفيتها، ومشاريع إجهاضها، مؤمنين بأن الحق يعود لأهله، وأن الباطل لا يدوم، فدولة الظلم ساعة، ودولة الحق حتى قيام الساعة، كما يقولون، وبين هؤلاء وأولئك تقف في المنتصف مجموعة من المفكرين والفلاسفة وكبار المؤرخين، من المنشغلين بتطورات القضية الفلسطينية، إذ يعتقدون أن المبررات التي يسوقها بعض أنصار "السابع من أكتوبر" لا تنهض كي تكون دليلاً باقياً ومستنداً تاريخياً، لتحرير شعب لن تموت قضيته أبداً.

وها نحن الآن، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من تلك الواقعة والتطورات التي نجمت عنها، والملابسات التي أدت إليها، ندرك بوعي كامل أن التضحيات كانت جسيمة، وأن الثمن كان غالياً، وأن ملايين الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني قد دفعوا، ولا يزالون، يدفعون ثمناً باهظاً لجرائم إسرائيل، التي استخدمت ذلك الحدث المأسوي الكبير الذي راح ضحيته مئات الإسرائيليين، وعشرات آلاف الفلسطينيين، مدركين أن إسرائيل قد استثمرت تلك الحادثة استثماراً لا أخلاقياً بشعاً، أعطت بها يهود فلسطين ما يستحقون وما لا يستحقون، فقد جعلتها مبرراً لجرائم غير مسبوقة، وحرب إبادة جماعية على الشعب الفلسطيني، في تعميم أعمى لا يفرق بين طفل أو امرأة، أو بين رضيع وليد، أو شيخ عجوز مسن، فتلك هي إسرائيل دائماً، لا تسعى إلى السلام ولا تعرف الاستقرار، ولا تهتم بالعدل ولا تقيم للشرعية الدولية أي حساب أو وزن، وليس ذلك بغريب عليها.

وأمام هذا الانقسام بين مؤيد ومعارض لأحداث "السابع من أكتوبر 2023"، نجد أنفسنا أمام ذلك التساؤل الكبير، حول حسابات الربح والخسارة، ونرى أن ذلك الحدث المحوري أيضاً أصبح نقطة تحول ضخمة في مسار القضية الفلسطينية، وإن كنّا نرى دوماً أن الكفاح المسلح والنضال المشروع يخضع أيضاً لحسابات وطنية وإنسانية، فأنا أرى شخصياً أن الفلسطينيين قد دفعوا فاتورة ضخمة للغاية، ستظل قابعة في ذاكرة الأمة العربية والشعوب المتعاطفة مع حقوقهم، خصوصاً أن المقاومة المشروعة ليست عملاً أحمق أو حدثاً عابراً بغير وعي، بل لها حساباتها والتزاماتها التي تجعلنا نفكر بعقلانية وتأمل، لنوازن بين الربح والخسارة في أدق ظروف حياتنا، وأصعب لحظات عصرنا، وستبقى القضية الفلسطينية، ولاشك، حية في ضمير شعوب الأرض وأحرار العالم.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء